رفض وزير الدفاع قرارات سعيد فتمت إقالته من منصبه

أول أمس الإثنين، بدأ الرئيس التونسي في إعفاء العديد من المسؤولين في الدولة، عقب قراراته الاستثنائية بتجميد عمل البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة وتقلد منصب النائب العام في البلاد، من جملة المسؤولين الذين أعفاهم من مناصبهم، نجد وزير الدفاع إبراهيم البرتاجي الذي يعد الصديق المقرب للرئيس قيس سعيد، وأيضًا مدير القضاء العسكري توفيق العيوني، الذي كان إلى وقت قريب يعتمد عليه في بعض القضايا، فما دلالات هذه الإقالات الغريبة؟

إعفاء وزير الدفاع

إلى وقت قريب، كان إبراهيم البرتاجي الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون، أبرز أصدقاء الرئيس قيس سعيد في التشكيل الحكومي لهشام المشيشي، إذ كانت أغلب لقاءات سعيد الحكومية تتم مع البرتاجي، حتى المساعدات الصحية الأخيرة التي حلت بتونس كان في استقبال أكثرها وزير الدفاع إلى جانب مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة، في حين تم إقصاء باقي المسؤولين الحكوميين من ذلك عن قصد.

تولي البرتاجي منصب وزير الدفاع في حكومة هشام المشيشي في أغسطس/آب 2020، كان باقتراح قيس سعيد، ذلك أنه صديقه المقرب وزميله، فقد عمل البرتاجي أستاذًا للتعليم العالي في كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس وتخصص في تدريس القانون العام والقانون الإداري.

لكن كان وزير الدفاع من أول ضحايا الرئيس قيس سعيد، فقد سارع إلى إعفائه من منصبه إلى جانب إعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي ووزيرة العدل حسناء بن سليمان والعديد من المسؤولين الكبار في الدولة عقب تجميده عمل البرلمان.

رفض وزير الدفاع المُقال إبراهيم البرتاجي الانصياع التام لأوامر الرئيس قيس سعيد، حتى لا يتورط في حال فشل الانقلاب الدستوري

إعفاء البرتاجي من منصبه كان مفاجئًا للجميع، فلا أحد توقع ذلك، خاصة أن الرجلين تجمعهما علاقات كبيرة وأيضًا البرتاجي كان يُصنف في خانة وزراء الرئيس الذين تم فرضهم على حكومة المشيشي وتنسيقه كان كاملًا مع قيس سعيد.

شملت قائمة الإعفاءات أيضًا، مدير القضاء العسكري، بحسب ما ورد في أحدث نشرات "الرائد" الرسمية، إذ صدر أمر رئاسي يقضي بإنهاء مهام المكلف بمهام وكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري العميد القاضي، توفيق العيوني، بحسب النشرة.

ونعلم أن القضاء العسكري، خلال فترة قيس سعيد، مثل أمامه العديد من المدنيين رغم أن القانون يمنع ذلك، وكانت التهمة الجاهزة هي الاعتداء على معنويات الجيش أو مس القائد الأعلى للقوات المسلحة، الأمر الذي نددت به أغلب القوى المدنية في تونس والخارج.

ما الذي يفسر ذلك؟

لفهم أسباب هذه الإقالات في صفوف وزارة الدفاع التي يحتمي بها الرئيس لتنفيذ قراراته غير الدسورية، لا بد أن نعلم أن قيس سعيد لا يقبل العمل مع أي طرف يعارضه أو يناقشه في موقفه، فهو شديد التمسك بمواقفه وآرائه ولا يعطي لأي طرف مهما علا شأنه أو مكانته الحق في قول لا أمامه، وهو ما يُفسر استقالة أغلب مستشاريه من قصر قرطاج.

هذا ما يُحيلنا إلى حتمية وجود خلاف بين الرئيس قيس سعيد ووزير الدفاع ووكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري، بخصوص الإجراءات الأخيرة التي اتخذها قيس سعيد وتقضي بتجميد عمل البرلمان وحل الحكومة ورفع الحصانة عن النواب وترؤس النيابة العمومية.

