صورة جوية تظهر نازحين سوريين في مخيم بقرية كيلي بالقرب من باب الهوى في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، يوم 9 يناير/ كانون الثاني.

صورة جوية تظهر نازحين سوريين في مخيم بقرية كيلي بالقرب من باب الهوى في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، يوم 9 يناير/ كانون الثاني.

ترجمة وتحرير نون بوست

يستأنف مجلس الأمن الدولي سنويا المفاوضات لتجديد قراره بالسماح بدخول المساعدات عبر حدود تركيا والعراق إلى سوريا. تعتمد وكالات الأمم المتحدة على هذا التفويض للعمل في سوريا دون أن تكون خاضعة لنظام بشار الأسد، الذي نادرًا ما يسمح للمساعدات بالوصول إلى مناطق المعارضة. وقد أصبحت هذه المفاوضات نقطة للتصعيد المتكرر في دراما الحرب السورية: ففي حين أن أعضاء المجلس يدعمون التفويض بشكل عام، استخدمت روسيا بانتظام حق النقض (الفيتو) لتقليل عدد المعابر الحدودية التي يمكن لوكالات الأمم المتحدة استخدامها، ولم يتبق سوى معبر واحد فقط مفتوح وهو باب الهوى.

رغم إشارة إدارة بايدن إلى أن سوريا لن تكون أولوية بالنسبة لواشنطن، حيث لم تعيّن بعد مبعوثا خاصا للبلاد على عكس سابقاتها، إلا أنها أمضت وقتا طويلا وأنفقت رأس مال سياسي على هذا الجانب من الصراع. في الآونة الأخيرة، خلال اجتماعاته في يونيو/ حزيران مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حرص الرئيس جو بايدن على الإتيان على ذكر القضية المشحونة منذ فترة طويلة المتعلّقة بإيصال المساعدات إلى البلاد، ذلك أنه حتى مع تراجع وتيرة الحرب بعد مرور 10 سنوات على اندلاعها، لا تزال الاحتياجات الإنسانية كبيرة في سوريا.

لا يوجد أي ضمان حتى الآن بشأن تأمين وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى شمال سوريا، حيث لا يزال المعقل الأخير للمعارضة المدعومة من تركيا يواجه هجمات من نظام الأسد المدعوم من روسيا.

حولت إدارة بايدن مفاوضات مجلس الأمن هذا العام المتعلقة بالمعبر الحدودي، الذي من المقرر أن تنتهي صلاحياته في 10 تموز/ يوليو، إلى اختبار استراتيجي لرغبة روسيا في التوصل إلى حل وسط، لتغدو المفاوضات الحالية لحظة الحقيقة بالنسبة للنهج الذي تتبعه الإدارة الأمريكية لتحقيق الدبلوماسية في الشرق الأوسط. على وجه التحديد، ستكون المفاوضات اختبارًا لما إذا كان التواصل رفيع المستوى للإدارة كافيًا لإبقاء معبر واحد أو أكثر نشطًا، وعن أنواع التنازلات التي يرغب بايدن في تقديمها لروسيا ونظام الأسد من أجل الحفاظ على استمرار وصول المساعدات إلى السوريين، وما إذا كان بإمكانها خلق الزخم الذي تحتاجه لتحقيق أهداف أكبر في سوريا.

 في ظل عدم صدور قرار من الأمم المتحدة، ستخسر وكالات الإغاثة التمويل وسيضطر الكثيرون منها إلى التوقّف عن العمل

في الواقع، تعدّ قضية إيصال المساعدات الإنسانية إلى سوريا معقدة وبسيطة للغاية في آن واحد. فمن جهة، يعد نظام إيصال المساعدات الذي استخدمته الأمم المتحدة منذ بداية الصراع السوري في 2011 واحدا من أكبر الأنظمة وأكثرها تطورا في التاريخ. وتشرف الأمم المتحدة على إيصال مساعدات تتراوح قيمتها بين ملياري دولار ومليارات دولار لسوريا سنويا، والتي تمر عبر مئات الوكالات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلا من مانحين غربيين في الغالب. وقد أصبحت هذه الجهود أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظلّ تزايد عدد السوريين المحتاجين للمساعدة بنسبة 20 بالمئة منذ سنة 2020، ليبلغ مجموعهم اليوم 13 مليون شخص.

من جهة أخرى، كل هذا واضح نسبيا. إن الطريقة الوحيدة لتقديم مساعدات كافية للأشخاص الذين يحتاجونها في الشمال الغربي والشمال الشرقي في سوريا هي عبر المعابر الحدودية. والسؤال الدبلوماسي الرئيسي الآن هو ما إذا كانت روسيا، حليف الأسد، ستسمح لوكالات الأمم المتحدة باستخدام أحد أو بعض تلك المعابر، علما بأنها تتمتع بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن. وقد استخدمت روسيا بالفعل حق النقض بصفتها عضوا دائما في المجلس 16 مرة لصالح الأسد، وقد أوضح السفير الروسي لدى الأمم المتحدة بالفعل أنه مستعد لإعادة الكرّة إذا لزم الأمر.

