بعد أكثر من عشر سنوات على انهيار نظام العقيد معمر القذافي، لم يحرز مشروع شبكة السكك الحديدية في ليبيا أي تقدم نظرًا للأزمات التي تمر بها البلاد على المستوى السياسي والمالي، فالصراع على السلطة بين الغرب والشرق وتراجع الطاقة الإنتاجية للنفط بفعل الاقتتال المسلح عطل المشاريع التنموية الكبرى التي يُراهن عليها الليبيون لتجاوز المرحلة الانتقالية تمهيدًا لإقامة جمهوريتهم الحديثة.

حاليًّا، فإن تجاوز الليبيين للدمار الهائل الذي خلفه النزاع المسلح رهين نجاح العملية السياسية وقدرتهم على خلق ديناميكية جديدة في مسار إعادة الإعمار التي تتطلب بدورها تخصيص الموارد المحلية والخارجية وتطوير الفاعلية المؤسساتية لإدارة هذه الموارد وتعزيز الاستقرار الأمني وإعداد النخب والكوادر.

هذه الشروط على أهميتها غير كافية لعودة ليبيا إلى ساحة الفعل الدولي سياسيًا واقتصاديًا، فعملية إعادة إعمار دون مراعاة المعطى الجغرافي الإستراتيجي لهذا البلد لن يكون ذا جدوى وفاعلية، لذلك تلعب شبكة السكك الحديدية دورًا في ربط ليبيا بالبلدان العربية الواقعة في شرقها وغربها التي تُمثل امتدادًا ثقافيًا وحضاريًا واقتصاديًا.

تاريخ السكة الحديدية

عرفت ليبيا أول خط للسكك الحديدية عام 1901 على يد الأتراك الذين أقاموه في مدينة بنغازي وربط بين الميناء والمحجر الخاص باستخراج الكلس من ضاحية البركة التي اختارها الأتراك سكنًا لوجهاء القوم منهم ومن العائلات الليبية وفي مقدمتهم متصرف البلاد العثماني، ومع تشييدهم لثكنة عسكرية كبيرة في تلك المنطقة عام 1902، أصبح الأتراك يستعملون القطار في تنقلاتهم بين البركة حيث يسكنون ودوائرهم الحكومية في المدينة.

بعد الغزو الإيطالي لليبيا اهتم الاحتلال بإنشاء خطوط للسكك الحديدية في برقة وطرابلس، حيث أنشأ بين عامي 1914 و1927، 3 خطوط للسكك الحديدية قصيرة نسبيًا في برقة وهي: خط مدينة بنغازي-الرجمة بطول 30 كيلومترًا الذي دشن في 20 من سبتمبر/أيلول 1914 وتم تمديده إلى الأبيار عام 1927، جاعلًا بنغازي محطة رئيسية لبرقة، وخط بنغازي-المرج وبلغ طوله 67 ميلًا، وخط بنغازي-سلوق وبلغ طوله 56 كيلومترًا وافتتح في 1921.

 

وفي طرابلس، أنشأ الإيطاليون عام 1913 خطًا حديديًا يربط بين مدينة طرابلس والعزيزية بطول 13 ميلًا، كما تم إنشاء خط يمتد من طرابلس حتى زوارة في الغرب بطول 73 ميلًا، وهذه الخطوط جميعها أنشأتها مصلحة السكك الحديدية الإيطالية التي أشرفت عليها حتى عام 1922 تاريخ تسلميها إلى حكومة الولاية في ليبيا.

 

وقبل قيام الحرب العالمية الثانية كان هناك 5 خطوط مختلفة تنطلق من محطة طرابلس المركزية للقطارات وهي: طرابلس-زوارة وطرابلس-غريان (60 ميلًا) وطرابلس-تاجوراء والفرناج-الملاحة (10 أميال) وطرابلس-عين زارة، إضافة إلى عدد من السكك الفرعية الأخرى.

 

تراجع الخطوط

أصيبت شبكة السكك الحديدية الليبية بأضرار خلال الحرب العالمية الثانية، وبحسب المستكشف جون آر دي "John R Day" في كتابه "Railways of Northern Africa" الذي صدر في لندن عام 1964، فإن السكك الحديدية في إقليم طرابلس أُصيبت بأضرار بالغة خاصة بفعل الغارات الجوية الألمانية والإيطالية في أثناء تقدم الجيش البريطاني الثامن في المنطقة، نفس الضرر لحق بسكك حديد برقة التي تعطلت عن العمل، لكن تم استئناف العمل بالسكك الحديدية في أثناء فترة الإدارة العسكرية البريطانية في طرابلس وبرقة.

بعد سيطرة القوات البريطانية وحلفائها على مدينة طبرق في شرق ليبيا، تم مد خط للسكك الحديدية بين مدينة طبرق ومدينة الإسكندرية في مصر عبر مرسى مطروح لغرض التمويل الحربي، ليظل هذا الخط مستعملًا إلى ما بعد انتهاء الحرب إلى أن باعت الإدارة العسكرية البريطانية في ديسمبر/كانون الأول 1946 القضبان الحديدية بين طبرق وهضبة السلوم.

