تواجه الفتيات والنساء ذوات الإعاقة في فلسطين المحتلة عدة أشكال من التهميش والعنف الأسري، إلى جانب العزل القسري، خوفًا من الوصمة المجتمعية، أو حتى النظر إليهن، ما يؤدي إلى حرمانهن من أبسط الحقوق الصحية والاقتصادية اللازمة، ويترك أيضًا أثرًا نفسيًّا غائرًا في أنفسهن.

في آخر الإحصاءات، تشير بيانات مسح العنف في المجتمع الفلسطيني، أن 37% من النساء ذوات الإعاقة المتزوِّجات حاليًّا أو اللواتي سبق لهنّ الزواج، تعرّضن للعنف من قِبل الزوج على الأقل لمرة واحدة خلال 12 شهرًا، في حين أن 50% من النساء المعنّفات ذوات الإعاقة تعرّضن للعنف النفسي، مقابل 20% تعرّضن للعنف الجسدي مرة واحدة على الأقل من قِبل الزوج في فلسطين المحتلة. 

إضافة إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة يعانون بشكل عام من ارتفاع ظاهرة البطالة في صفوفهم، والتي بلغت حوالي 37%، في حين وصلت مشاركة النساء ذوات الإعاقة في القوى العاملة في فلسطين إلى 4% فقط، مقابل 24% للرجال ذوي الإعاقة من إجمالي الرجال ذوي الإعاقة، وهذا يدلّ على التمييز المضاعَف ضد النساء ذوات الاحتياجات الخاصة.

ضعف الوصول للحماية

يعتبر العنف المنزلي أبرز ما تعاني منه النساء والفتيات ذوات الإعاقة، جراء فرض حالة الطوارئ والحجر المنزلي، وتوقُّف الحياة الاقتصادية والكثير من الأنشطة الاجتماعية، مع عدم استجابة نظام التحويل الوطني ليشملهنّ في خدمات الحماية من العنف.

تقول المديرة التنفيذية لجمعية "نجوم الأمل" لتمكين النساء ذوات الإعاقة في فلسطين، كفاح أبو غوش، إنهن يتعرضن لعدة أشكال من العنف يتمثل أبرزها في العزل القسري والحبس وإخفاء الإعاقة، لأنه بحسب البعض قد يتسبّب وجود شخص ذي إعاقة في تعطيل زواج بقية أفراد الأسرة.

إضافة إلى إجبارهن على تناول عقاقير تؤثّر بعقولهن، ومنعهن من الوصول إلى أدوات المساعدة الأساسية أو الأدوات الطبية، أو التهديد بالتخلي عنهن، أو حرمانهن من الميراث، أو ربما الاعتداء الجسدي والجنسي واللفظي، وهذه في أغلبها يكون مسبِّبها أفراد الأسرة، كالأب أو الأم أو أحد الإخوة، مضيفةً أن "بعض النساء تعرّضن لاعتداءات جنسية من العاملين في بعض المؤسسات".

هناك ضعف شديد في وصول خدمات الحماية من العنف للنساء ذوات الإعاقة، كما في استهدافهن في هذه الخدمات.

وبيّنت أبو غوش في حديث مع "نون بوست" أن المعوِّقات تتّسع لتكون معوِّقات سياسية تساهم في إقصاء المرأة ذات الإعاقة، وتكرِّس الظلم الذي تعاني منه حيث لا تزال هناك قوانين تمييزية ضد النساء والأشخاص ذوي الإعاقة.

ومن المعوِّقات أيضًا ما يتعلق بالاحتلال، والذي تفرض قيوده على الشعب الفلسطيني، وبطبيعة الحال يؤثِّر بشكل ملموس على واقع النساء ذوات الاحتياجات الخاصة.

