تراجع مخزون السدود في الجزائر

تراجع مخزون السدود في الجزائر

أصبح مشهد الطوابير أمام صهاريج توزيع المياه في عديد المناطق الجزائرية -منها العاصمة-، أمرًا اعتياديًّا في الفترة الأخيرة، فالبلاد تعاني نقصًا كبيرًا من المياه الصالحة للشرب، ما أثار استياء وغضب الشعب الذي  احتجّ وخرج للشوارع لمطالبة الدولة بضرورة وضع حدٍّ لهذه المعاناة.

تراجُع منسوب المياه

يبدو أن صيف الجزائر سيكون متعبًا للدولة والسكّان على حد سواء، ليس بسبب الحرارة الشديدة وإنما لشحّ المياه، فمنسوب المياه في البلاد في تراجُع مستمرّ، وسبق أن اعترفَت وزارة الموارد المائية بذلك، إذ أكّدت وجود أزمة في التزوُّد بالمياه الصالحة للشرب في 10 ولايات على الأقل، بمناطق شمال ووسط البلاد.

وتُرجع السلطات الجزائرية سبب ذلك إلى التغيرات المناخية، والجفاف الذي تعرفه البلاد منذ 3 سنوات على الأقل، إذ أخفقت المصالح المختصة في تجميع مياه الأمطار، ذلك أن 20% من السدود تسجِّل عجزًا في مخزوناتها، خصوصًا في مناطق الغرب والوسط.

ولم تتجاوز نسبة امتلاء السدود 40% و55%، وهي نسبة متباينة ما بين الجهات، ففي الشرق تصلُ إلى 68%، وتتراوح في الوسط والغرب ما بين 22 إلى 29% فقط، كما تعاني الجزائر من مشكلة تآكُل وامتلاء بعض السدود بالأوحال والأتربة، التي من شأنها تخفيض سعة استيعاب السدود بنسبة تصل إلى 75%.

بعض المشاهد التي ظنّ الجزائريون أنها ذهبت دون رجعة، أصبحت أمرًا اعتياديًّا هذه الأيام.

تمتلك الجزائر 80 سدًّا بسعة تخزين تصلُ إلى 8 مليارات متر مكعّب، من بينها سدّ بني هارون في منطقة ميلة (شرقًا)، والذي يعدّ أحد أكبر السدود في قارّة أفريقيا من حيث المساحة والسعة التي تبلغ 500 مليون متر مكعّب، فيما يوجدُ عدد آخر من السدود قيد الإنشاء، وتستهدف البلاد الوصول إلى سعة تخزين تبلغ 12 مليار متر مكعّب بحلول عام 2030.

 

أمام تراجُع منسوب السدود، لجأت سلطات الجزائر إلى تحلية مياه البحر بهدف تزويد السكّان، ومن المنتظر أن تدخلَ 4 محطات لتحلية مياه البحر العمل بين يوليو/ تموز وأغسطس/ آب 2021، بهدف تزويد مواطني 57 بلدية في العاصمة الجزائر بالماء.

ويستهلك الجزائريون سنويًّا ما بين 3.6 و4 مليارات متر مكعّب، 30% منها تأتي من السدود، فيما تأتي البقية من الآبار ومحطات تحلية مياه البحر.

وتمتلك الجزائر 11 محطة لتحلية مياه البحر، وتقدَّر قدرة الإنتاج اليومية من محطات تحلية مياه البحر بـ 2.1 مليون متر مكعّب، ما يمثِّل 17% من الإنتاج الوطني للماء الصالح للشرب، وتأملُ الجزائر رفع عدد المحطات إلى نحو 20 محطة في حدود عام 2030.

معاناة كبيرة

سيزيد هذا العجز من معاناة الجزائريين، خاصة في المناطق الوسطى، ومن بينها العاصمة التي يقطنها أكثر من 6 ملايين شخص، والمناطق الغربية التي تتواجد بها عدة ولايات ذات كثافة سكانية كبيرة، على غرار وهران وتلمسان، وبلغ حجم النقص المسجّل في المياه على مستوى العاصمة فقط 600 ألف متر مكعّب يوميًّا، فكميات المياه المتاحة في السدود لا تسمح سوى إنتاج ما بين 750 و850 ألف متر مكعّب يوميًّا.

نتيجة ذلك، بدأت السلطات خطة جديدة لتوزيع المياه، بحيث ستوزِّع بالتداوُل على المناطق والأحياء خاصة في العاصمة، بمنهج يسمح بالتوزيع 8 ساعات يوميًّا، وصولًا إلى 14 ساعة، ومن بين الإجراءات الأخرى التي لجأت إليها السلطات الجزائرية لمعالجة هذا النقص، إغلاق محلات غسل السيارات 3 أيام في الأسبوع، على أن يقتصر فتحها في الأيام الأربعة المتبقية من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثانية من بعد الظهر.