وفي طرابلس وبعد دخول القوات البريطانية للمدينة في يناير/كانون الثاني 1943، أسرعت فرقة المهندسين في الجيش البريطاني في إصلاح الخط لاستخدامه في العمليات الحربية والاستمرار في مطاردة قوات المحور في تونس، وفي العام 1944 سمح للمدنيين باستخدام بعض خطوط السكك الحديدية، لكن بدأ الاهتمام بتلك الخطوط يخبو تدريجيًا وقل استخدامها بعد تحسين الطرق المعبدة واستعمال سيارات النقل المختلفة محلها، لتتوقف عن الخدمة في أواسط الستينيات تقريبًا.

 

المشروع الجديد

بعد انقلاب العقيد معمر القذافي على الملك إدريس حاكم ليبيا في 1969، بدأ النظام الجديد منتصف السبعينيات التفكير في تنفيذ مشروع الطريق الحديدي لمواكبة ما أسماها آنذاك "خطة التنمية الصناعية والزراعية"، وربط ليبيا بدول المغرب العربي، إلا أن الشروع في تنفيذ الفكرة بدأ في 1992، وتجسد في قانون رقك 14 لسنة 2003 الخاص بإنشاء جهاز تنفيذ وإدارة مشروع الطرق الحديدية.

 

المشروع يهدف لمد خطوط سكة حديد في البلاد يبلغ طولها المتوقع قرابة 3170 كيلومترًا، فيما يقدر عدد محطاتها بـ75، بالإضافة إلى 168 جسرًا.

وسيربط المشروع بين بلدتي راس أجدير وأمساعد أي الحدود الليبية الدولية مع كل من مصر وتونس عبر خط ساحلي متوقع أن يمر عبر أهم المدن الليبية وبعض المناطق المختلفة التي تشمل الصحاري والجبال والمناطق الزراعية، وخط ثانٍ سيصل بين الهيشة جنوبي مصراتة وغرب سرت بطول 800 كيلومتر، ومن ثم قد يصل في مرحلة ما إلى النيجر جنوب ليبيا.

وبحسب العقود التي وُقعت في 2008 و2009، تتولى الشركة الإيطالية "إنسالدو" إنشاء نظام الإشارة لخطين سكك حديد أحدهما يربط بين مدينة راس أجدير ومدينة سرت على ساحل البحر المتوسط وخط داخلي يربط بين الهيشة وسبها لمسافة يبلغ إجماليها 1450 كيلومترًا، فيما تتولى شركة سكك الحديد الروسية "أر جي دي" إنشاء القاطع الرئيسي من تلك الشبكة الممتد بين مدينتي سرت وبنغازي، وتتولى شركة الصين لإنشاءات السكك الحديدية إنشاء الخط الرابط بين سرت والخمس بطول 352 كيلومترًا والخط الرابط بين طرابلس وراس أجدير، إضافة إلى خطوط فرعية أخرى.

 

واقع المشروع

في الوقت الراهن، يبدو تحقيق هذه الخطط أمرًا غير ممكن، فإضافة إلى التحديات الأمنية وغياب الاستقرار الذي يحول دون استكمال الشركات الأجنبية أنشطتها، تُعاني ليبيا من تراجع إيراداتها بسبب انخفاض صادرات النفط طيلة الفترة التي أعقبت سقوط نظام القذافي، وهو ما يشكل عاملًا أساسيًا لهبوط العملة الليبية.

 

من جهة أخرى، فقد تعرضت مسارات الخطوط الحديدية في ليبيا إلى عدة اختراقات وتعديات عشوائية منها سرقة القضبان واستغلال المسار في الزراعات وأعمال البناء، بالإضافة إلى استعمالها كمصبات للفضلات.

كما تعرضت بعض الآليات والمعدات إلى التخريب بعد بقائها مدة طويلة داخل المخازن، وبحسب المسؤولين الليبيين فإن مجموعة القاطرات الأمريكية الصنع (17) التي وصلت البلاد قبل الحرب تقف عالقة منذ عام 2008 في مدينة الخمس، 115 كيلومترًا غرب طرابلس، وهي مهددة بالتخريب.

لم يُحرز مشروع شبكة الخطوط الحديدية في ليبيا أي تقدم بسبب المشاكل المالية والانقسام السياسي في ليبيا وانتشار المليشيات المسلحة، فحجم الضرر الدي لحق بمسار وممتلكات الطريق الحديدي بعد الحرب في ليبيا أثر سلبًا على تنفيذ المشروع، وسيرفع من تكلفة الصيانة التي ستُنفق من ميزانية الدولة.

يصب تنشيط بناء الطرق الحديدية، في إطار سعي ليبيا ما بعد عهد القذافي لتنويع اقتصادها عبر تقليل الاعتماد على النفط في العقود المقبلة، إذ ستتيح الخطوط الحديدية التي ستربط بين الحدود التونسية والمصرية نقل الإسمنت والحديد وغيرها من البضائع، وستعزز التجارة البينية وحركة نقل السلع والمسافرين.

يُراهن الليبيون على نجاح مسار الانتقال السياسي وإعادة الإعمار التي ستشمل مشاريع وطنية حيوية قادرة على نقل البلاد من مرحلة الركود الشامل إلى الاستقرار والنماء، فتهيئة بنية تحتية متطورة عصرية ومتنوعة بين خطوط بحرية وحديدية تُعد الأساس الضروري لأي تنمية مستدامة.