يزخر التاريخ الفلسطيني بأسماء نساء لم يُعرف لهن مثيلٌ في التضحية، في أزمان صُوِرَت للجميع على أنها حبلى بالانتهاكات ضد المرأة، فلا الحركات النسوية مثلًا كانت واضحة المعالم، ولا جمعيات حقوق الإنسان آنذاك اعتبرَت الفلسطينيين من الإنس أصلًا.

مضت الماجدة الفلسطينية واثقة الخطى تمزِّق كل تصور نمطي عنها، فكانت شريكةً مهمةً في النضال الفلسطيني، حفرَت اسمها وأثبتت حضورها بكل عنفوان بين أسماء المناضلين من أبناء الشعب الفلسطيني، وفي الوقت ذاته كانت أمًّا وأختًا وزوجة، داعمة لكل رجل في حياتها، كاسرة بذلك كل التصورات النمطية عن الأدوار النسائية المجتمعية التقليدية.

تعدّدت أشكال نضالها، فإلى جانب السائد آنذاك من إمداد الثوّار بالزاد والماء، وإسعاف الجرحى، وبيع الحلي لتسليح الزوج والابن والأخ، والخروج في التظاهرات النسائية في المدن، اتخذت نساء أخريات طُرُقًا أكثر وعورة، واقعة بذلك بين مطرقة الاحتلال وسندان العادات والتقاليد. 

نستعرض في هذا المقال أسماء فلسطينيات سطرن أروع المواقف، ووضعن بصمة غيّرت ولو بشكل يسير معالم القضية الفلسطينية.

حلوة زيدان.. مقاتلة دير ياسين

 

سكنت قرية دير ياسين غربي القدس المحتلة امرأة ريفية تُدعى حلوة، لم يكن اسم حلوة زيدان معروفًا قبل أبريل/ نيسان 1948، حيث نفّذت قوات الإرغون وشتيرن الإسرائيلية بدعم من البالماخ والهاغاناه فجر التاسع من أبريل/ نيسان عام 1948 مجزرة بحق أهالي هذه القرية، حيث اقتحمت العصابات الصهيونية القرية من جهتَي الشرق والجنوب، وأمطرت القرية بالرصاص وقذائف الهاون، فجّرت البيوت وقتلت كل شيء يتحرك، وارتكبت أفضع الجرائم بحق النساء والأطفال.

وفي أحداث تلك المجزرة، استشهد الشاب محمد الحاج عايش، فزغردت والدته حلوة زيدان وقام زوجها فأخذ بندقية ابنه وقاتل حتى استشهد أيضًا، فزغردت حلوة كذلك واستلمت هي البندقية ونزلت الميدان، وظلّت تطلق الرصاص وتطيح بالجندي تلو الآخر، حتى قتلت 6 أفراد من العصابات الصهيونية، وبقيت تقاتل ببسالة حتى لحقت بزوجها وابنها.

شادية أبو غزالة.. أول شهيدة في تاريخ الجبهة الشعبية

 

ولدت شادية أبو غزالة عام 1949، أي بعد النكبة بعام واحد، في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، وتخرّجت من المدرسة الفاطمية للبنات، ثم التحقت بجامعة عين شمس المصرية لدراسة علم الاجتماع، لكنها وما إن مرَّ عام واحد منذ بداية دراستها، قررت العودة إلى نابلس وإكمال تعليمها في جامعة النجاح الوطنية، وذلك رغم محاولات ذويها بإقناعها بالبقاء في القاهرة وإكمال تعليمها، فكانت تردّ عليهم قائلة: "ما فائدة الشهادة الجامعية إذا لم يكن هناك جدار أعلّقها عليه".

عُرفت بكونها متفوقة دراسيًّا، وبأنها بدأت نشاطها السياسي مبكِّرًا؛ فانتسبت إلى حركة القوميين العرب في سنٍّ صغيرة، ثم عُرفت كأحد قادة ومؤسِّسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. 

