يرى سعيد أن عهد الأحزاب انتهى

يرى سعيد أن عهد الأحزاب انتهى

فاجأت إجراءات الرئيس التونسي قيس سعيّد الانقلابية ليلة الأحد 25 يوليو/ تموز الماضي، الكثير من أوساط المتابعين، لكن بالعودة قليلًا إلى حملته الانتخابية أو "حملته التفسيرية" كما كان يُطلق عليها، ندرك أن سعيّد لم يطبِّق إلا ما قاله سابقًا، فهذه القرارات الانقلابية لا علاقة لها بوضع البلاد المتأزِّم، وإنما برنامج مخطَّط له منذ البداية وسبق أن أشرنا إليه في "نون بوست".

ضد البرلمان

كان تجميد عمل البرلمان أول قرار أقدم عليه قيس سعيّد في تحركاته الانقلابية. هذا القرار ليس اعتباطيًّا، فالرئيس سعيّد أكّدَ في حملته الانتخابية أنه ضدّ الانتخابات التشريعية والبرلمان بمنظوره الحالي، وسيعمل على إلغائه، وذلك في المقابلة المنشورة في جريدة "الشارع المغاربي" بتاريخ 12 يوليو/تموز 2019.

إذ تعتمد رؤيته على أن يكون البناء قاعديًّا ينطلق من المحلي نحو المركز، فهو يقترح إنشاء مجالس محلية في كل معتمدية وعددها 265، بحساب نائب في كل معتمدية، ويتمّ الاقتراع بالأغلبية على الأفراد ولا يتمّ قبول الترشُّح من قِبل الهيئة المعنية إلا بعد تزكية المترشِّح من قِبل عدد من الناخبين والناخبات مناصفة، حتى يكون مسؤولًا أمامهم.

يتكوّن المجلس المحلي وفق سعيّد مثلًا من 10 أعضاء إلى جانب الأعضاء المنتخَبين، يضمّ تمثيلية لبعض الفئات، بعد ذلك يتم الاختيار بالقرعة على من سيتولى تمثيل المجلس المحلي في المستوى الجهوي، وبالتالي إن التصعيد يتمّ من المجالس المحلية إلى الجهوية ثم إلى البرلمان الذي سيتكون من 265 عضوًا، أما بالنسبة إلى الخارج فيتم الاقتراع على ما يُسمّى بالقائمات المفتوحة.

إلى جانب تهميش البرلمان، تقوم خطة قيس سعيّد أيضًا على ضرب الأحزاب السياسية.

بمعنى أن فكرة سعيّد تتمثل في وجود انتخابات محلية فقط، تُنتخب منها مجالس محلية، وبالاقتراع يتم تشكيل مجلس جهوي ويتم اختيار نواب البرلمان من المجالس المحلية، وهكذا ستكون الانتخابات من المحلي للمركز.

 

لأجل ذلك، سكت قيس سعيّد عن عمليات ترذيل البرلمان الممنهجة التي أقدمت عليها كتلة الحزب الدستوري الحر، واكتفى ببعض التصريحات المندِّدة بعمل البرلمان، كما حرص على الخروج للشارع والالتقاء بشباب مناهضين للبرلمان، ففي كلّ تجمّع يحضر فيه الرئيس نسمع شعارات تدعو لحلّ البرلمان.

وقد استغلَّ سعيّد فشل الأحزاب في إدارة العملية السياسية وتواصُل الأزمة داخل مجلس نواب الشعب، ما جعله أقرب إلى حلبة الصراع منه إلى مؤسسة سياسية سيادية وطنية، والصورة السيّئة التي روِّجت للعمل البرلماني داخل تونس وخارجها، حتى ينفّذ مخططه.

ضرب الأحزاب

إلى جانب تهميش البرلمان، تقوم خطة قيس سعيّد أيضًا على ضرب الأحزاب السياسية، فهو يرى أن عهد الأحزاب مرحلة وانتهت في التاريخ، ويرى أن الأحزاب التونسية عاجزة عن قيادة المرحلة التي تمرّ بها البلاد، وسبق أن قال سعيّد: "عشتُ مستقلًّا وسأبقى مستقلًّا وسأوارى الثرى مستقلًّا لوحدي".

