أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون هذا الأسبوع مشاورات واسعة مع الأحزاب السياسية لتشكيل الحكومة الجديدة، وفق النتائج التي أفرزتها الانتخابات التشريعية التي جرت في 12 يونيو/ حزيران الجاري.

ويتم ذلك بهدف الوصول إلى توافق وطني يضيّق الخناق على الأزمة التي تعيشها البلاد، المتميزة برفض جزء من حراك 22 فبراير/ شباط 2019 للخطوات التي تقوم بها السلطة، للتخلص من تبعات نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وقدّم الوزير الأول عبد العزيز جراد يوم الخميس، استقالة حكومته للرئيس تبون، عقب إعلان المجلس الدستوري عن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية وفقًا لأحكام الدستور.

إلّا أن هذه الحكومة ستواصل تسيير الأعمال إلى غاية تعيين الجهاز التنفيذي الجديد، الذي تجري بشأنه مفاوضات مع الأحزاب السياسية الممثَّلة في المجلس الشعبي الوطني (البرلمان).

رسالة

تبون، وفي إطار المشاورات السياسية الموسَّعة لتشكيل الحكومة، استقبل بمقرّ رئاسة الجمهورية رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري، واستقبل كذلك الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، بعدما استقبل يوم السبت أبو الفضل بعجي، الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم في البلاد سابقًا الذي كان يرأسه الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، إضافة إلى وفد عن النواب المستقلين.

وواصل تبون مشاوراته خلال الأسبوع مع باقي الأحزاب، التي استطاعت أن تحجز لها مقاعد في البرلمان الجديد، مثل حركة البناء الوطني وجبهة المستقبل.

ورغم أن الدستور الجزائري لا يُلزم رئيس الجمهورية بإجراء مشاورات لتشكيل الحكومة، إلا أن تبون حرص على بعث رسالة للطبقة السياسية، بأنه يريد تحقيق توافق وطني لمواجهة الأزمة السياسية التي تعرفها البلاد، بتكريس مبدأ التعددية واحترام العُرف السياسي، حتى إن لم ينصّ القانون عليه صراحة.

ويظهر سعي الرئاسة لتصدير هذه الرسالة، من خلال تقديم الحكومة استقالتها فور إعلان المجلس الدستوري النتائج النهائية للانتخابات التشريعية الأخيرة.

المؤشرات الحالية لا تنبئ بتشكيل أغلبية برلمانية تمنع الرئيس تبون من الحصول على أغلبية رئاسية في البرلمان.

ونصت المادة 103 من الدستور، الذي تم الاستفتاء عليه في الفاتح من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أنه "يقود الحكومة وزير أول في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية"، و"يقود الحكومة رئيس حكومة في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية برلمانية".

والوزير الأول في القانون الجزائري هو منسِّق بين أعضاء الحكومة التي لا يُحدد أعضاؤها، في حين أن رئيس الحكومة المنبثق عن أغلبية برلمانية لحزب أو أحزاب متكتلة، يملك حق تشكيل الحكومة وعرضها على الرئيس الذي يحتفظ بسلطة قبولها أو رفضها.

ولم تسفر التشريعات الأخيرة عن أي أغلبية برلمانية، كما إن المؤشرات الحالية لا تنبِئ بتشكيل أغلبية برلمانية تمنع الرئيس تبون من الحصول على أغلبية رئاسية في البرلمان، بل إن كل الحركة الجارية في المشهد السياسي مؤخرًا تصبُّ في صالح تبون، فقد شَرَع نواب مستقلون في العمل على تشكيل تكتل داعم لبرنامج الرئيس.

بأي لون؟

حرص الرئيس تبون خلال عام ونصف من وصوله إلى السلطة، على أن تكون حكومته تكنوقراطية متكونة من كفاءات، وهو ما قد يذهب إليه من جديد بتجديد الثقة في الوزير الأول المستقيل عبد العزيز جراد، رغم الخلاف الذي جرى بين الرجلَين في وقت من الأوقات، حسبما نقلت الصحافة المحلية خلال فترة علاج تبون بألمانيا.

وإن لم يتم تجديد الثقة في جراد، سيتم البدء في طرح بعض الأسماءلتولي منصب الوزير الأول، مثل وزير الداخلية كمال بلجود ووزير المالية أيمن عبد الرحمان ومستشار الرئيس تبون للشؤون الاقتصادية عبد العزيز خلف، وبشكل أقل وزير الخارجية صبري بوقدم، لكن كل هذه المعلومات تبقى غير رسمية.

وجرت العادة في الجزائر أن الأسماء التي تُطرَح لتوليها مناصب تُستبعَد، فهي غالبًا ما تكون مجرد بالون اختبار لنبض الشارع والطبقة السياسية، فالسلطة اعتادت إخراج أسماء قد لا تخطر ببال أي أحد، مثلما حدث سابقًا عند تعيين عبد العزيز جراد وزيرًا أول.

غير أن المشاورات التي يجريها الرئيس تبون قد تصب في صالح اعتماد حكومة سياسية، وهو ما يطالِب به الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني أبو الفضل بعجي، الذي يلحُّ على أن تكون كذلك لتتحمل مسؤوليتها السياسية أمام الجزائريين.

