شملت الإيقافات نواب عُرفوا بمكافحتهم للفساد

شملت الإيقافات نواب عُرفوا بمكافحتهم للفساد

قبل إجراءاته الانقلابية، ما فتئ الرئيس التونسي قيس سعيد يتحدث عن محاربة الفساد متوعدًا الفاسدين بالمحاسبة على ما اقترفوه في حق الشعب، لكن كان يقول حينها إن يديه مقيدة وصلاحياته قليلة وهو ما يبطئ حركته.

لكن ها هو الآن يملك كل الصلاحيات ويتحكم في كل السلطات في تونس بفضل انقلابه على الدستور ومؤسسات البلاد المنتخبة وخيارات فئات كبيرة من الشعب، مع ذلك لم نر شيئًا، فلا إيقافات في صفوف الفاسدين ولا إجراءات استثنائية لتأمين حقوق التونسيين.

الغريب في الأمر أن الإيقافات التي حصلت إلى الآن، مست نواب عن ائتلاف الكرامة المعروف عنهم معارضتهم لإجراءات الرئيس ونائب آخر عُرف عنه سعيه الدؤوب لمحاربة الفساد والتصدي لكل الحكومات والأحزاب، فهل غير سعيد بوصلته من محاربة الفساد إلى محاربة محاربي الفساد؟

قائمة في الإيقافات

ما إن قرر الرئيس قيس سعيد رفع الحصانة عن أعضاء مجلس نواب الشعب، حتى بدأت الإيقافات، والبداية كانت بإيقاف النائب التونسي عن "حركة أمل وعمل" ياسين العياري، بعد أن وصف قرارات الرئيس قيس سعيد بأنها "انقلاب بتخطيط وتنسيق أجنبي"، وأرجع مختار الجماعي، محامي النائب، سبب القبض عليه إلى ما كتبه العياري في صفحته على فيسبوك، قائلًا: "إيقاف موكلي كان من أجل تدويناته وما أبداه من رأي في سلسلة مقالاته الأخيرة".

في مقابل ذلك، قالت وكالة الدولة العامة للقضاء العسكري في تونس، إنه تم إيداع النائب السجن المدني، صباح الجمعة، "تنفيذًا لحكم قضائي بات صادر ضده عن محكمة الاستئناف العسكرية بتاريخ 6 من ديسمبر/كانون الأول 2018"، وأضافت الوكالة أن الحكم تم تأييده بقرار من محكمة التعقيب ويقضي بسجن العياري مدة شهرين اثنين بسبب مشاركته "في عمل يرمي إلى تحطيم معنويات الجيش بقصد الإضرار بالدفاع والمس من كرامة الجيش الوطني ومعنوياته". 

ما شاهدناه إلى الآن لا يوحي بوجود حرب على الفساد، وإنما حرب على محاربي الفساد

عقب ذلك، تم إيقاف النائب في البرلمان التونسي عن "ائتلاف الكرامة"، ماهر زيد، بعدها بسويعات تم إطلاق سراحه لأنه لا يوجد شيء يتابع من أجله، لكن قوة أمنية أخرى مرابطة أمام محكمة منوبة الابتدائية بتونس أعادت اعتقاله مرة أخرى، رغم عدم وجود أي ملاحقة ضده وهو ما يثبته إطلاق سراحه من القضاء.

سلسلة الإيقافات لم تتوقف هنا، إذ اعتقلت قوة أمنية النائب محمد العفاس، وهو الثالث بين النواب، وقالت زوجة العفاس في تسجيل مصور عبر صحفته بموقع فيسبوك، إن القوة الأمنية داهمت المنزل بوحشية، واعتقلت زوجها بطريقة عنيفة، دون إظهار مذكرة قضائية.

 

القائمة تضم أيضًا نائبين آخرين عن ائتلاف الكرامة في علاقة بما يعرف بـ"قضية المطار"، وهم سيف الدين مخلوف وعبد اللطيف العلوي، إذ أذن القضاء العسكري بجلبهم وتم مداهمة منزل العلوي الذي لم يتعاف بعد من إصابته بفيروس كورونا، لكن لم يتمكنوا من إلقاء القبض عليه فقد كان خارج البيت.

تغيير البوصلة

كما قلنا آنفًا، ادعى قيس سعيد محاربة الفساد، ولأجل ذلك، قرر تجميد عمل البرلمان وتعليق حصانة كل النواب وإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي ووزيري الدفاع والعدل والنائب العام في القضاء العسكري جملة من كبار المسؤولين وضيق على الصحفيين وصادر الحق في التعبير.

