تشعر دول جوار أفغانستان بحالة من القلق بسبب ما قد يتأسّس على انسحاب أميركا المفاجئ دون ضوابط واضحة، حيث يعتبرون ما يحدث تخريبًا للأمن الإقليمي جراء السياسات الأميركية المتقلبة مع طالبان: من الصدام الشديد إلى ‏التصالح والعكس.

كما تتخوف دول آسيا الوسطى من دفع فاتورة مرتفعة للغاية، للحفاظ على الأمن في المنطقة بسبب ما ‏سيتكبّدونه من صعوبات بعد خروج أميركا من أفغانستان، وتصاعُد الصدام بين طالبان والحكومة ‏الأفغانية ونزوح الملايين إليهم، وربما تورُّطهم في الصراع العسكري. 

فوضى أميركية

عرف العالم علاقة متقلبة للغاية بين طالبان وأميركا، إذ كانت دائمًا المصالح الأميركية هي المحرِّك الأساسي لها، ولم تضع في حساباتها مصالح جوار الأفغان الذين تضرّروا أكثر من أي طرف آخر، بسبب الصعود والهبوط في العلاقة بينهما. 

بدأ المدّ والجذر في العلاقة الأميركية الأفغانية بعد وقت قصير من هجوم تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وإجازة الكونغرس الأميركي فورًا استخدام القوة العسكرية ضد الجماعات أو الأفراد الذين خطّطوا أو نفّذوا الهجمات، وكذلك ضد الذين قدّموا لهم المساعدة والمأوى. 

انطلقت أميركا مصحوبة بالرغبة في الثأر إلى غزو أفغانستان، حيث كان أسامة بن لادن الزعيم التاريخي للقاعدة يعيش في ظلال طالبان على مدى ما يقارب 18 عامًا، وتصوَّر جورج بوش الابن إن بإمكانه حسم الأمر في ساعات بالقضاء على رؤوس القاعدة.

خابت توقعات بوش، وسقط النظام الطالباني سياسيًّا، لكن استمرَّ نزاعٌ لم تقدر على حسمه 3 إدارات أميركية، ودماء ما يقارب 3500 جندي من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وعشرات الآلاف من الأفغان، مع حركة تخفّفت من قيود السلطة لتقود حرب عصابات تاريخي استنزف الميزانية الأميركية بـ 2.26 تريليون دولار وفقًا لمشروع تكاليف الحرب.

لم يحقِّق الصراع بين أميركا وطالبان أي فائدة تُذكر للمجتمع الدولي، وفشلت القوة العسكرية الأولى بالعالم في تدمير قدرات القاعدة في المنطقة، وهو الهدف الأصلي المعلَن للتصعيد العسكري، بل على العكس استعادت طالبان تدريجيًّا قوتها القديمة، واعترف بذلك رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد، والقائد السابق لبعثات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في أفغانستان، وأكّد أن وضع بلاده وقواتها العسكرية في طالبان بمأزق خطير. 

تقلُّب المصالح 

يمكن القول إن تبدُّل أسهم المصالح ولجوء أميركا إلى الحوار والمصالحة والاعتراف بطالبان مرة أخرى، بدلًا من الاستمرار في الصراع إلى ما لا نهاية، يتّكئ على تغيُّر مجموعة التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة منذ عام 2001. 

لم تعد أفغانستان تشكِّل التحدي الأمني ​​القومي الأكثر إلحاحًا أو أهميةً الذي يواجه الولايات المتحدة، فما يشغلها الآن صعود الصين وروسيا وتغيُّر المناخ اللذين يتطلبان استثمارات جادّة في موارد الولايات المتحدة واهتمامها في السنوات القادمة. 

وبالتالي لا حاجة إلى استمرار نشر 14 ألف جندي أميركي في أفغانستان، وهو أكبر انتشار للقوات الأميركية في أي صراع بالعالم، كبّد الميزانية الأميركية سنويًّا حوالي 45 مليار دولار، بالإضافة إلى الوقت والاهتمام والجهد لقادة البلاد السياسية والعسكرية، في وقت تتعرّض فيه الدولة الأميركية لتهديد وجودي قادها لتغيير استراتيجيتها في الدفاع الوطني الخاصة بالبنتاغون، إذ أصبح التحدي المركزي الذي يواجه البلاد هو ازدهار الولايات المتحدة واستمرار هيمنتها على النظام الدولي. 

حُجَج الخروج 

تروِّج أميركا مجموعة من الحُجَج لإخراج قواتها من المستنقع الأفغاني، إذ لم تنجح الإدارات المتعاقبة والأموال الطائلة التي صُرفت، ومحاولة هندسة العقلية الأفغانية طوال عقدَين من الزمان في تحويل أفغانستان إلى ديمقراطية مؤسَّسية، بل أثبتت طالبان أنها الأقوى على الأرض في الصراع المسلح مع الحكومة المحلية المدعومة أميركيًّا أو مع الولايات المتحدة نفسها.