وتوفِّر الحكومة السياسية للرئيس تبون، الذي لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، قاعدةً نضالية وبرلمانية قد يحتاجها لتمرير القوانين والبرامج التي يريدها، دون التعرض لمقاومة في البرلمان، غير أنها تحمل في الوقت ذاته عيوبًا تتمثل في إجبار الرئيس على إعادة أحزاب الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم، التي خرج الجزائريون ضدها إلى الشارع في 22 فبراير/ شباط 2019.

يبدو الوصول إلى توافق وطني بين الأحزاب الفائزة في التشريعات صعبًا، بالنظر إلى أهداف كل واحد منها.

وشكّل فوز أحزاب بوتفليقة، التي استفادت من مقاطعة الانتخابات، بمقاعد معتبرة في البرلمان، صدمةً لكثير من الجزائريين، خاصة أن بعض الشعارات التي كانت تردَّد سابقًا بدأ التحضير لعودتها كتكوين جبهة داخلية، وغيرها من الشعارات التي تجاوزها الزمن.

تموقُع

من الناحية النظرية، يبدو الوصول إلى توافق وطني بين الأحزاب الفائزة في التشريعات صعبًا، بالنظر إلى أهداف كل واحد منها، إلا أن البحث عن تموقع جديد في الساحة السياسية، يجعل كثيرًا منها يقبل بهذا التوافق الهشّ.

وطالب أبو الفضل بعجي، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، بأن تكون لتشكيلته السياسية أكبر عدد من الحقائب الوزارية في الحكومة المقبلة، كونه الفائز بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان الجديد.

غير أن غريمه التقليدي التجمع الوطني الديمقراطي، أبرز الأحزاب الداعمة لنظام بوتفليقة، انتقد ذلك، وقال أمينه العام الطيب زيتوني إن المشاركة في الحكومة يجب أن تكون بعيدةً عن منطق المحاصصة والأهداف الحزبية الضيقة.

أما الوضع بالنسبة إلى الأحزاب الإسلامية مختلف، حيث تقايض حركة مجتمع السلم على الحصول على رئاسة المجلس الشعبي الوطني، كما أعلنت قيامها هي الأخرى مشاورات مع الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات، والمقاطعة لما هو "أصلح للبلاد".

ولم تحسم حركة مجتمع السلم حتى الآن قرار مشاركتها من عدمها في الحكومة المقبلة، غير أن رئيسها عبد الرزاق مقري أعلن سابقًا أنه لن يرفض ترأُّس الحكومة، في حال ما تحققت الشروط التي تنادي بها حركته.

أما الحزب الإسلامي الثاني، حركة البناء الوطني، فيظهر أنه يتجه نحو المشاركة في الحكومة المقبلة، فقد وصفَ لقاءه مع الرئيس تبون أنه "مثمر باتجاه تحقيق التوافق والعمل المشترك الذي يستجيب لاهتمامات المواطن، ويحمي مؤسسات البلاد ويفعّل أدوارها".

تحديات

إذا كان هدف الأحزاب من المشاركة في الحكومة المقبلة، العودة إلى الحكم والتموقُع داخل السلطة، فإن الأمر بالنسبة إلى الرئيس تبون مختلفًا، يتمثل في البحث عن الحلول التي من شأنها مواجهة الرهانات الحالية، التي تتطلب علاجًا سريعًا ومستعجَلًا على كافة المستويات.

ويأتي في صدارة التحديات التي ستواجهها الحكومة المقبلة، الملف الاقتصادي. فتبعات جائحة كورونا على الجزائريين صارت واضحة، بفقدان مئات الآلاف أعمالهم وتراجع القدرة الشرائية للمواطن، لذلك يكون تحسين الأداء الاقتصادي ضمن أولويات الحكومة المقبلة.

وتعيش الجزائر وضعًا اقتصاديًّا حذرًا، بسبب تراجع أسعار النفط التي تشكل أساس موازنة البلاد في السنوات الأخيرة، ما أخفض احتياطي الصرف إلى 42 مليار دولار نهاية العام الماضي.

استطاعت الجزائر في العام الجاري تحقيق ارتفاع في صادراتها خارج المحروقات، ما قد يعتبره البعض بدايةً لتنويع الاقتصاد.

ورغم انخفاض العجز التجاري إلى 1.3 مليار دولار في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2021، إلا أن الحكومة لا تزال تواجه صعوبات في ضبط موزانة البلاد، لذلك ستضطر مثل كل عام إلى إقرار قانون مالي تكميلي.

 واستطاعت الجزائر في العام الجاري تحقيق ارتفاع في صادراتها خارج المحروقات، ما قد يعتبره البعض بدايةً لتنويع الاقتصاد، إلا أن ذلك يبقى مرتبطًا بمعالجة الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، بتقليص فجوة عدم الثقة بين المواطن والحكّام، وإنهاء المسيرات الأسبوعية الرافضة لخطط السلطة للخروج من الأزمة الحالية.

ويشكل ذلك أكبر عبء وتحدٍّ يواجه الحكومة المقبلة، التي ستعمل على حل المشاكل الداخلية، وسط إقليم متأزِّم يمتاز بتوترات في مالي وليبيا ومنطقة الساحل، وعلاقات متوترة مع المغرب. 

وإذا كان نوع الحكومة وطبيعتها يمثل نقطة اهتمام للسلطة والأحزاب السياسية، فإن الأهم بالنسبة إلى الجزائريين هو تحسين قدرتهم الشرائية، وتلبية مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية، وإيجاد حل حقيقي للأزمة السياسية، مهما كان لون الحكومة المقبلة.