رفض داخلي وخارجي لقرارات سعيد

رفض داخلي وخارجي لقرارات سعيد

أكثر من 36 ساعة على الانقلاب الذي أعلنه الرئيس التونسي قيس سعيد ضد دستور بلاده والبرلمان، إلا أنه لا شيء يوحي بوجود أي تغيير في تونس، فالوضع في الشارع ومؤسسات الدولة على حاله، باستثناء بعض الطائرات المروحية التي تحلق في سماء البلاد وبعض الدوريات الأمنية والعسكرية المشتركة تجوب بعض الأحياء، وهذا الأمر اعتاد التونسي رؤيته منذ ثورة يناير 2011.

رفض داخلي

شارع غير مبالٍ

ليلة الأحد، أعلن سعيد انقلابه على الدستور ومؤسسات الدولة المدنية وجمع كل السلطات تحت يده بحجة "حماية تونس"، فقد أعفى رئيس الحكومة هشام المشيشي من منصبه، على أن يتولى السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس حكومة يعينه بنفسه، وجمد كل اختصاصات البرلمان التونسي ورفع الحصانة عن كل أعضاء المجلس النيابي، وأعلن توليه منصب النائب العام، وبرر ذلك بضرورة كشف كل ملفات الفساد.

اتحاد الشغل الذي ارتكز عليه قيس سعيد في العديد من التحركات فيما مضى، لم يوافق الرئيس في قراراته الأخيرة أيضًا

كان قيس سعيد يمني النفس برؤية مئات آلاف التونسيين في الشوارع، عقب خطابه، لتأييده وتفويضه ومنحه صك على بياض كما حصل مع أخيه عبد الفتاح السيسي في يوليو/تموز 2013، لكن بضعة عشرات فقط نزلوا إلى الشارع وفي مناطق معينة بعيدة عن المناطق الشعبية التي يُفترض أنها ضاقت ذرعًا بالسياسة وأعمال السياسيين وفشلهم المتواصل.

خطاب سعيد وقراراته الانقلابية لم تجد صدى كبيرًا لدى التونسيين، بالعكس فقد خرج العديد من التونسيين ضده، حتى الأحزاب التي كان يراهن عليها للاصطفاف إلى جانبه، خالفت التوقعات وأصدرت بيانات تدين ما حصل، مؤكدة أن ما حصل يعتبر انقلابًا على الدستور ومؤسسات الدولة ووجب تصحيح الأمر.

رفض حزبي

التيار الديمقراطي الذي كان إلى وقت قريب أبرز الأحزاب الداعمة للرئيس قيس سعيد، إذ أيد التيار (22 نائبًا) الرئيس في استفراده بتأويل الدستور، وفي سعيه إلى تغيير النظام السياسي وطموحه إلى التحكم في دواليب الدولة، فضلًا عن الإطاحة برئيس البرلمان راشد الغنوشي ورئيس الحكومة هشام المشيشي وتفكيك حزامه الحكومي البرلماني، هذه المرة خالف سعيد وعارض تأويله للدستور، رافضًا ما ترتب عنه من قرارات وإجراءات خارج نصوصه.

حزب العمال اليساري المعارض الذي يركز كل عمله على الإطاحة بالحكومة وتحميلها مسؤولية الأزمات التي تشهدها البلاد، رأى أن ما أقدم عليه رئيس الدولة من الناحية القانونية "خرق واضح" للدستور ولأحكام الفصل 80 الذي اعتمده.

 

أيضًا حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري المعارض، أكد أمينه العام لطفي المرايحي، أن "القرارات التي اتخذها قيس سعيد تتجاوز أحكام الدستور وتمثل انقلابًا لا غبار عليه"، وتابع المرايحي "ما أتاه سعيد انقلابًا وليس تطبيقًا للفصل 80، لأن تفعيل الفصل 80 لا يقتضي حل البرلمان وتعطيل الحكومة".

بدوره رفض الحزب الجمهوري التونسي في بيان، قرارات الرئيس سعيد، بتجميد أنشطة البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة من مهامه، معتبرًا أنها "انقلاب" على الدستور، كما عبرت أحزاب القطب الديمقراطي الحداثي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات والإرادة الشعبية رفضها لقرارات سعيد واعتبرتها "خرقًا واضحًا للقانون والدستور".

