اللاعب القطري، فارس حسونة، الحاصل على ذهبية أولمبياد طوكيو

بات اسم الرباع القطري، فارس حسونة، مصري الأصل، حديث رواد مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي، بين غمضة عين وانتباهتها، بعد نجاحه في تحقيق أول ميدالية ذهبية في تاريخ مشاركات قطر في الألعاب الأولمبية المقامة في طوكيو حاليًّا.

وسجل حسونة 177 كيلوغرامًا في منافسات الخطف، و225 كيلوغرامًا في منافسات النتر، بوزن إجمالي 402 كيلوغرامات وهو رقم قياسي أوليمبي جديد، لتسلط الأضواء عليه بصورة لافتة بعدما كان في غياهب التجاهل الإعلامي لسنوات عدة، سواء حين كان في مصر أم بعد خروجه منها مع والده للإقامة في الدوحة.

وبينما كان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، يهنئ لاعبه بالتتويج بأول ذهبية في تاريخ الدولة الخليجية، كانت منصات السوشيال ميديا في مصر على موعد مع سجال من نوع آخر، فريق يتهم اللاعب بالخيانة واللعب باسم دولة غير موطنه الأصلي، وآخرون يحمّلون بلادهم المسؤولية الكاملة بعدما باتت طاردة للكفاءات والعقول النابغة.

أعاد تتويج حسونة بالذهب وإهدائه للشعب القطري، الجدل مرة أخرى بشأن ملف هجرة العقول المصرية، وفشل القاهرة في الحفاظ على كوادرها وأبنائها، ودفعها بما تتبناه من سياسات خاطئة لمواهبها للهجرة والبحث عن وطن آخر يحتضن المواهب ويدعم أصحابها ويؤازرهم حتى تحقيق أحلامهم التي ما كان لهم أن يحقوقها في بلدانهم الأم.

من فارس حسونة؟

منذ أن وطئت أقدامه أرض الدوحة مع والده عام 2016 وكان يُتنبأ له بأنه سيكون إضافة قوية للمشاركات القطرية الأولمبية والدولية في ألعاب القوى، لما كان يتميز به من مؤهلات وإمكانات مبشرة تنم عن موهبة واعدة لم تجد من يتبناها وينمي بذرتها.

قبل 5 سنوات تقريبًا أكد الوالد، إبراهيم حسونة، وهو أحد خبراء لعبة رفع الأثقال في مصر ومن كبار نجومها، خلال حديث له مع الاتحاد القطري لرفع الأثقال أن ابنه قادر على تحقيق الميدالية الذهبية في الأولمبياد القادمة، في إشارة إلى أولمبياد طوكيو الحاليّة.

لم يبخل الاتحاد القطري على اللاعب المصري الذي منحه جنسية بلاده بأي مجهودات لتأهيله لمهمته الصعبة، فكان الدعم المادي والمعنوي والفني على أكمل وجه، وفي ظل البيئة الخصبة التي وجد اللاعب الشاب نفسه فيها، كان الإبداع والتفوق ومن ثم كان الذهب ومنصات التتويج.

ولد فارس في مدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية عام 1988، وبدأ مشواره في رفع الأثقال من خلال الالتحاق بنادي 23 يوليو بالمحافظة، متأثرًا بوالده، مثله الأعلى في تلك اللعبة، والسبب الرئيسي وراء عشقه لها، إذ كان نجم المنتخب المصري في اللعبة التي حصل فيها على العديد من الميداليات الذهبية في بطولة إفريقيا، كما قاد تدريب عدد من المنتخبات في رفع الأثقال منهم المنتخب المصري والسعودي والإماراتي.

لم تكن ذهبية طوكيو هي الميدالية الوحيدة للاعب الذي لعب لأول مرة باسم قطر عام 2014، إذ سبقها تتويجات أخرى أبرزها ذهبية بطولة الجائزة الكبرى في قطر، واختياره أفضل رباع في آسيا العام الماضي والميدالية الذهبية في بطولة العالم للشباب عامي 2017 و2018، كما شارك قبلها في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016.

