ألغى تحالف مجموعة "أوبك+"، اجتماعه الوزاري الذي عقد أمس الإثنين، لاستكمال المفاوضات الخاصة بزيادة الإنتاج وتمديد الاتفاق السابق، لأجل غير مسمى، على وقع استمرار الخلاف بشأن معدلات وحصص الإنتاج الخاصة بكل دولة، التي اعترضت عليها الإمارات، مطالبة بمعاملة خاصة قياسًا ببقية الأعضاء، وهو ما رفضته السعودية وروسيا.

يأتي هذا الإلغاء بعد اجتماعين سابقين، عقدهما التحالف، الخميس والجمعة الماضيين، لكنهما منيا بالفشل في ظل إصرار الوفد الإماراتي على المطالبة بتعديل نقطة الأساس التي حُسب على أساسها حجم الخفض المطلوب من كل دولة في حال تمديد الاتفاق.

الأمين العام لمنظمة أوبك، محمد باركيندو، في بيان له قال إن الاجتماع ألغي دون الاتفاق على موعد للاجتماع القادم، الأمر الذي ألقى بصداه سريعًا على أسعار النفط في السوق العالمية، التي من المرجح أن تشهد تأرجحًا أثار قلق البعض من سيناريو حرب الأسعار السعودية الروسية السابقة.. فإلى أين تتجه أسعار النفط بناء على تلك التطورات؟

خلافات مستمرة

ما تشهده أوبك من صعوبات وخلافات بين أعضائها ليس جديدًا على المنظمة التي اعتادت مثل هذه الخلافات طيلة السنوات الماضية، في ظل تباين الأجندات والمصالح والخطط التنموية المرتبطة بمعدلات الإنتاج، غير أن الأمور في السنوات الأخيرة بدأت تأخذ منحى آخر ربما يكون له تداعياته على استمرار الكيان برمته.

الصعوبات التي يواجهها هذا التحالف المكون من 23 دولة تصطدم هذه المرة بإصرار غير مسبوق من الإمارات بزيادة حصتها الإنتاجية عبر تعديل نقطة الأساس الخاصة بها التي وصفتها بـ"غير العادلة"، في مقابل تمسك بقية الدول على الالتزام بالخطة الموضوعية سلفًا، تجنبًا لأي تداعيات سلبية حال الرضوخ للرؤية الإماراتية.

 

فشل المحادثات يعني أنه لا زيادة متوقعة في الإنتاج خلال شهر أغسطس/آب القادم كما كان مقرر له، وهو ما ساعد بشكل كبير في إحداث حالة من الارتباك في سوق النفط

معظم الدول الأعضاء في المنظمة تؤيد الاقتراح المتعلق بإضافة 400 ألف برميل يوميًا، اعتبارًا من أغسطس/آب وحتى نهاية العام الحاليّ، وتمديد اتفاق التحالف الأوسع نطاقًا إلى نهاية عام 2022، وهو ما تم الاتفاق عليه بصورة شبه نهائية، غير أن رغبة أبو ظبي في فتح نقاش بشأن زيادة مستويات الإنتاج قبل الموافقة على التمديد إلى ما بعد أبريل/ نيسان حال دون ذلك.

بعض المصادر ذكرت أن اجتماع الأمس شهد تصويت من الدول الأعضاء على زيادة الإنتاج بنحو مليوني برميل يوميًا من أغسطس/آب إلى ديسمبر/كانون الأول 2021، وتمديد التخفيضات المتبقية حتى نهاية عام 2022، لكن الموقف الإماراتي أجهض هذا الاتفاق في اللحظات الأخيرة.. ليبقى الوضع على ما هو عليه.

ارتفاع أسعار النفط

فشل المحادثات يعني أنه لا زيادة متوقعة في الإنتاج خلال شهر أغسطس/آب القادم كما كان مقررًا له، وتبقي زيادة الإنتاج للشهر الحاليّ بمقدار 500 ألف برميل يوميًا، وهو ما ساعد بشكل كبير في إحداث حالة من الارتباك في سوق النفط، إذ صعد خام برنت القياسي ليغلق مرتفعًا 1.2% عند 77.10 دولار للبرميل.

وفي الجلسة التي شهدت تقلبات صعودًا وهبوطًا زادت أسعار العقود الآجلة لخام برنت القياسي تسليم سبتمبر/أيلول بنسبة 0.91%، أو 69 سنتًا إلى 76.86 دولار للبرميل عند الساعة (15:48 ت. غ)، أما خام غرب تكساس الأمريكي، فارتفعت أسعار العقود الآجلة تسليم أغسطس/آب بنسبة 0.97%، أو 73 سنتًا إلى 75.89 دولار للبرميل.

الاجتماعات الثلاث الفاشلة لأوبك والخلافات الواضحة بين أعضائه من المتوقع أن يكون لها تداعياتها على سوق الأسعار خلال المرحلة المقبلة، بحسب الخبير النفطي الكويتي أحمد بدر الكوح، الذي توقع أن تظل أسعار النفط فوق 70 دولارًا خلال الفترة القليلة المقبلة، مرجحًا حدوث زيادات جديدة حال استمر الخلاف داخل المنظمة.