 

وأقام قيس سعيّد خطابه منذ البداية على نقيض من المنظومة الحزبية، حيث وضّح وبيّن في أكثر من مرة أنه لا يؤمن بها كأداة للفعل السياسي، وأنه يسعى للقضاء عليها، حتى يستفرد بالحكم بحجّة أن الشعب له أن يحكم مباشرة دون واسطة.

وذلك ما يفسِّر تنكّره للأحزاب السياسية الفائزة في البرلمان وتعيينه رئيس حكومة خارجها، ورفض حتى استقبال ممثلين عنها لتقديم مقترحاتهم لرئاسة الحكومة، وكان ذلك في مرّتَين.

أحسن قيس سعيّد استغلال فشل النهضة في تشكيل الحكومة في المرة الأولى طيلة شهرَين، وإسقاط حكومة الفخفاخ من طرف مكوِّناتها الحزبية، لينقضَّ على الفرصة ويأتي بوزير أول يفرض عليه تشكيل حكومة دون أحزاب، وفاءً لبرنامجه وإمعانًا في إذلال الأحزاب السياسية حتى التي ساندته مساندة مطلقة.

أحسن قيس سعيّد استغلال فشل الأحزاب في تلبية انتظارات التونسيين، لينقضّ على ديمقراطية بلاده الناشئة.

حتى الحكومة التي شكّلها هشام المشيشي فُرض عليه أن تكون بعيدة عن الأحزاب، مستبعدًا دور الأحزاب فيها، حتى التي فازت بأغلبية مقاعد البرلمان، وذلك سعيًا من قيس سعيّد لترذيل العمل الحزبي في البلاد.

إلى جانب ذلك، أغلق سعيّد قصر قرطاج على الأحزاب إلّا تلك التي تدعمه بقوة، وهو ما يؤكّد نهجه الصدامي مع أغلب الطبقة السياسية، معوِّلًا في ذلك على خوف البعض من حلّ مجلس النواب واجتنابهم إعادة الانتخابات التشريعية، نظرًا إلى أفول نجمهم وتقهقر سمعتهم.

ما رؤيته للمجتمع المدني؟

حتى جمعيات المجتمع المدني لم تسلم منه، فقد سبق أن أكّد قيس سعيّد أنه سيحارب دعم الجمعيات سواء من الداخل أو الخارج، ما يعني أنه يريد تعطيل مؤسسات المجتمع المدني الضرورية لأية ديمقراطية، وهو ما يفسِّر عدم استقباله لممثّلي الجمعيات منذ تسلّمه السلطة.

جماهيرية بدل الديمقراطية

نفهم من هنا أن برنامج الرئيس التونسي قيس سعيّد شبيه بنظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، أي أنه يقوم على الجماهيرية بدل الديمقراطية، فبرنامج سعيّد معلوم الملامح منذ البداية لكن تمَّ غضّ النظر عنه، وهو غير ديمقراطي، هدفه نسف الساحة السياسية وتقويض تامّ للانتقال الديمقراطي الذي تعرفه البلاد منذ يناير/ كانون الثاني 2011، وما تبقّى من ملامح الثورة.

وظهر جليًّا منذ البداية مراهنة قيس سعيّد على غياب المحكمة الدستورية، للمضي قدمًا في تركيز اللبنة الأولى لمشروع مجهول قاد ليبيا إلى أتون الحرب الأهلية وتفكيك أُسُس ومقوِّمات الدولة، وهو ما يفسّر عرقلته لإنشاء هذه المحكمة.

 

فكما أسلفنا، يطرح سعيّد فكرة إعطاء دور محوري للمناطق أو الجهات وإعادة توزيع السلطة على المناطق المحلية، وهذا عبر تعديل الدستور وانتخاب مجالس جهوية، وهذه الأخيرة تعيِّن بدورها "ممثّلين لها" من أجل أن تصل إرادة الشعب للسلطة المركزية، أي أننا أمام "اللجان الشعبية".

أحسن قيس سعيّد استغلال فشل الأحزاب في تلبية انتظارات التونسيين، لينقضّ على ديمقراطية بلاده الناشئة، فقد بدأ بترذيل الأحزاب والجمعيات وأغلب الفاعلين السياسيين وأوّل الدستور وفق هواه، وعطّل مؤسسات الدولة، وها هو الآن يجمّد البرلمان وينقضّ على كلّ السلطات في البلاد تمهيدًا لفرض توجُّهه على الجميع.