عن درجة تعرّضهن للعنف وحرماهن من الحقوق، ومدى تأثير دور الجهات المعنية تجاه حمايتهن، تضيف أبو غوش: "واقع التهميش الذي تعيشه النساء ذوات الإعاقة يفرض عليهن عزلة كثيرة الأبعاد وترتبط ارتباطًا وثيقًا بتعرّضهن للعنف كونهن نساء، وأيضًا كونهن ذوات إعاقة، ما يساهم في تصاعُد وازدياد أثر العنف عليهن، وهنا يمكن الحديث عن مسؤولية حماية النساء ذوات الإعاقة من العنف وعلى من تقع هذه المسؤولية، وهي في الحقيقة مسؤولية مجتمعية متشابكة الخيوط من حيث الأدوار والجهات".

وأردفت: "في مثل هذه الحالات، تقع المسؤولية على عاتق الجهات الرسمية والجهات غير الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، وصولًا إلى أسرهن وكافة أفراد المجتمع".

وفي السياق، أشار مسح العنف الأخير الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، إلى ضعف شديد في وصول خدمات الحماية من العنف للنساء ذوات الإعاقة وضعف استهدافهن في هذه الخدمات، وهذا ما نوّهت إليه أيضًا دراسة أجرتها جمعية "نجوم الأمل"، بالشراكة مع مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، والتي جاءت في سياق مشروع لحماية النساء ذوات الإعاقة من العنف.

استئصال الأرحام

في زاوية أخرى من زوايا الاضطهاد والعنف ضد النساء، هناك ما يُعرف بـ"استئصال الأرحام"، حيث تتعرض تلك النساء والفتيات لهذا الانتهاك، خصوصًا ذوات الإعاقة الذهنية.

مقابلات عديدة أُجريت مع أهالي أقدموا على استئصال أرحام بناتهم ذوات الإعاقة بمبرِّرات مختلفة؛ فبعضهم ذهبَ إلى عدم قدرة الفتاة على التعامل مع الدورة الشهرية، وعدم قدرة الأم على تعليم ابنتها طُرُق الحفاظ على نظافتها الشخصية.

في حين يعلِّل بعضهم بأنهم لا يستطيعون وضع ابنتهم تحت الرقابة 24 ساعة في اليوم، فـ"الواقع مرير وهناك الكثير من ضعفاء النفس، واستئصال الرحم حماية من تعرّض ابنتهم للاعتداء الجنسي وعواقبه الوخيمة".

من جهتها، قالت هبة النايف، المحامية القانونية لدى الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية: "من غير الديني ولا الحقوقي أو القانوني إجراء استئصال الرحم للفتاة ذات الإعاقة الذهنية، خوفًا من افتراض تعرضها للعنف الجنسي، وبالتالي حملها، ما يعني التراخي عن حمايتها وانتهاك حقوقها من خلال نزع رحمها من أحشائها بشأن تخوُّفٍ ما".

وتضيف الحقوقية: "يعتبر ذلك من عوامل خطورة التعرّض لهذا العنف، كونه سيتركها عرضة للأمراض الجنسية المعدية، بما فيها الإيدز، والمعاناة النفسية التي ستعاني منها أيضًا، وإن كانت معاقة"، داعية الجهات المعنية والحكومية والحقوقية رصد تلك الانتهاكات والاهتمام بمتابعتها، وتعريض القائمين للمساءلة والتقاضي قانونيًّا.

كورونا والحلقة الأضعف

إن الأثر الذي خلّفته جائحة كورونا على النساء ذوات الإعاقة، لا يزال يلقي بظلاله على جوانب حياتهن المختلفة، ففي أوج انتشار الوباء، وفي ظلّ الفرض المشدَّد لحالة الطوارئ الذي استمر لفترات طويلة، تردّت أوضاع النساء ذوات الإعاقة، ما تسبَّب في انقطاع الدخل عن العديد من العاملات منهن أو عن المعيل الأساسي لهن، ما تركهن في ظروف اقتصادية تشكِّل صعوبة مركّبة.