عُرف عن شادية أيضًا محبّتها للأطفال، وإيمانها بالعمل المنظَّم وبأدوار الفكر والثقافة في توجيه العمل المسلَّح، فقامت بتنظيم العشرات من الفتيان والفتيات وإعدادهم لدور ريادي، من خلال تثقيفهم سياسيًّا وعسكريًّا في آن واحد.

شكّلت شادية نقطة تحول مهمة في طريقة نضال المرأة الفلسطينية، فلم تكتفِ بالمظاهرات والاعتصامات والتحريض، بل تدرّبت سرًّا على القتال بالأسلحة وصنع المتفجِّرات، واشتركت في عمليات عسكرية أيضًا، أحدها كان نسف باص إسرائيلي تابع لشركة "إيجد"، وقادت عدة عمليات عسكرية نفّذتها الجبهة الشعبية.

استشهدت شادية أثناء تحضيرها لعملية عسكرية، حيث كانت في منزلها تعدّ قنبلة تنوي تفجيرها في إحدى العمارات الإسرائيلية في تل أبيب، لكن القنبلة انفجرت بين يدَيها يوم 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 1968، فحصلت باستشهادها على لقب أول شهيدة تسقط في تاريخ الجبهة الشعبية، وتاريخ الثورة الفلسطينية بعد النكسة.

فاطمة برناوي.. أول أسيرة في الثورة الفلسطينية المعاصرة

لأبٍ من أصل نيجيري ولأمٍّ أردينة فلسطينية، ولدت فاطمة برناوي في القدس بحيّ ملاصق للمسجد الأقصى، شارك والدها في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، وما إن بلغت هي الثامنة عشرة حتى التحقت بحركة فتح.

تعدّ من أوائل الفلسطينيات اللواتي خضن العمل الفدائي المسلَّح منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، ثم اعتقلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1967 على خلفية وضعها لقنبلة في قاعة "سينما صهيون" في القدس المحتلة، وذلك ردًّا على الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين، فحُكم عليها آنذاك بالسجن المؤبَّد، لكنها قضت في الأسر 10 سنوات فقط، حيث أُطلق سراحها في عملية تبادل يوم 11 من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1977، لكن الفرحة لم تستمر فأُبعدت إلى بيروت لتستكمل نضالها بعيدًا عن فلسطين المحتلة.

استطاعت فاطمة العودة إلى قطاع غزة المحاصر عام 1994، وتولّت منصب قيادة الشرطة النسائية الفلسطينية انطلاقًا من القطاع.

ساذج نصار.. أول صحافية فلسطينية تدخل السجن في العهد البريطاني 

في مدينة حيفا شمالي فلسطين، ولدت ساذج نصار عام 1882، وتخرّجت من مدرسة راهبات الناصرة في حيفا. بدأت لاحقًا حياتها المهنية بالكتابة في جريدة "الكرمل"، التي أسّسها زوجها نجيب نصار سنة 1908، ثم ساهمت مع زوجها في إدارة الجريدة. افتتحت عام 1926 زاويةً في جريدة "الكرمل" تحمل اسم "صحيفة النساء"، عالجت فيها موضوعات اجتماعية ونسائية.

كانت تبثّ الفكر التحرُّري في مقالتها، فدعت إلى تعليم المرأة وتمكينها، كما حثّت الأمهات على المساواة بين أولادهن على اختلاف أجناسهم، وشجّعت الفلسطينيات على خوض غمار الحياة السياسية للوقوف في وجه الاستعمار البريطاني والاستيطان الصهيوني، كما ساهمت في تأسيس "جمعية الاتحاد النسائي العربي" في حيفا، والتي لعبت دورًا بارزًا في إضراب عام 1936.

اعتقلت بسبب نشاطاتها في عهد الانتداب البريطاني سنة 1938 بتهمة مدّ الثورة بالسلاح، كما وُصفت بكونها "امرأة خطرة جدًّا"، فنُظِّمت حملات محلية ودولية واسعة للمطالبة بإطلاق سراحها، وأُفرج عنها بعد 11 شهرًا من اعتقالها، فواصلت عملها في جريدة "الكرمل" حتى إغلاقها بالشمع الأحمر تحت نظام الأحكام العرفية البريطانية عام 1944.