لماذا غادر مصر؟

غادر فارس مصر مكرهًا بعد سوء المعاملة التي تلقاها على أيدي مسؤولي الاتحاد الوطني لرفع الأثقال، الذين كان لهم التأثير الأكبر في الانضمام لوالده في قطر وعرض نفسه على الاتحاد القطري هناك الذي فتح له الباب على مصراعيه بعدما بدا لهم من قدرته على تحقيق ما تعهد به والده في ظل المؤهلات التي يمتلكها اللاعب.

والد حسونة في تصريحات تليفزيونية له شارحًا ملابسات خروجه من مصر قال: "رحلت عن مصر بسبب عدم حاجة المسؤولين لي، فكانوا يعينون المدربين بالمجاملات وليس الكفاءة.. ولم يتم الاستعانة بي، رغم أنني أخرجت لمصر العديد من الأبطال"، مضيفًا "لم يكن أحد يعرف فارس حسونة في مصر قبل أولمبياد طوكيو، لكن الجميع الآن يتحدث عنه وعن نجاحه، وسعيد للغاية برد فعل الجماهير المصرية".

واستكمل "لا أحب أن يتدخل أحد في عملي، وهذا ما يحدث في قطر، وفي كل مكان كنت أعمل به.. لكن في مصر ليست هناك الحرية الكاملة في العمل، وإعداد اللاعب الأوليمبي، وهو أمر يحتاج مجهودًا كبيرًا"، وعن حصول نجله على الجنسية القطرية قال: "وافقت على لعب فارس باسم قطر، لأنه لم يتواصل معنا أي مسؤول في اتحاد رفع الأثقال المصري، كما أن فارس كان يتواجد معي في قطر من أجل دراسته، فوافقت على الفور على طلب الاتحاد القطري، وكنت أتولى تدريبه بشكل شخصي".

واختتم اللاعب والمدرب الوالد: "أنا مصري، وأفتخر بذلك دائمًا، ورحيلي عن بلدي بسبب عدم عملي في اللعبة التي لا أجيد العمل في غيرها.. لم يكن هناك أي تقدير لي من المسؤولين عن رفع الأثقال في مصر، وكان ذلك من المجلس السابق وليس الحاليّ".

بين "الخيانة" والتفوق

ما إن حصل حسونة على الميدالية الذهبية في أولمبياد طوكيو في الـ31 من يوليو/تموز 2021 حتى دخل رواد السوشيال ميديا في سجالات لم تتوقف حتى كتابة هذه السطور، فريق يرفع شعار الاتهام بالخيانة للاعب المصري الذي حصل على جنسية دولة أخرى ليحصد لها الذهب في الوقت الذي تعاني بلاده من فضائح متتالية في الأولمبياد.

وفي المقابل هناك فريق آخر يحمّل فساد المنظومة الرياضية المصرية واستشراء المجاملات والمحسوبية وفقدان العقليات الإدارية الناضجة وتراجع الاهتمام الرسمي من الدولة، مسؤولية هذا الوضع المتدني الذي دفع المواهب إلى الخروج للبحث عن فرص لها خارج بلدانها.

وهناك تيار ثالث يرفع القبعة احترامًا للحكومة القطرية عمومًا، واتحاد رفع الأثقال على وجه الخصوص، الذي كان يتميز بعين ثاقبة قادرة على انتقاء الكوادر المؤهلة لتحقيق البطولات مستقبلًا، رغم أن خبرات اللاعب المصري وتاريخه في بلاده لم يكن مغريًا بالنسبة للقطريين في ذلك الوقت.

الصحفي المصري، فتحي محمد، تعليقًا على هذا السجال، في محاولة منه لفض الاشتباك، قال في مقال له: "يرحل الإنسان عادةً لينجو بنفسه أو بعمله أو بموهبته، وهذا هو بالضبط ما حدث؛ حيث لم يجد حسونة الاهتمام المناسب من الجهة المعنية بالأمر، ولكنه وجده في أرض أخرى؛ أي عقد هنا يلزمه بالبقاء؟".