الأثر النفسي للجائحة يعدّ الأشد على النساء ذوات الإعاقة، حيث تزداد الضغوط النفسية الاجتماعية عليهن، سواء بسبب الخوف من المرض وعدم توفر معلومات كافية وطُرُق موائمة لمساعدتهن.

ففي مسح أجرته جمعية "نجوم الأمل" لأوضاع النساء ذوات الإعاقة في جائحة كورونا، والذي استهدف 800 امرأة وفتاة ذات إعاقة في كل من الضفة وغزة، رُصد العديد من حالات العنف بجميع مستوياته ضد النساء ذوات الإعاقة، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجائحة كورونا.

فبسبب آثار الجائحة وما خلّفته من صعوبات وضغوط عامة في المجتمع، يلجأ البعض إلى تفريغ هذه الضغوط في الحلقة الأضعف من وجهة نظرهم، ما يضع النساء ذوات الإعاقة في دائرة ضحايا العنف الناتج عن جائحة كورونا.

وبحسب المسح، تواجه 39% من النساء ذوات الإعاقة المشمولات في المسح، صعوبات مادية إضافية نتيجة حالة الطوارئ، كما تواجه 29% من النساء ذوات الإعاقة صعوبة في الوصول للأدوية، والعلاج في المستشفيات، والحصول على المستلزمات الطبية بما فيها الأدوات المساندة.

وأشارت ما نسبته 11% من النساء والفتيات ذوات الإعاقة إلى حاجتهن لإرشاد نفسي واجتماعي، نتيجة الضغوط الإضافية التي يتعرضن لها بسبب حالة الطوارئ القائمة. وأشارت النساء إلى وجود صعوبة كبيرة في الحركة للحصول على الاحتياجات الحياتية الأساسية.

كما تواجه النساء والفتيات مشكلة حقيقية مع توقف جلسات التأهيل عن العمل من علاج طبيعي ووظيفي، الأمر الذي يفاقِم الإعاقات الحركية والنطقية على وجه الخصوص. 

وتتابع المسؤولة التنفيذية في الجمعية، في حوار لـ"نون بوست"، أن أبعاد هذا الأمر لم تكن بسيطة، إذ إن هذه الظروف تدفع باحتياجات النساء ذوات الإعاقة خارج قائمة الأولويات للعائلات من أدوية وأدوات مساندة وغيرها، حيث يمارَس عليهن التمييز والإقصاء في ظل هذه الظروف.

وتختتم حديثها بالقول إن الأثر النفسي للجائحة يعدّ الأشد على النساء ذوات الإعاقة، حيث تزداد الضغوط النفسية الاجتماعية عليهن، سواء بسبب الخوف من المرض وعدم توفُّر معلومات كافية وطُرُق موائمة لمساعدتهن، أو بسبب الضغوط الاقتصادية التي تؤدي إلى ضغوط نفسية عليهن، أو حتى فقدان الأدوية وعدم القدرة على توفير الاحتياجات اليومية لهن، دون وجود أي اهتمام أو تنسيق رسمي وغير رسمي لتوفير متطلباتهن.

يشكِّل الأشخاص ذوو الإعاقة في فلسطين المحتلة ما نسبته 2.1% من مجمل السكان، موزّعين بنسبة 48% في الضفة الغربية المحتلة و52% في قطاع غزة المحاصر، وبلغت نسبة الإعاقة بين الذكور 2.9% أما نسبة الإعاقة لدى النساء فكانت أقل 2.5%، وذلك استناداً لبيانات التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت للعام 2017. 

وشكّلت الإعاقة الحركية واستخدام الأيدي النسبة الأعلى من الإعاقات بين الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث بلغ عدد الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية واستخدام الأيدي 47.109 فردًا، ويشكلون ما نسبته 51% من الأشخاص ذوي الإعاقة، وحوالي خُمس الأشخاص ذوي الإعاقة هم من الأطفال دون سن الـ 18 بنسبة 20%، وكانت النِّسب أكثر انتشارًا في قطاع غزة المحاصر (22%) مقارنة بالضفة الغربية المحتلة (17%).