 

من الواضح أن عقد العشرينيات ربما يكون الأخطر على مستقبل المنظمة البترولية والدول المصدرة للنفط، في ضوء التحديات التي تواجهها بين الحين والآخر

الخبير النفطي يرى أن أسعار الخام بحدود 70 دولارًا تظل مرضية لمنتجي النفط من داخل المجموعة وخارجها، بحسب تصريحاته لـ"الجزيرة"، لكنها بالمقابل تعتبر عالية ومكلفة للدول المستهلكة، معتبرًا أن ضخ 400 ألف برميل إضافية من جانب أعضاء "أوبك+" من شأنه أن يهدئ الأسواق ويبعث رسائل طمأنة للمستهلكين.

ويمكن السيطرة على تلك الأسعار من الانزلاق عبر السعودية وروسيا اللتين باستطاعتهما إغراق السوق بمزيد من الخام لدفع الأسعار إلى أقل من 50 دولارًا، بحسب الكوح الذي أوضح أن كل أعضاء "أوبك+" مضحين بحصص من الإنتاج، وأن أي استثناء من الممكن أن تحصل عليه الإمارات سيفتح الباب أمام استثناءات أخرى من جانب بقية الأعضاء، وهو ما يعني انهيار الكيان برمته.

عدالة التوزيع

وردًا على ادعاء الإمارات الذي جاء على لسان وزير الطاقة والبنية التحتية سهيل المزروعي، في مداخلة تليفزيونية له أول أمس الأحد حين قال إن مطلب بلاده هو العدالة فقط بالاتفاقية الجديدة ما بعد أبريل/نيسان، وهذا حقنا السيادي أن نطلب المعاملة بالمثل مع باقي الدول"، فقد أوردت وكالة الأنباء الفرنسية تقريرًا استعرضت فيه حصص التوزيع بين الأعضاء المشاركين في الاتفاق، لافتة إلى أنه يتم بشكل عادل بين الجميع.

التقرير أوضح أنه قد تم اختيار شهر أكتوبر/تشرين الأول 2018 كمرجعية استند إليها الاتفاق المبرم في أبريل/نيسان 2020 لخصم حصة من كل عضو داخل أوبك، لكن هذا القرار أدخل عليه بعض التعديلات بعد إضافة حجم الإنتاج في يناير/كانون الثاني 2019، وذلك لظروف طارئة تتعلق بخروج قطر والإكوادور من التحالف في نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

وتشهد خريطة التوزيع الجديدة التي أقرها الاتفاق العام الماضي بعض الملاحظات الناتجة عن ظروف استثنائية لا علاقة بها بمستوى درجة العدالة التي يرتكن إليها المفاوض الإماراتي، منها مثلًا إعفاء 3 دول أعضاء في تحالف "أوبك+" من الحصص المقررة بسبب الصعوبات التي تواجهها، سياسيًا واقتصاديًا، وهي فنزويلا وإيران الخاضعتان لعقوبات اقتصادية أمريكية، وكذلك ليبيا التي شهدت نزاعًا لفترة طويلة بين سلطتين متنافستين. 

أوبك وأسعار النفط

الوضع كذلك مع المكسيك التي كانت سببًا في عرقلة الاتفاق لعدة أيام العام الماضي، لكن في الوقت ذاته لا يمكنها زيادة إنتاجها كيفماء تشاء دون الرجوع إلى المنظمة، فيما يسمح لكازاخستان وروسيا بهامش ضئيل من زيادة الإنتاج تلبية لاستهلاكهما المحلي.

حتى بعض الدول التي قد تخرج من عباءة التحالف لفترة، ما يسمح لها بزيادة معدلات الإنتاج دون التزام بالاتفاق، كالعراق ونيجيريا وحتى الإمارات التي خرجت الصيف الماضي، حين تعود يتم إلزامها بتخفيض معدلات الإنتاج بصورة أكبر بما يحقق العدالة مع بقية الأعضاء.

من الواضح أن عقد العشرينيات ربما يكون الأخطر على مستقبل المنظمة البترولية والدول المصدرة للنفط، في ضوء التحديات التي تواجهها بين الحين والآخر، وفي ظل حالة الخلاف المستمرة بين الأعضاء، لتبقى الأيام المقبلة الفيصل في تماسك جدار هذا الكيان، إن لم يتم تدارك الأمر.

ويبدو أن "أوبك" التي تأسست قبل أكثر من 60 عامًا، والتحالفات الجديدة التي لحقت بها بعد ذلك، التي تمكنت من تجاوز العديد من العقبات التي واجهتها طيلة العقود الست الماضية، والإبحار بهذا الكيان الكبير إلى بر الأمان، باتت تواجه شكوكًا في قدرتها على الصمود والبقاء وسط اللكمات الخطيرة التي تتلقاها حاليًّا، التي سيكون لها تداعياتها على سوق النفط العالمية بصفة عامة.