لكن ما شاهدناه إلى الآن لا يوحي بوجود حرب على الفساد، وإنما حرب على محاربي الفساد، فياسين العياري مثلًا عُرف خلال الدورة النيابية الماضية والحاليّة وحتى قبل أن يكون نائبًا في البرلمان بمكافحته للفساد، إذ دائمًا ما يكشف ملفات كبرى في هذا الشأن، وكان من بينها ملفات فساد تخص وزارة الداخلية.

هذه التصفيات تتم باستعمال القضاء العسكري، بعد عجز الرئيس سعيد عن وضع يده على القضاء المدني ورفض القضاة قراره تنصيب نفسه نائبًا عامًا

فضلًا عن محاربة الفساد وسعيه الدؤوب للإطاحة بكبار الفاسدين، عُرف عن النائب والمدون السابق ياسين العياري الذي اعتُقل الجمعة بخطابه الذي ينتقد الجيش بشدة وقد وصف هذا الأسبوع الصلاحيات الاستثنائية التي تولاها الرئيس بأنها "انقلاب عسكري".

أما نواب كتلة ائتلاف الكرامة الذين تم إيقافهم إلى حد الآن، فقد عُرف عنهم عملهم المتواصل لنصرة المواطنيين وفك الإشكاليات التي يعانون منها في علاقة بالإدارة التونسيين، كما يقود هؤلاء حربًا دون هوادة لمكافحة الفساد المستشري في كل القطاعات بتونس.

وحتى القضية التي يتابعون عليها قضائيًا، تتمثل في الدفاع عن امرأة مُنعت من السفر قبل أشهر بدعوى ارتباطها بجماعات إرهابية، لكن القضاء أثبت أنها بريئة ولا يوجد أي داعٍ لمنعها من السفر أو تعطيل تنقلها.

سعيد في ورطة

قرارات الإيقاف في صفوف هؤلاء النواب وبعض المدونين المعارضين لتحركات الرئيس الأخيرة، وضعت قيس سعيد في ورطة كبيرة، فالعديد من التونسيين مهما كانت رؤيتهم لما حصل في بلادهم - كان انقلابًا أو تصحيح مسار كما يدعي سعيد - كانوا ينتظرون إجراءات تستجيب لتطلعاتهم.

كان هؤلاء ينتظرون إيقافات تمس رموز الفساد في بلادهم، خاصة أن أغلبهم معروفون بالاسم ومعروف محل إقامتهم والرئيس يدعي أن له قائمة في ذلك، لكن لم يحصل هذا، بل العكس حصل فالرئيس استدعى رئيس منظمة الأعراف التي تمثل رجال الأعمال لطمأنته وتأكيد عدم ملاحقته لرجال الأعمال.

 

ليس هذا فحسب، فالرئيس طمأن أيضًا النقابيين الذين يُتهمون بإرباك عمل الدولة وتهديد استقرارها عبر الإضرابات المصنعة وعبر حمايتهم للفساد بحجة التضامن الوظيفي وأيضًا بحجة الدفاع عن المصلحة الوطنية ومؤسسات البلاد العمومية.

طمأن الرئيس قيس سعيد، التجار والصيادلة وأصحاب البنوك وكل القطاعات التي ينخرها الفساد، كما طمأن سفارات الدول الأجنبية التي تحمي الفاسدين وتتعامل معهم، ومع ذلك ما زال يتحدث عن محاربة الفساد، طمأن هؤلاء وتوجه نحو نواب عُرفوا بدفاعهم عن حقوق التونسيين وحربهم ضد الفساد والفاسدين.

 

هذا يعني أن حرب قيس سعيد وحاشيته ليست على الفساد كما يزعم، بل على معارضيه وكل نفس حرة في تونس لها أن تقف كحائط صد منيع أمام تغول سعيد ومساعيه نحو التفرد بالسلطة بمباركة الفاسدين في البلاد الذين لا يهمهم إلا مصالحهم أما مصالح الشعب فالتصريحات تكفي.

هذه التصفيات تتم باستعمال القضاء العسكري، بعد عجز الرئيس سعيد عن وضع يده على القضاء المدني ورفض القضاة قراره تنصيب نفسه نائبًا عامًا في تجاوز للقانون والدستور، فهو يريد أن يكون الحاكم والجلاد والمحقق في نفس الوقت.

يتساءل العديد من التونسيين بعد 8 أيام من قرار رئيس بلادهم الانقلاب على الدستور بحجة الحفاظ على الدولة ومكافحة الفساد، أين رجال الأعمال الفاسدين الذين ستتم محاسبتهم؟ أين النقابيين؟ أين الأمنيين وكبار الموظفين الفاسدين؟ يجيبهم تونسي فهم الحكاية من يومها الأول: كل هؤلاء في قصر قرطاج يقدمون النصيحة والمشورة لسيادة الرئيس.