وتساءل "نحن نحب الوطن لأننا تربّينا على ذلك، ولكن ماذا إذا لم تجد ما تأكله هنا، هل ستبقى؟ ماذا إذا لم تجد من يدافع عنك أمام كل المصائب التي تواجهك، هل ستبقى؟ ماذا إذا لم تجد الاهتمام المناسب وقد وجدته في مكان آخر، هل ستبقى؟"، واختتم مقاله بالتأكيد على "إن كان ثمة خائن هنا فهي الدولة في منظومتها التي أجبرت فردًا يحيا بين ربوعها منذ نعومة أظافره على الرحيل بعيدًا، بحثًا عن عقد جديد يتناسب مع ما يقدمه من خدمات".

مصر.. نزيف العقول المستمر

لم يكن فارس هو اللاعب المصري الوحيد الذي نجح خارج بلاده، فهناك الكثير من النماذج التي قدمت مستويات رائعة في العديد من المجالات في أوروبا والولايات المتحدة، وعلى المستويات كافة، كاشفة وبشكل واضح الفشل المصري في احتواء المواهب الوطنية، حتى تحول البلد الجاذب لكل الحضارات إلى طارد لأبنائه.

تساؤلات عدة زخرت بها كتابات المحللين والساسة والحقوقيين المصرين خلال السنوات الأخيرة على شاكلة: لماذا يتألق المصريون خارج بلادهم، ويبهرون العالم في مجالات كثيرة، بينما هناك إخفاقات بالجملة داخل بلادهم؟! ورغم أن الإجابة تبلغ من الوضوح ما يغنيها عن التوضيح، فإن تكرار الحالات بين الحين والآخر يدفع هذا السؤال الأزلي لأن يطل برأسه كل فترة، على أمل عدم تكراره بنفي إجابته المعروفة سلفًا.

تشير التقديرات إلى أن عدد الأدمغة العربية المهاجرة بلغت حتى عام 2013 قرابة 30 مليون عربي، معظمهم من مصر والمغرب، بجانب مليون خبير عربي مختصّ من حملة الشهادات العُليا والفنيين المهرة، يعملون في الدول المتقدمة، يحققون معظم نجاحات تلك الدول.

الجامعة العربية في إحدى دراساتها كشفت أن "54% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج، لا يعودون إلى بلدانهم الأصلية، فيما يمثل الأطباء العرب 34% من إجمالي عدد الأطباء في المملكة المتّحدة" وأضافت "الوطن العربي يُسهم بنحو 31% من الكفاءات والعقول المهاجرة من الدول النامية، كما أن نحو 50% من الأطباء و23% من المهندسين و15% من العلماء من مجموع الكفاءات العربية، يهاجرون إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا".

ويدفع العرب عمومًا والمصريون على وجه التحديد ثمنًا كبيرًا جراء استنزاف الكفاءات، إذ يشير تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية في الوطن العربي للعام 2002 أن الخسائر التي مُنيت بها البلدان العربية جراء هجرة الأدمغة العربية في عقد السبعينيات فقط بلغت 11 مليار دولار، فيما يقدر الخبراء تلك الأضرار اليوم بأكثر من 200 مليار دولار.‏

ورغم تعدد أسباب هجرة العقول المصرية للخارج، فإن الواقع المادي المتدني وغياب التقدير الأدبي وتفشي الفساد وندرة التخطيط وسوء الإدارة وفوضوية فقه الأولويات وتغليب المصالح الفردية على المصلحة الوطنية على رأس الدوافع وراء موجات الهجرة المتتالية خلال العقود الماضية.

وفي المحصلة.. كما أن فارس حسونة ليس الحالة الوحيدة التي يتحسر عليها المصريون، فإنها كذلك لن تكون الأخيرة، في ظل الإبقاء على ذات السياسات وبنفس العقلية، لتواصل الدولة المصرية نزيفها المستمر لواحد من أهم مواردها الاقتصادية والعلمية الذي كان من الممكن أن ينقل البلاد إلى آفاق أخرى حال تم استثماره بالشكل الصحيح.