تعرض هشام المشيشي للضرب لاجباره على الاستقالة

تعرض هشام المشيشي للضرب لاجباره على الاستقالة

يبدو أن ما حصل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، مع رئيس الحكومة اللبناني، تكرّر في تونس مع وجود بعض الاختلافات البسيطة، فالجهة التي ضربت ونكّلت بسعد الحريري لإجباره على الاستقالة حينها كانت الرياض، وعلى أراضي دولة أجنبية هي المملكة العربية السعودية؛ أما في تونس فقد أُهين رئيس الحكومة وضُرب في بلاده في قصر الرئاسة حتى يستقيل من منصبه، على أيدي ضبّاط مصريين وإماراتيين، وفق ما كشفت عنه عدة تسريبات.

تعرُّض المشيشي للضرب

يوم الاثنين، عقب انقلاب الرئيس التونسي قيس سعيّد على دستور بلاده، تواترت عدة تصريحات وتسريبات تفيد باعتزام رئيس الحكومة المعفى من منصبه الخروج للتونسيين، وتأكيد تمسُّكه برئاسة الحكومة وفق ما يقتضيه الدستور.

مرّت ساعات دون أن يظهر هشام المشيشي، وبدأت الأقاويل تكثر لكن الحقيقة لا يعلمها أحد، أو لنقل لا يجرؤ أحد على قولها، في ظلّ سعي الرئيس سعيّد للتحكُّم في كل سلطات الدولة، ولاحقًا في الليل نشرت صفحة المشيشي بلاغًا أكّد فيه عدم تمسُّكه بأي منصب، أو أية مسؤولية في الدولة.

هل انتهى الأمر هنا؟ لا طبعًا، فالرجل الذي أكّد في أكثر من مرة تمسُّكه بمنصبه وعدم التفكير في الاستقالة تحت أي تهديد، من الصعب جدًّا أن يرمي المنديل بسهولة، خاصة أن البرلمان الذي تمَّ تجميد عمله ما زال يدعمه، يعني ذلك أن ثمة أمرًا مريبًا في المسألة.

شيئًا فشيئًا بدأت المسألة تتّضح، إذ قالت مصادر مقرَّبة من هشام المشيشي إنه تعرّضَ لعدوان بدنيّ داخل القصر الرئاسي مساء الأحد، بسبب رفضه الاستقالة من منصبه قبل أن يوافق على الأمر، وتقول مصادر "ميدل إيست آي" المطّلِعة على الأمر إن إصابات المشيشي كانت "كبيرة".

الرئيس التونسي له علاقات كبيرة مع الجانب المصري والإماراتي، ولا يخفي إعجابه بالتجربة المصرية.

أكّدت "ميدل إيست آي" أن الأفراد الموجودين داخل القصر حين تعرّض المشيشي للضرب، كانوا مسؤولين أمنيين مصريين ممّن كانوا يشيرون على قيس سعيّد قبل الانقلاب، ويديرون العمليات بينما كانت تجري على قدم وساق، ولم يتسنَّ معرفة الدور الذي لعبه هؤلاء في التحقيق مع المشيشي.

هذه الرواية أكّدها عدة شخصيات في تونس، منهم النائب عن ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف، الذي قال إن هشام المشيشي أُجبر على التخلّي عن منصبه بطريقة غير دستورية، وإنه تمّ تهديده ووضعه في الإقامة الجبرية ومحاصرة بيته.

كما قال وزير الصحة الأسبق عبد اللطيف المكي، إن المشيشي قال لهم في اتصال معهم إنه لم يتصوّر أن يتعرّض لمثل تلك الإهانة، ولا يعلم ما يقصد بكلمة الإهانة.

ما يرجِّح هذه الرواية أيضًا أن هشام المشيشي لم يخرج إلى العلن، لأنه جرى تعنيفه بقوة في وجهه، بحسب عدة مصادر، منذ يوم الأحد الماضي، أي منذ إعلان قيس سعيّد انقلابه على الدستور وتجميد عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن النوّاب، وإعفاء رئيس الحكومة من منصبه.

 

ومن الجدير بالذكر أن الرئيس التونسي له علاقات كبيرة مع الجانب المصري والإماراتي، إذ زارَ قيس سعيّد مصر واستقبلَ مسؤولين مصريين عدة مرات، كما استقبلَ مسؤولين إماراتيين، ولا يخفي سعيّد إعجابه بالتجربة الانقلابية المصرية.

تجربة الحريري في البال

نفى هشام المشيشي -الذي كان خيار قيس سعيّد لمنصب رئيس الوزراء- أن يكون تعرّض للضرب أو لتهديد بالسلاح في قصر قرطاج، مؤكّدًا أن "الإشاعات لا حدود لها"، لكن كالعادة هذا النفي جاء في تصريح منسوب إلى المشيشي دون أن يرى التونسيون وجهه.