كما عبر الحزام الداعم للحكومة، والمكون من النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة، عن رفضه لقرارات قيس سعيد، واعتبرت هذه الأحزاب أن ما أقدم عليه سعيد "انقلابًا على الثورة والدستور ورجوع بالبلاد إلى الحكم الفردي".

داخل المنظمات

من جهة المنظمات، فقد عبر أغلبها عن رفض قرارات سعيد، فاتحاد الشغل، الذي ارتكز عليه قيس سعيد في العديد من التحركات فيما مضى، لم يوافق الرئيس قراراته الأخيرة أيضًا، إذ طالب الاتحاد بضرورة اتخاذ ضمانات دستورية ترافق التدابير الاستثنائية التي اتخذها قيس سعيد، كما أعرب عن "حرصه على التمسك بالشرعية الدستورية في أي إجراء يتخذ في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد لتأمين احترام الدستور والمسار الديمقراطي وإعادة الاستقرار للبلاد"، حسب البيان.

من جانبه، دعا اتحاد المزارعين التونسيين، سعيد إلى "احترام الدستور والمحافظة على مكتسبات ثورة الحرية والكرامة، وتوضيح حدود التدابير الاستثنائية، والتزامه بالسقف الزمني المضبوط بمقتضى الدستور (30 يومًا)"، وشدد الاتحاد على "ضرورة احترام استقلالية القضاء وحرية التعبير والالتزام بمدنية الدولة وعدم الزج بالمؤسسة العسكرية في التجاذب القائم''.

هذا الرفض الداخلي والخارجي، لم يكن يتوقعه الرئيس التونسي قيس سعيد، فقد كان يمني النفس برؤية بيانات المساندة والتهليل لما أقدم عليه

كما قلنا إن من جملة القرارات التي اتخذها سعيد إعلان نفسه رئيسًا للنيابة العمومية، لكن المجلس الأعلى للقضاء، أكد استقلالية السلطة القضائية وضرورة النأي بها عن كل التجاذبات السياسية، وأن القضاة مستقلون ولا سلطان لهم في قضائهم لغير القانون، ويضطلعون بمهامهم في نطاق الدستور والقانون في حماية الحقوق والحريات، وشدد على أن النيابة العمومية جزء من القضاء العدلي.

ليس هذا فحسب فالجمعية التونسية للقانون الدستوري التي ترأسها سعيد حينما كان مدرسًا في الجامعة، قالت إن قرار الرئيس تجميد جميع اختصاصات البرلمان "لا يدخل ضمن التدابير الاستثنائية"، وأضافت "الفصل 80 ينص على بقاء البرلمان في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة، الأمر الذي يتناقض مع تجميد اختصاصاته".

وأوضحت الجمعية في بيانها "إن حالة استثناء، تمثل بطبيعتها وضعية دقيقة يمكن أن تفتح الباب على عدة انحرافات"، كما أعلنت مخاوفها من مخاطر تجميع كل السلطات لدى رئيس الجمهورية، ودعت الجمعية قيس سعيد إلى الالتزام بمقومات الجمهورية التي أقسم على احترامها بما في ذلك من الحريات الدستورية والحقوق.

ضغوطات خارجية

أما خارجيًا، فأغلب المواقف دعت لضرورة عودة العمل بالدستور، إذ دعا الاتحاد الأوروبي، إلى "احترام الدستور والمؤسسات وسيادة القانون في تونس"، مؤكدًا ضرورة استئناف النشاط البرلماني في تونس بأسرع وقت ممكن.

بدورها، أكدت الولايات المتحدة أنها دعت خلال اتصالاتها مع السلطات التونسية إلى "حل متاعب تونس" استنادًا إلى الدستور ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، مشددة على ضرورة تجنب أفعال تضر بالحوار الديمقراطي، كما عبرت عن انزعاجها على وجه خاص بشأن تقارير عن إغلاق مكاتب إعلامية، وكانت قوات أمنية ترتدي زيًا مدنيًا قد اقتحمت، أمس، مكتب قناة "الجزيرة" القطرية في العاصمة تونس، وأجبرت العاملين على إخلائه.