انتقلت ساذج نصار بعد النكبة للعيش في لبنان، واستمرّت بنشر مقالات عن القضية الفلسطينية في جريدة "اليوم"، ثم انتقلت إلى دمشق وكتبت في عدة صحف سورية حتى وفاتها.

دلال المغربي.. أقامت الجمهورية الفلسطينية في باص! 

لأبٍ لاجئ من يافا إلى لبنان ولأمٍّ لبنانية، ولدت دلال المغربي عام 1958 في مخيم صبرا بالقرب من العاصمة اللبنانية بيروت، كان والدها ممّن قاتلوا في معركة القسطل مع القائد السوري عز الدين القسام.

تلقت دلال تعليمها في إحدى مدارس الأونوروا، حيث اكتفت بالتعليم الأساسي وقرّرت بعده العمل كممرِّضة، فعُيّنت في الهلال الأحمر الفلسطيني.

اعتادت التسلُّل إلى معسكرات تدريب الفدائيين في لبنان منذ عملها في الهلال الأحمر، وشاركت عام 1973 في الدفاع عن الثورة الفلسطينية ببيروت.

على إثر الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، قررت دلال الانضمام إلى حركة فتح، ثم خضعت عام 1977 لدورة تدريبية حصلت بعدها على رتبة ملازم.

تمَّ اختيارها في سنِّ العشرين من قبل القائد خليل الوزير لتقود فرقة دير ياسين المكوَّنة من 12 فدائيًّا، وترأُّس عملية كمال عدوان التي تقضي بالسيطرة على أحد الحافلات العسكرية الإسرائيلية، ثم التوجُّه إلى تل أبيب لمهاجمة مبنى الكنيست، وذلك كمحاولة للضغط على الاحتلال الإسرائيلي لإطلاق سراح بعض الأسرى.

نفّذت دلال العملية بالفعل وتسلَّلت من الأراضي اللبنانية مع فرقتها يوم 11 مارس/ آذار 1978، ثم نزلت المجموعة من الباخرة التي مرَّت أمام الساحل الفلسطيني عبر قاربَين مطاطيَّين.

استولت دلال ومن معها على عددٍ من السيارات آخرها سيارة كبيرة، توجّهوا بها مع رهائن كثر نحو تل أبيب، ثم علّقت علم فلسطين داخل الحافلة منشدةً: "بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي..".

وبعد الاشتباك مع قوات الاحتلال الإسرائيلية، وسقوط عشرات القتلى من جنود الاحتلال، وإحراق سيارة الركّاب بمن فيها، استشهدت دلال مع عدد من زملائها، تاركة وصية بخط يدها كُتب فيها:

"وصيتي لكم جميعًا أيها الإخوة حملة البنادق تبدأ بتجميد التناقضات الثانوية، وتصعيد التناقض الرئيسي ضد العدو الصهيوني وتوجيه البنادق، كل البنادق نحو العدو الصهيوني، واستقلالية القرار الفلسطيني تحميه بنادق الثوار المستمرّة لكل الفصائل، أقولها لإخواني جميعًا أينما تواجدوا الاستمرار بنفس الطريق الذي سلكناه".

كما قال عنها الشاعر السوري نزار قباني:

"إن دلال أقامت الجمهورية الفلسطينية ورفعت العلم الفلسطيني، ليس المهم كم عمر هذه الجمهورية، المهم أن العلم الفلسطيني ارتفع في عمق الأرض المحتلة على طريق طوله 95 كيلومترًا في الخط الرئيسي في فلسطين". 

تطولُ القائمة، لكن لعلّ نماذج الماجدات التي ذُكرت بالأشكال المتمايزة لنضالهن، قد تأتي لتسلِّط الضوء على هذه الشريحة من نساء الشعب الفلسطيني، بل لربما تكون ركيزةً لمشروع كبير باسم موسوعة المناضلات الفلسطينيات.