لم تفقد الحركة الدينية طوال سنوات الصراع مظلتها الشعبية، بل زادتها أضعافًا مضاعفة بشكل أربك حسابات أميركا، التي أصبحت تعاني مع الوقت من جمود استراتيجي غير مسبوق، في وقت يتضاعف فيه أعداد القتلى والجرحى والمشرّدين، وتستمرُّ طالبان في هجومها الخاطف والسيطرة على معظم الريف ومحاصرة المدن الرئيسية، والاستيلاء على مخازن أسلحة القوات الحكومية الأفغانية التي تستسلم أو تفرُّ دون مقاومة أمام صلابة مقاتلي القاعدة. 

فارِق القوة لصالح طالبان، والتحذيرات المتكرِّرة من إسقاط الحكومة المحلية حال خروج القوات الأميركية، لم يثنِ بايدن عن تصميمه على المغادرة في الموعد النهائي المحدد خلال 11 سبتمبر/ أيلول القادم لسحب جميع القوات الأميركية المتبقية.

تهديد دول الجوار 

تعيش دول الجوار حالة من التوتر الشديد، إذ ستتحمّل العبء الأكبر من انسحاب أميركا على هذا النحو، خاصة أن الولايات المتحدة لم تتشدّد بما يكفي في صفقة الخروج من أفغانستان، ولم تقم بتحصينٍ ذي شروط أكثر صرامة حتى تضمن رحيل هادئ، بلا خسائر للحكومة المحلية أو الدول المجاورة.

لم تضع أميركا دول الجوار، لا سيما الذين يتمتعون بنفوذ أكبر في الشؤون الأفغانية، بديلًا لواشنطن التي ستترك الساحة دون ضابط، وإن كانت أميركا من جانبها ترفض هذه الاتهامات، وتستند على فشل مؤتمرات مارس/ آذار لدفع عملية السلام الأفغانية مع باكستان والصين وإيران وروسيا في إحداث تأثير مادي.

فضّلت الولايات المتحدة الخروج دون تنسيق مع أحد، على أن تلقي بالوجبة الأفغانية إلى 3 من المنافسين الجيوسياسيين لأميركا، ليرتّبوا مصالحهم بطريقتهم تجاهها، على أن تكتفي هي بإنهاء ملف الحرب المفتوحة منذ سنوات طويلة. 

تلعب أميركا على امتلاك أفغانستان موارد معدنية ضخمة مثل النفط، كما تعتبر ثاني أكبر مستودعات النحاس غير المطوَّر في المنطقة، والتي تهتم الصين باستغلاله بشرط أن يكون هناك استقرار طويل الأجل، ما يسمح بالاستثمارات في تطوير البنية التحتية الحيوية وشبكات النقل.

كما تتوافق مصالح روسيا في أفغانستان مع طموحاتها في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، حيث يتزايد وجودها العسكري، وتأسيس وجود لها بعد مغادرة أميركا يحقّق لها هدفًا استراتيجيًّا لإبراز قوتها في الخارج، وتعزيز دورها العالمي، أما إيران فتسعى لتعظيم قوتها الناعمة لنشر أيديولوجيتها في أفغانستان عن طريق وكيلها هناك لواء فاطميون، وتحلم بتمدُّدها عبر الأفغان إلى آسيا الوسطى. 

لكن كل هذه الوجبات الساخنة لن تكفي للإجابة على كيفية معالجة قضايا الأمن والمصالح الوطنية للأفغان وجيرانهم، فانتصار طالبان التامّ يشكل مصدر قلق كبير ليس فقط للجيران المباشرين، مثل إيران وباكستان وجمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية السابقة في الشمال، ولكن لدول كبرى مثل الهند.

حيث تتخوف نيودلهي من تحوُّل أفغانستان من جديد إلى ساحة للتنازع الإقليمي كما كانت في تاريخها القديم، دولة ذات شخصية وسيادة ضعيفتَين تتمكن منها القوى الخارجية وتتمتع بفوائدها، إذ خدمت أفغانستان كدولة عازلة بين الإمبراطوريتَين البريطانية والقيصرية خلال الحرب الباردة.

كما تنازعَ الأميركيون والسوفييت على التضاريس الأفغانية خلال ثمانينيات القرن الماضي، ونتج عن ذلك صراعٌ شرسٌ بينهما نقل ثلث السكان إلى المنفى، كما أدى إلى حرب أهلية أشعلتها قوى إقليمية، لتصبح البلاد منذ التسعينيات ساحة للصراع بين الشرق والغرب.

مع تكثيف القتال، يلجأ الجنود الأفغان إلى الدول المجاورة، مثل طاجيكستان التي فرَّ إليها ألف عسكري خلال اشتباكات مع طالبان مع الحكومة في معارك الريف الشمالي، حيث سيطرت طالبان على عشرات المناطق، وهي أنباء كافية لإثارة مخاوف الجوار من تزعزع قدرات القوات الأفغانية الحكومية، وتحولها إلى حركات ضغط مسلحة ستحمّل دول الجوار أرقامًا فلكية للفصل بينهما، وإعادة الأمن والاستقرار، لا سيما أن الإصلاح بين الحكومة وطالبان ما زال يعتبر هدفًا خياليًّا بعيد المنال.