 

كما قلنا في البداية فإن إبراهيم البرتاجي أستاذ قانون والعميد توفيق العيوني قاضٍ، أي أنهما يعرفان القانون جيدًا ويعلمان يقينًا حدود صلاحيات الرئيس قيس سعيد الدستورية، لذلك كانا على خلاف بخصوص قانونية ودستورية القرارات التي اتخاذها سعيد.

انطلاقًا من قراءتنا للأحداث، نرى أن وزير الدفاع المُقال إبراهيم البرتاجي رفض الانصياع التام لأوامر الرئيس قيس سعيد، حتى لا يتورط في حال فشل الانقلاب الدستوري ولا يُوصف بأنه انقلابي ويُحاكم أمام القضاء.

أيضًا العيوني الذي سبق أن نفذ أوامر قيس سعيد بمتابعة عدد من النشطاء والنواب ومحاكمتهم عسكريًا، اختار هذه المرة ألا يكون عصا سعيد الغليظة في حق الشعب التونسي، ذلك أنه في المرات السابقة التي عمل فيها بأوامر الرئيس كانت الأضواء غير مسلطة عليه أما الآن فالجميع ينتظر ماذا سيحصل والعيوني لا يريد أن ينهي مسيرته المهنية في السجن أو مطلوب لدى المحاكم الدولية.

سعيد كان يطمح في السيطرة على كل شيء والانقلاب على الدستور ومؤسسات الدولة المدنية، لكن بعض الحيثيات التي لم يحسب لها حساب قلبت المعادلة ضده

نفهم من هنا أن الرئيس يريد وضع يده على القضاء العسكري بعد تأكده من صعوبة السيطرة على القضاء المدني، لذلك عمل على التخلص من المسؤولين القضائيين غير المنسجمين معه، قبل إعلان نفسه رئيسًا للنيابة العمومية العسكرية.

هنا، يتبين لنا وجود مساعٍ حثيثة لإمكانية توظيف الرئيس قيس سعيد للقضاء العسكري في محاكمات قادمة على المقاس، تهم للعديد من النواب والسياسيين بعد رفع الحصانة عنهم، خاصة أنه ما فتئ يهدد بذلك ويتهم القضاء المدني بتعطيله.

أراد السيطرة لكن..

نفهم من هنا أن خطة قيس سعيد كان تقتضي السيطرة على كل شيء في تونس انطلاقًا من الحكومة إلى القضاء المدني والعسكري والجيش والقوات الأمنية، حتى يصل إلى أهدافه التي يدعي أنها تصب في مصلحة الشعب، لكن بعض التفاصيل لم يحسب الرئيس لها حساب.

الرفض الداخلي لتحركات سعيد الفردية، جعله في مأزق لا يُحسد عليه، ما جعله يُعيد التفكير في أولويات المرحلة القادمة، فأي خطوة غير محسوبة يمكن لها أن تعجل بنهاية حقبته السياسية وخروجه من الباب الصغير عكس الباب الذي دخل منه.

 

الضغوط الخارجية أيضًا، كانت لها كلمتها، فالخارج لا يريد أن تفقد تونس استقرارها النسبي، فأي انزلاق في هذا البلد العربي سيؤثر سلبًا على المنطقة ككل، لذلك زار وزيرا خارجية المغرب والجزائر تونس على وجه السرعة لمعرفة ما يحصل عن كثب، كما كثفت وزارة الخارجية اتصالاتها مع المسؤولين الأجانب لطمأنتهم على وضع البلاد.

أخيرًا؛ قد تكشف الساعات المقبلة تضحية الرئيس التونسي بمزيد من الأصدقاء وكبار المسؤولين، إما لتصفية الأجواء له على عادة الطغاة بالتخلص من رفاق الدرب ليصفوا لهم جو الحكم بلا منازل أو منافس، أو لأنهم يرفضون الانسياق المطلق خلف نزواته السلطوية.