نتذكر جيّدًا يوم 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، عندما استقال سعد الحريري على نحو مفاجئ، وذلك في بيان أذاعه من السعودية، حينها اتهمت عدة أطراف لبنانية السعوديةَ بأنها أرغمت رئيس الوزراء اللبناني على تقديم استقالته دون موافقته، وذلك باستعمال القوة، لكن فيما بعد خرج الحريري لينفي ذلك، مؤكّدًا أنه لم يتعرّض لأي تهديد وأن استقالته طوعية.

يبدو أن التسلُّط والاستبداد قدر العرب، حتى تونس التي كنّا نخال أنها في طريقها نحو الديمقراطية، ها هي تتراجع خطوات كبيرة وينزع رئيسها نحو الاستبداد.

بعد سنتَين من تلك الحادثة، أكّد تقرير أممي أن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري كان قد احتُجز بالسعودية قسرًا في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، وتعرّض للضرب والتعذيب النفسي والمعاملة المهينة.

وجاء في التقرير أن المقرِّرة الخاصة في مجلس حقوق الإنسان، أنييس غالامارد، أُبلغت أن سعود القحطاني (أحد المقرّبين من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان) كان أحد مسؤولَين اثنَين استجوبا وهدّدا الحريري، خلال احتجازه في فندق الريتز كارلتون بالعاصمة الرياض، وذلك لإجباره على الاستقالة.

كما قال محقِّقون في الأمم المتحدة، وفق التقرير، إن الحريري تعرَّض للضرب أثناء احتجازه بالرياض، وأشارت غالامارد إلى أن "أشخاصًا مطّلعين على تفاصيل الحادثة اعتبروا أن الحريري كان ضحية التعذيب النفسي".

حتى حادثة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، نفتها السعودية في البداية وأكّدت ألّا علاقة لها بالموضوع، لكن تبيّن فيما بعد أنها متورِّطة وبدأت في التبرير ومحاسبة الفاعلين على حدّ قولها، رغم أن المسؤول الأول عن الحادثة، أي ولي العهد محمد بن سلمان، ما زال متحكّمًا في البلاد.

هذه الأمثلة تؤكّد أن النفي الصادر عن هشام المشيشي في خصوص تعرّضه للتعذيب، لإجباره على الاستقالة، لا يمكن الجزم بصحته، وتؤكّد مصادرنا أن رئيس الحكومة التونسي المُقال، هشام المشيشي، تمّ استدعاؤه مساء الأحد لحضور اجتماع في قصر الرئاسة بقرطاج قبل أن ينقطع الاتصال به نهائيًّا.

الديمقراطية التونسية في خطر

لا يمكن أن نستغرب أي شيء في تونس الآن، فكل شيء يمكن توقُّعه، فأستاذ القانون الدستوري بالجامعة التونسية، والذي أقسم قبل نحو سنتَين على احترام الدستور والعمل على ضمان استقرار البلاد، انقلب على الدستور في مسعى منه للسيطرة على كل السلطات في البلاد.

قديمًا كان قيس سعيّد يُدرِّس أهمية الفصل بين السلطات وضرورة الحفاظ على دستور البلاد، إلّا إن السلطة والكرسي أغرياه، وكان سعيّد قد جمّد، ليلة الأحد، عملَ البرلمان وسحب الحصانة عن النوّاب وأعفى رئيس الحكومة وعدة وزراء ومسؤولين في الدولة، وتقلّد منصب النائب العام في البلاد.

 

هذا الانقلاب من شأنه أن يعيد تونس سنوات إلى الوراء في حال نجاحه، فخطوات قيس سعيّد لها أن تطيح بالديمقراطية التونسية الوليدة، بعد 10 سنوات من الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، وانطلاق موجة الربيع العربي التي امتدت إلى عدة بلاد عربية.

هذا ما تسعى إليه قوى الثورة المضادة منذ سنوات، وقد لجأت في سبيل تحقيق هدفها إلى أساليب عديدة، وطوّعت شخصيات تونسية كثيرة أغرتها بالمال والمنصب، فالمهمّ عندهم فشل التجربة الديمقراطية التونسية التي كانت كابوسًا عليهم.

خلاصة القول؛ يبدو أن التسلُّط والاستبداد قدر العرب، حتى تونس التي كنّا نخال أنها في طريقها نحو الديمقراطية، ها هي تتراجع خطوات كبيرة وينزع رئيسها نحو الاستبداد والتفرُّد بالسلطة، والاقتداء بنهج بعض القادة العرب الذين برعوا في التسلُّط بعيدًا عن إرادة الشعب.