لم تكن حركة فتح مجرد فصيل فلسطيني يُنظِّر سُبل التحرُّر دون أن تتكلم رصاصات أفراده، حيث سجّلت خلال 30 عامًا بعد انطلاقتها عام 1964، معارك فدائية يشهد لها تاريخ النضال الفلسطيني الطويل، وأبرزت شخصيات فذة خطّطَ الموساد الإسرائيلي لاغتيالها في منفاها خارج ربوع الوطن، مثل خليل الوزير وصلاح خلف، اللذين اغتالتهما "إسرائيل" في قلب تونس، وأسرَت العديد من قادتها الذين حملوا فكرها الثوري ورصاصتها الحرّة، مثل مصطفى البرغوثي. 

إلا أن ترهُّلاتها مطلع التسعينيات، وعوامل الجذب والضغط التي مارستها "إسرائيل" تجاه منظمة التحرير الفلسطينية، ممثَّلةً بمنظمة التحرير الفلسطينية، وما رافقها من اغتيال الاحتلال لقيادات الطلقة الأولى، مهّدت الطريق إلى إحداث اختراق في مبادئ الحركة الفلسطينية الثورية.

واضمحلت ثوابتها لاحقًا من استعادة الأرض الفلسطينية الكاملة من النهر إلى البحر، إلى السعي لاهثةً حول فكرة حلّ الدولتَين والاعتراف بـ"إسرائيل" كدولة شرعية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، والدولة الفلسطينية على أراضي عام 1967، مقابل عودة القيادات السياسية المتبقية إلى أرض الوطن، وما تبعه من حصولهم على امتيازات اقتصادية ومعيشية في السلطة الفلسطينية المنوي إقامتها حينها، وبذلك كانت أوسلو.

حينما اغتالت أوسلو بندقية فتح

كان توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، الفيصلَ في مسيرة حركة التحرر الوطني لفتح، وإعادةَ هيكلةٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية التي غيّرت علانية مبادئها لتجرِّم النضال المسلح، وتلاحق البندقية الحرّة.

واتجهت فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية من حماية الفلسطيني الذي أذاقه الاحتلال أبشع المجازر، وسلبَ الأرض وهدمَ البيوت والاعتقالات، إلى حماية "المستوطن الإسرائيلي"، حيث يقول قادة السلطة الحاليون في خطاباتهم دون مواربة، إن المستوطن من حقه أن يعيش بسلام.

وبذلك نسوا أو تناسوا الجسد الفلسطيني وقد أثخنته الجراح، والبيت​​ الفلسطيني وقد سوّاه الصاروخ الإسرائيلي أرضًا في غزة، والأمّ الفلسطينية الباكية على زوجها او ابنها المغيَّب وراء قضبانٍ وضعها هذا المستوطن الإسرائيلي "المسالم" وقادته. 

يؤكد الكاتب والمحلِّل السياسي مصطفى الصواف أن علينا التفرقة بين سلاح منظمة التحرير الفلسطينية قبل أوسلو وقبل الاعتراف بالكيان الصهيوني، والذي كان موجّهًا ضد الاحتلال في مراحل كثيرة، وبين سلاح جاء عبر اتفاق أوسلو وتحت شروطها بمنظومة أمنية جديدة، تربّى عليها حَمَلة هذا السلاح.

ويكمل الصواف حديثه عن الشروط "التي تولاها دايتون وبعض قادة مخابرات دول المحيط، والتي أكدت أن الاحتلال صديق وإن من مهام المنظمة حفط أمن المستوطنات والمستوطنين والوقوف في وجه أي عمل فلسطيني مقاوم، وملاحقته وسجنه، وإذا لزم الأمر إطلاق النار عليه". 

ما كان للاحتلال أن "يغادر" الضفة الغربية صوريًّا، بوجود سلطة فلسطينية داخلها، قريبة منه ومسلحة ولديها عناصر أمنية.

وفي حديثه لموقع "نون بوست"، يقول الصواف: "الواقع يقول إن السلاح الذي بين يدَي السلطة هو بموافقة الاحتلال، وحتى عدد الطلقات يعلمها الاحتلال، وهذا دليل واضح أنه عندما منحَ الأجهزة الأمنية لحمل السلاح ليس من أجل مواجهة الاحتلال وقواته، بل من أجل حفظ أمنه". 

ويشير الصواف إلى أن ذلك أدّى الى قتل روح المقاومة في الضفة الغربية المحتلة، ما شكّل انتكاسةً على مسيرة النضال والمواجهة في الضفة الغربية، وفرصةً ذهبية لممارسة الاحتلال إرهابه سواء العسكري أو الاستيطاني أو الاعتداء على المواطنين وعلى ممتلكاتهم.

ويتساءل الكاتب والمحلِّل السياسي: "هل شاهدنا إطلاقًا للنار بهدف مواجهة القتل الذي قامت به قوات الاحتلال؟ إن الصورة واضحة، عندما يعطيك عدوك سلاحًا فهل يعطيك إياه لقتله؟ وبهذا يصبح السلاح سلاحًا مشكوكًا بأمره". 