في ظل عدم صدور قرار من الأمم المتحدة، ستخسر وكالات الإغاثة التمويل وسيضطر الكثيرون منها إلى التوقّف عن العمل، وذلك لأن الأمم المتحدة تمثّل قنوات التمويل الضروري للمنظمات غير الحكومية السورية الأصغر وتساعدهم أيضا على التنقل في بيروقراطية المنظمات المانحة. تلعب الأمم المتحدة أيضًا دورا مهما في عمليات النقل من خلال تسهيل طريق شاحنات المساعدات، وتتمتع بإمكانيّة الانتفاع بالبضائع بكميات كبيرة، كما أنها أنشأت آليات لمنع تحويل وجهة المساعدات من قبل الجماعات المسلحة.

 من خلال عقد اجتماعات رفيعة المستوى والبيانات العامة القوية، تستثمر الإدارة الأمريكية قدرا كبيرا من رأس المال السياسي للفت انتباه الكرملين

على الأقل، يجب أن يظل معبر باب الهوى مفتوحا. لكن حتى هذا الأمر ليس مضمونا، حيث يتم استغلال الطبيعة الإنسانية للأزمة كسلاح. تعلم روسيا أن الولايات المتحدة وأوروبا تهتمان بهذه القضية الإنسانية، لذلك تستغلّ المساعدات عبر الحدود كوسيلة للضغط. وقد حاولت روسيا سابقا دون جدوى دفع الولايات المتحدة وحلفاءها لتخفيف العقوبات لينتهي الأمر ببناء تحالف في مجلس الأمن تمكن من التفوق على روسيا ست مرات. مع ذلك، نجحت موسكو في إغلاق ثلاثة معابر حدودية من أصل أربعة، مما كان له تأثير مدمر على وصول المساعدات الإنسانية.

تختلف المفاوضات هذا العام لعدة أسباب، منها أن نطاق المفاوضات أصبح أصغر (حيث لم يتبق سوى معبر واحد)، وأن واشنطن ترى المفاوضات على أنها اختبار لمدى استعداد روسيا للانخراط في تنازلات أخرى ذات مغزى، إلى جانب اعتماد إدارة بايدن الجديدة لسياسة سورية غير واضحة نوعًا ما.

في 29 آذار/ مارس، بدأت المفاوضات بجدية عندما حضر وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن جلسة إحاطة لمجلس الأمن بشأن سوريا. منذ ذلك الحين، ألقت ليندا توماس جرينفيلد، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، العديد من الخطب حول أهمية المساعدات عبر الحدود في سوريا، وسافرت حتى إلى معبر باب الهوى بنفسها لتعلن عن تقديم ما يقارب 240 مليون دولار في شكل تمويل إنساني أمريكي جديد والضغط من أجل فتح معبرين آخرين مغلقين.

من خلال عقد اجتماعات رفيعة المستوى والبيانات العامة القوية، تستثمر الإدارة الأمريكية قدرا كبيرا من رأس المال السياسي للفت انتباه الكرملين. وتتمثل أحد افتراضات المسؤولين الأمريكيين في أنه حتى لو حاولت روسيا الضغط في هذه المفاوضات لتحقيق مكاسب سياسية، فإنها لا تريد في الواقع إغلاق الحدود. وهم يعتقدون أن المفاوضين الروس يُدركون أنه في حال اُغلقت الحدود، فإن عدم الاستقرار الناتج عن ذلك قد يؤدي إلى إلغاء وقف إطلاق النار الهش في محافظة إدلب الواقعة في الشمال الغربي. ومن شأن مثل هذا السيناريو أن يكون مريعًا لكل من موسكو ودمشق: حيث لا يريد أي منهما التعامل مع المعارضين من سكان المحافظة البالغ عددهم 3.5 مليون نسمة.

 ترغب روسيا أيضًا في رفع العقوبات المفروضة على الأسد للسماح بتمويل عملية إعادة الإعمار من قبل أوروبا ودول الخليج والولايات المتحدة

تمتلك واشنطن بضع خيارات لإجبار موسكو على فعل ذلك. وقد تضطر إلى اتخاذ موقف عدواني والتهديد باستخدام نفوذها في حال استخدمت روسيا حق النقض، وذلك من خلال فرض مزيد من العقوبات على نظام الأسد مثلًا أو الضغط على قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الأكراد - التي تعمل مع الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة - للحد من تعاونها مع القوات الروسية في شمال شرق سوريا.

علاوة على ذلك، يمكن لواشنطن اتباع استراتيجية دفاعية من شأنها أن تكافئ روسيا على تعاونها، وذلك من خلال زيادة مساعدات كوفيد-19 للمناطق التي يسيطر عليها النظام، والسماح بتقديم المساعدة إلى المنظمات الإنسانية المحلية التي تنشط في تلك المناطق، والتعجيل بالموافقة على منح التراخيص للمساعدات الإنسانية اللازمة هناك.