 

فيما دعت ألمانيا، إلى "العودة السريعة للنظام الدستوري الديمقراطي في تونس"، معربة عن قلقها البالغ إزاء الأزمة السياسية الأخيرة في البلاد، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الألمانية، ماريا أديباهر: "الآن، من المهم العودة بسرعة إلى النظام الدستوري"، وأضافت "الشعب التونسي يريد الديمقراطية التي اكتسبت موطئ قدم في البلاد"، مشددة على أهمية حماية الإنجازات الديمقراطية في البلاد التي تحققت منذ اندلاع الثورة التونسية عام 2011.

من جانبها، كشفت الأمم المتحدة، أنها تجري اتصالات مع المسؤولين التونسيين، وقال فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: "نتابع عن كثب الوضع في تونس منذ الإعلان الذي أصدره الرئيس قيس سعيد مساء الأحد"، وطالب كل أصحاب المصلحة بضبط النفس والامتناع عن العنف وضمان المحافظة على الهدوء وكل الخلافات ينبغي حلها عبر الحوار.

كما دعت فرنسا إلى احترام سيادة القانون في تونس في أسرع وقت ممكن، وحثت جميع الأطراف السياسية على الامتناع عن العنف، أما أنقرة فقد أكدت ضرورة إعادة إرساء الديمقراطية في تونس بأسرع وقت.

كبح جماح سعيد

هذا الرفض الداخلي والخارجي، لم يكن يتوقعه الرئيس التونسي قيس سعيد، فقد كان يمني النفس برؤية بيانات المساندة والتهليل لما أقدم عليه، لكن لم يحصل ذلك، وهو ما يفسر عدم إقدامه على أي خطوة إلى الآن، ما عادا تعديل توقيت حظر الجولان الليلي ليصبح من الساعة السابعة مساء إلى الساعة السادسة صباحًا ومنع التجمعات التي تفوق 3 أشخاص بالطريق العام والساحات.

قرابة اليوم ونصف منذ إعلانه حل الحكومة، ولم يعلن بعد عن حكومته الجديدة ولا رئيسها ولا عن برنامجها المستقبلي، وهو أمر غريب، فالمفروض أن الحكومة جاهزة قبل إعلانه عن قراراته الانقلابية، وما يدل على تخبطه إعفاء صديقه وزميله إبراهيم البرتاجي من منصب وزير الدفاع.

بعض أنصار الرئيس يروجون لإشاعات تفيد بحل المجالس البلدية وإعفاء المحافظين (الولاة) من مناصبهم والبدء في محاسبة الفاسدين، لكن هذا الأمر لم يحصل واكتفى سعيد أو من حوله بغلق قناة الجزيرة والتضييق على الصحفيين في أثناء تغطيتهم للاحتجاجات المناهضة لقراراته.

 

يبدو أن قيس سعيد عرف أن أي قرار آخر غير محسوب ستكون تداعياته كبيرة عليه، إذ لا سند حزبي ولا قانوني ولا شعبي كبير له، لذلك تريث قبل الإقدام على أي خطوة جديدة، فكل الأعين داخليًا وخارجيًا موجهة إليه.

كما أنه يعلم أن قراراته سيكون تأثيرها وخيمًا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وسط تردي الوضع الصحي، في وقت كانت فيه الحكومة تقود حراكًا دوليًا، بحثًا عن السيولة النقدية وعودة نسق الاستثمارات الأجنبية.

وكانت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني قد حذرت في بيان لها أمس الإثنين، من خفض تصنيف تونس مجددًا بعد الخفض الأخير لتصنيفها السيادي إلى "B-"، وحسب فيتش فإن قرارات سعيد ستقلل من استعداد الشركاء الغربيين لدعم بلاده، كما أن فشل التفاوض مع النقد الدولي سيؤدي إلى استمرار الاعتماد الشديد على التمويل المحلي، وسيزيد من الضغوط على السيولة الدولية.

الحل الآن، يتمثل في عودة كل الأطراف خطوات إلى الوراء والجلوس على طاولة الحوار لبحث سبل حل الأزمات التي تعيش على وقعها تونس منذ سنوات، فلا أحد له أن يجد الحل وينفذه وحيدًا دون بقية فئات المجتمع التونسي.