إلّا إن هذه القرارات لا يمكن أن تكون حلًّا جذريًّا لهذه الأزمة، فأغلب الوقت المياه مقطوعة عن المنازل، ومحظوظ من يأتيه الماء ساعة أو ساعتَين في اليوم في أوقات غير معلومة، لذلك يضطرّ العديد من الجزائريين إلى شراء صهاريج لتخزين الماء.

ومن لا يملك حقّ شراء صهريج ماء للتخزين (تسبّب المضاربون في ارتفاع أسعار الصهاريج والبراميل البلاستيكية، بمعدل يتراوح بين 30% و50%)، سيكون عليه تكبُّد معاناة يومية للحصول على ما يكفي عائلته من المياه الصالحة للشراب.

 

أدى شحّ المياه إلى انتشار الصهاريج المتنقّلة لبيع المياه، وأصبح مألوفًا في كبرى المدن، منها العاصمة، رؤية المياه غير المعدنية تُباع في صهاريج بلاستيكية تتنقّل بين الشوارع، وبلغ سعر اللتر الواحد منها 5 دنانير، بينما تُباع الـ 40 لترًا بـ 200 دينار جزائري.

تشكّلت طوابير كبيرة من السكّان أمام هذه الصهاريج، كلّ يحمل وعاءه بيده وينتظره دوره، علّه يحظى ببعض اللترات من المياه الصالح للشراب، في مشهد يذكّر الجزائريين بسنوات التسعينيات من القرن الماضي، حين كانت البلاد تعاني من شحّ المياه.

أدّى هذا الوضع إلى خروج الناس للشوارع في عديد المناطق، لمطالبة الدولة بضرورة وضع حد لهذه المعاناة.

ليس هذا فحسب، فبعض المشاهد التي ظنّ الجزائريون أنها ذهبت دون رجعة، أصبحت أمرًا اعتياديًّا هذه الأيام، من ذلك مشاهدة بعض الأطفال والنساء في القرى والمدن الداخلية، حاملين معهم صفائح بلاستيكية وقارورات فارغة بحثًا عن البئر الأقرب من أجل التزوّد بالمياه.

وتُعتبر الجزائر من ضمن أكثر دول العالم المهدَّدة بالجفاف وفق تقرير نشره المعهد الدولي للموارد، إذ حلّت في المرتبة 29 عالميًّا، في التصنيف الثاني المميَّز باللون الأحمر، وهي الدول التي يتراوح فيها معدّل العطش بين 40% و80%.

عودة الاحتجاجات

أدّى هذا الوضع إلى خروج الناس للشوارع في عديد المناطق لمطالبة الدولة بضرورة وضع حدٍّ لهذه المعاناة، ففي العاصمة أقدمَ سكّان ضاحيتها الشرقية في وقت سابق على قطع الطريق السريع المؤدي إلى المطار الدولي، كما قاموا بإغلاق بعض الطرقات الأخرى ومنعوا سير المركبات.

أمّا في ولايات وسط وغربي الجزائر، فالاحتجاجات متواصلة منذ عدة أيام للمطالبة بتزويدهم بالمياه، ففي ولاية المسيلة وسط البلاد، احتجَّ السكان وطالبوا بتدخُّل السلطات وحلّ الأزمة، لكنّ قوات الأمن فضّت الاحتجاجات بالقوة، ما زاد من حدة الاحتقان.

بالتزامن مع ذلك، تشهد ولايات الجنوب، خاصة ورقلة (عاصمة النفط) منذ أيام احتجاجات متفرِّقة ضد تردّي أوضاع المعيشة والبطالة وسوء الخدمات، ويتِّهمُ سكان الولاية سلطات البلاد بممارسة التمييز ضدّهم في مجال التشغيل.

كما تشهد أدرار والمنيعة والعالية والحجيرة (مدن صحراوية)، احتجاجات على سوء الخدمات بها، من ذلك انقطاع مياه الشرب والتيار الكهربائي وغياب المصحّات للعلاج، رغم أنها تؤمِّن كميات هامة من النفط يوميًّا.

 

من شأن هذه الاحتجاجات أن تضعَ الحكومة الجزائرية الجديدة في امتحان كبير، ذلك أن الشعب ملَّ وعود السلطة المتكرِّرة، كما إن السلطة حاليًّا لا تبدو أمامها حلول كثيرة يمكن الاعتماد عليها، في ظلّ سوء التسيير في أغلب القطاعات في البلاد وانتشار الفساد فيها.