ما لا ينبغي للولايات المتحدة استخدامه في هذه المفاوضات هو تكتيكات التطبيع وإعادة الإعمار. يتعين عليها أيضًا أن ترفض بشدة محاولات التطبيع مع النظام التي انطلقت في الخليج. وفي الحقيقة، يتلخص هدف روسيا في تلميع سمعة الأسد على الصعيد الدولي والادعاء بأن الصراع السوري قد انتهى، ولكن التطبيع مع النظام ليس سوى تأكيدا لصحة استراتيجية الأسد بخطف المساعدات الإنسانية الدولية.

ترغب روسيا أيضًا في رفع العقوبات المفروضة على الأسد للسماح بتمويل عملية إعادة الإعمار من قبل أوروبا ودول الخليج والولايات المتحدة. ولكن معظم هذه الأموال سوف تُستخدم لتعويض موسكو وطهران عن دعمهما والاستثمار في المشاريع الفاخرة للشركات التابعة للنظام، ولن يتم استثمارها في عملية إعادة الإعمار الحقيقية للبلد الذي مزقته الحرب.

 يتعيّن على واشنطن أن توضح مقصدها وأن تعمل مع جميع الشركاء لتجديد التفويض العابر للحدود، الذي لم يكن يتعلق قط بالاحتياجات الإنسانية.

لا تستطيع الولايات المتحدة أن تحقق هذه الغاية بمفردها، بل هي بحاجة إلى الاعتماد على شركاء موثوقين. وكما يعلم بايدن بالفعل، قد تكون تركيا أحد هؤلاء الحلفاء، حيث لعبت أنقرة دورا أساسيا في الدعوة إلى فتح معبر باب الهوى في الأمم المتحدة. وفي حين ترغب موسكو في الحفاظ على شراكتها مع تركيا، تريد تركيا إصلاح علاقتها المضطربة بالولايات المتحدة. وقد لا ترغب موسكو في تدفق موجة أخرى من اللاجئين إلى تركيا في وقت تحاول فيه أنقرة وواشنطن إصلاح العلاقات بينهما لاحتواء النفوذ الروسي. ومن شأن هذه الديناميكية أن تكون حاسمة للتعاون الإنساني المشترك.

إذا دعمت تركيا جهود الولايات المتحدة لفتح المعبر، فمن المرجح أن تتوجه موسكو إلى أنقرة بطلبين. أولا، تنفيذ التزاماتها في الصيغة النهائية من اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب، بما في ذلك الدوريات المشتركة التي عرقلتها الهجمات المتطرفة. ثانيا، أن تسحب قواتها بالوكالة من جنوب الطريق الرئيسي المؤدي إلى المدينة، مما سيكون بمثابة تنازل كبير. وعلى الرغم من أن هذه النقاط لن تكون رسميا جزءا من قرار الأمم المتحدة الذي يتم التفاوض بشأنه، إلا أنها ستكون بمثابة حقيقة واضحة يتم تجاهلها  في نيويورك وموضوع دبلوماسية موازية مكثفة مع أنقرة.

من المقرر أن تشكّل أوروبا حليفا رئيسيا للولايات المتحدة. فإلى جانب أمريكا الشمالية، تقدم الدول الأوروبية حوالي 90 بالمئة من التمويل الموجه إلى النظام الإنساني في سوريا. وقد صاغت ألمانيا وبلجيكا قرار السنة المنقضية في مجلس الأمن، بينما لعبت دول أخرى ذات توجه مماثل، على غرار فرنسا وبريطانيا، في السابق دورا مهما في تشكيل التسويات في مجلس الأمن مع دعم الجهات الإنسانية الفاعلة في الميدان.

عموما، يعد هذا التحالف الصغير شريكا طبيعيا لواشنطن، ولكنه يحتاج إلى التصدي للمحاولات المتكررة من الدول الأوروبية الأخرى، بما في ذلك اليونان وقبرص وجمهورية التشيك، لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد وبالتالي إضعاف الوحدة الأوروبية.

يتعيّن على واشنطن أن توضح مقصدها وأن تعمل مع جميع الشركاء لتجديد التفويض العابر للحدود، الذي لم يكن يتعلق قط بالاحتياجات الإنسانية. كما يعتبر شمال سوريا مهما من الناحية الاستراتيجية في الشرق الأوسط لذلك لا تستطيع الولايات المتحدة التعامل معه باعتباره مجرد قضية إنسانية. وإذا اعترفت واشنطن بذلك، فإنه باستطاعتها تحويل المفاوضات الحالية إلى إجراء لبناء الثقة مع موسكو، مما يفتح المجال أمام المزيد من المفاوضات السياسية في سوريا، ناهيك عن تجديد المصداقية الدبلوماسية للولايات المتحدة في المنطقة. ولكن إذا لم تضغط واشنطن بشكل كافٍ على موسكو، فإنها تخاطر بترك ملايين الأشخاص في شمال سوريا في خطر مُحدق.

المصدر: فورين بولسي