شكلت عملية تأسيس الجمهورية الإسلامية القائمة على ولاية الفقيه والثورية الشيعية، أحد أبرز تجليات الثورة الإسلامية التي قادها الخميني في فبراير/شباط 1979، ومن أجل ترسيخ أركان هذه الجمهورية أصدر الخميني دستور 1979، لوضع إطار عام  للحكم والإدارة في إيران، ورسخ هذا الدستور بدوره ثنائية الثورة والدولة عبر إنتاج مؤسسات ثورية، أصبحت فيما بعد مؤسسات موازية لمؤسسات الدولة الرسمية التي كانت قائمة بذاتها.

رسخ الدستور الإيراني الطابع الثوري للجمهورية الإسلامية، عندما أطلق صفة القائد الأعلى للثورة الإسلامية على المرشد الأعلى، إلى جانب إسناد مهمة الحفاظ على النظام السياسي الجديد للحرس الثوري، فضلًا عن ذلك أكد الدستور الإيراني مبدأ علو المؤسسات الثورية على مؤسسات الدولة الأخرى، عندما منح القائد الأعلى للثورة والمؤسسات الثورية، حق نقض وإبطال القرارات والتشريعات الصادرة عن رئاسة الجمهورية، وهو ما أدى إلى تهميش واضح لمؤسسة الرئاسة والتضييق عليها في مجال ممارسة صلاحياتها المنصوص عليها دستوريًا.

أقامت إيران الثورة العديد من الممرات البرية والبحرية والجوية، لتزويد حلفائها في العراق ولبنان واليمن بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة

ورغم التاريخ الحافل للخلاف تارةً، والاندماج تارةً أخرى بين هذه الثنائية، على مدى اختلاف الرؤساء الذين تعاقبوا على مؤسسة الرئاسة، برزت الخلافات بين الثورة والدولة على أوجها مع وصول الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى سدة الحكم، خصوصًا أنه جاء نتيجة نقمة شعبية على التيار المحافظ والحرس الثوري، بسبب تداعيات الحركة الخضراء في يونيو/حزيران 2009، وفي ضوء البرامج الإصلاحية التي تبناها للحد من تأثير الحرس الثوري على السياسة الداخلية والخارجية، أخذ الحرس الثوري يمارس دور المُعرقل للكثير من هذه البرامج، وتحديدًا تلك التي تستهدف نفوذه الاقتصادي أو دوره الإقليمي.

وتصاعدت هذه الخلافات بصورة أكبر بعد توقيع الاتفاق النووي في أبريل/نيسان 2015، بعد الالتزامات التي تعهدت بها حكومة روحاني في التوقيع على اتفاقات عديدة متعلقة بمكافحة غسيل الأموال ودعم الإرهاب وتجارة المخدرات، وكلها اتفاقات ترتبط بشكل أو آخر بدور الحرس الثوري الداخلي والخارجي.

ففي مقابل التعهدات التي التزمت بها إيران الدولة في الاتفاق النووي، ذهبت إيران الثورة نحو تطوير الصواريخ الباليستية وتوسيع النفوذ الإقليمي، فأقامت العديد من الممرات البرية والبحرية والجوية، لتزويد حلفائها في العراق ولبنان واليمن بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، فضلًا عن تبني المرشد الأعلى والحرس الثوري نموذج "الاستدارة نحو الشرق" وتحديدًا الصين وروسيا، وثماره التعاون الإيراني الروسي في سوريا، أو "وثيقة التعاون الإيرانية الصينية التي تبلغ مدتها 25 عامًا"، إذ أصبحت بالنسبة لخامنئي وقادة الحرس الثوري بديلًا فاعلًا عن إعادة إحياء الاتفاق النووي، وهو ما خلق فجوةً كبيرةً بين ما تريده إيران الثورة وما تطمح إليه إيران الدولة في فيينا.

فوز رئيسي ومحاولة إنهاء هذه الثنائية

لا شك أن فوز مرشح التيار المحافظ إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية، يؤشر إلى مدى رغبة خامنئي في إنهاء الأضرار السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها هذه الثنائية، فالهدف الرئيس من تسهيل وهندسة فوز رئيسي في هذه الانتخابات، يأتي كتوجه لتحقيق وحدة في الخطاب الإيديولوجي الثوري في الداخل والخارج الإيراني، وتوظيف هذا الفوز لتحقيق المزيد من الهيمنة على الداخل من تيار الثورة في إيران، والحديث هنا عن التيار المحافظ والحرس الثوري.

إذ توضح العلاقة بين الثورة والدولة مؤخرًا، أن مسارات الخلاف بينهما أصبحت ضيقة جدًا، وباتت تتفاعل مع أي حدث يثار في الداخل، وهو ما كشفته تسريبات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، أو استبعاد مرشحي التيار الإصلاحي من الانتخابات، أو حتى في المستقبل المجهول الذي ينتظر الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، إذ يخبرنا التاريخ السياسي الإيراني، أن نهايات الرؤساء الإيرانيين بعد خروجهم من المنصب، أغلبها لم تكن طبيعية، فهناك من هرب للخارج، وهناك من أغتيل، وهناك من حلت عليه لعنة المرشد، وهناك من اعتزل العمل السياسي، وبالتأكيد فإن مستقبل روحاني لن يخرج عن هذه السيناريوهات الأربع.

استمرار ثنائية الثورة والدولة ستؤدي إلى إضعاف النظام وتآكل شرعيته من الداخل

أظهرت الانتخابات الأخيرة مدى عمق الأزمة التي يعيشها النظام السياسي اليوم، وتحديدًا في مسألة المواءمة بين المؤسسات الثورية الموازية ومؤسسات الدولة، كما أظهرت أن هناك تذمرًا كبيرًا من تيار الدولة على هيمنة تيار الثورة، وأن هناك خلافًا كبيرًا على مستوى الخطاب الأيديولوجي والرؤية السياسية بين هذين التيارين بشأن العديد من القضايا الخارجية، وتحديدًا على مستوى العلاقة مع روسيا أو جهود إحياء الاتفاق النووي أو الدور الإقليمي، وهو خلاف قد ينعكس سلبًا على السياسة الداخلية والخارجية مستقبلًا، وقد تنعكس هذه الخلافات سلبًا على مستقبل المحادثات النووية في فيينا، خصوصًا فيما يتعلق بملف النفوذ الإقليمي والصواريخ الباليستية، الذي يرفض رئيسي التفاوض بشأنهما.

ومما لا شك فيه أن استمرار ثنائية الثورة والدولة ستؤدي إلى إضعاف النظام وتآكل شرعيته من الداخل، كما أن عملية إخضاع واحتواء التيار الإصلاحي وقياداته في الانتخابات الأخيرة، أظهرت مدى القوة التي تتحلى بها الثورة على حساب الدولة، وأظهرت أن مؤسسات الدولة ليست إلا واجهة ناعمة/خاضعة لنظام ثوري مهيمن، بالإطار الذي يدفع باتجاه استمرار الدبلوماسية الإيرانية في الاضطلاع بدور ثانوي، مقارنةً بسياسة التدخل العسكري التي يفرضها الدستور للحرس الثوري، وفقًا لتوجيهات خامنئي.