بطبيعة الحال، ما كان للاحتلال أن "يغادر" الضفة الغربية صوريًّا، بوجود سلطة فلسطينية داخلها، قريبة منه ومسلحة ولديها عناصر أمنية، إلا إذا كان قد قيّدَ هذه السلطة باتفاقات أمنية كبيرة تحول بينها وبين ممارسة الدور الوطني الطبيعي لها.

وبحسب الكاتبة لمى خاطر، فإننا "نتحدث عن سلاح لا يوجد على أجندته مواجهة الاحتلال، وهذا السلاح للاستخدام في الوضع الداخلي الفلسطيني، ويمكن أن يستخدَم في أي شيء إلا المواجهة، فالسلاح الذي لا يستخدَم ضد العدو بل لتأمين جبهته، هو سلاح دخيل على المشروع الوطني والثقافة الفلسطينية".

"طخّيخة الجنازات": الهدف خوف الفلسطيني

يتداول الوسط الفلسطيني المعارض للسلطة الفلسطينية مصطلح "طخّيخة الجنازات"، في إشارة إلى أفراد حركة فتح المسلّحين الذين تبرز بنادقهم في الجنازات والأعراس والمسيرات المؤيّدة لشرعية الرئيس محمود عباس المنتهية ولايته منذ أكثر من 10 أعوام، وفي أعقاب كل رصاصة يطلقها هؤلاء الأفراد الذين كانوا منتمين إلى كتائب شهداء الأقصى، الذراع العسكرية لحركة فتح قبل أن يحلّها الرئيس الفلسطيني عام 2007. 

صورة
مسلّحو حركة فتح في إحدى المسيرات.

في الأثناء، لا تخلو ليلة في الضفة الغربية المحتلة من اقتحامات قوات الاحتلال لها واعتقال شبابها، وفي حديثها لـ"نون بوست"، تشير خاطر إلى أن الأوامر تكون مباشرةً للأجهزة الأمنية بضرورة الاختفاء من الشوارع، وأن هذه الاقتحامات لا تُواجَه ولا بأي شكل من الأشكال من الأجهزة الأمنية، وفي المقابل يظهر هذا السلاح الآلي فقط في المسيرات الاستعراضية. 

وتكمل خاطر: "إن الفلسطيني في الضفة أصبح يرى أن هذا السلاح هدفه تخويف المواطن الفلسطيني في الضفة وليس تخويف الاحتلال، والذي يريد أن يرسل رسالة تخويف إلى الاحتلال يعلم جيّدًا كيف وأين يجب أن يوجِّه سلاحه، وهناك مناسبات كثيرة يمكن أن يتصدى فيها هذا الذي يستعرض سلاحه للاحتلال، على الأقل عندما يدخل ليعتقل أي مواطن فلسطيني، حيث حتى الآن لم تحدث أي عملية عرقلة لأي عملية اعتقال". 

وفي الوقت ذاته، فإن الإطلاق العشوائي في المسيرات الاستعراضية والجنازات والأفراح، أدّى إلى مقتل مواطنين وتعطُّل ممتلكات، "وهي حقيقة تعبِّر عن حالة إفلاس من الدرجة الأولى، وتعمّقت بعد معركة "سيف القدس" عندما لمسَ الشارع الفلسطيني الفرق بين دور الأجهزة الأمنية في غزة وفي الضفة، حيث عندما تكون غزة في حالة الحرب يصبح الإنسان المسلَّح مقاوِمًا"، تضيف خاطر. 

ما الذي يستفزّ السلطة؟ 

بينما يقتحم الاحتلال الإسرائيلي الضفة الغربية بكل سهولة دون أدنى خوف من أن يتحول سلاح السلطة إلى سلاح عليه، يصرّح نائب حركة فتح محمود العالول أنه "إذا استفززتُم فتح فإنها لن ترحم أحدًا".

ولعلّ القارئ الجديد للمشهد الفلسطيني ليظنَّ أنه يقصد استباحة الاحتلال للأرض والدم الفلسطيني، إلّا إن العالول قصدَ في تصريحه المظاهرات الفلسطينية المطالِبة برحيل السلطة الفلسطينية بعد إجراءاتها في الضفة الغربية، وسياساتها التي تصبُّ في سياسة الاحتلال، واغتيال واعتقال معارضيها.

 

حول ذلك، ترى الكاتبة خاطر أن تصريحات العالول صادمة كونها خرجت من شخصية سياسية، وهي تشير إلى أن حركة فتح لن تتراجع عن سياسة القمع المستخدَمة في الضفة الغربية المحتلة، ولن تستجيب لأي من مطالِب الشارع، وهذا يساهمُ في تصاعُد حالة الغليان. 

من البديهي لسلطة في ظلِّ واقع احتلال، أن يكون إحدى مهامها الأساسية تعزيز صمود الناس وليس ملاحقتهم، إلّا إن الذين كان يتم الاعتداء عليهم هم المواطنين، فحركة فتح تريدُ إسكات الناس بالقوة، متمسِّكة باستفادتها من الامتيازات الاقتصادية والمعيشية الممنوحة لقادتها في الضفة الغربية المحتلة، وأنها لا تخشى أن يعاقبها الناس في صندوق الاقتراع وقد ألغت الانتخابات.