بمجرد أن أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد اتخاذه إجراءات استثنائية بناءً على الفصل 80 من الدستور، لم تتأخر النخبة التونسية بمختلف أطيافها ومواقعها في رفضها المطلق للخطوة الانفرادية أحادية التأويل، في ردة فعلٍ عكست يقظةً ووعيًا من مختلف الفاعلين السياسيين والأكاديميين والخبراء والنشطاء الذين دعوا إلى تسريع العودة للمسار الدستوري.

وبالتالي فإن عمال يقظة النخبة ليس الخروج عن بيت الطاعة لمجرد الخروج بقدرما هو تحرك في الوقت المناسب والتنبيه من خطورة وتداعيات سياسات تضر بالمصلحة العليا للدولة بمنأى عن المصالح الفردية والفئوية.

خبراء بالمرصاد

بناءً على المثل التونسي "صاحب صنعتك عدوك"، من سوء حظ الموالين للانقلاب أن أول من عارض قيس سعيد في خطوته هم الخبراء والمختصون في مجال القانون والدستور بالنظر إلى كون سعيد نفسه يقاسمهم نفس التخصص.

هذا العامل ساعد بدرجة كبيرة في إحباط محاولة التفسير الأحادية ولي عنق النص الدستوري خاصة مع ظهور أولي للخبير الدستوري عياض بن عاشور الذي أطلق رصاصة الرحمة على السند الذي توخاه رئيس الجمهورية لتجميد عمل مؤسسات الدولة واحتكار جميع السلطات بيده.

 

 

ودحض الخبير كل التعلات التي اتخذها سعيد لتجميد البرلمان في مخالفة للنص الدستوري وهو لا يعني حله كما لا يعني إنهاء انعقاد البرلمان خلال مدة الشهر وهما خرقان للدستور ارتكبهما الرئيس.

والأخطر من عملية قيس سعيد الانقلابية يوم عيد الجمهورية هو ما اعتبره الخبير بن عاشور عملية غير فجائية، بل ضمن خطة تم الإعداد لها مع سابق الإضمار والترصد، وأن ما تسرب من معلومات منذ أشهر خير دليل على مشروع معد سلفًا للإطاحة بالدستور والاعتماد عليه في نفس الوقت. 

ذلك التخوف امتد إلى شخصيات أخرى مختصة في القانون أبدت خشيتها على مستقبل البلاد الذي بات يسوده الغموض في ظل احتكار الرئيس لجميع السلطات بيده، وقد عبر عن ذلك الخبير الدستوري جوهر بن مبارك الذي سبق أن أشار منذ أشهر إلى خطورة انقضاض قيس سعيد على دولة القانون ومؤسساتها وذلك باحتكاره تأويل الدستور مع غياب المحكمة الدستورية التي ساهم في عدم قيامها بعد رفضه المصادقة عليها رغم التعديلات التي أجراها البرلمان على مشروع القانون.

 

جوهر بن مبارك: قيس سعيد يريد احتكار كامل السلط وتجميعها بين يديه وهذا خطر كبير

تم النشر بواسطة ‏‎Diwan FM‎‏ في الاثنين، ١٩ أبريل ٢٠٢١

 

كل تلك المغامرة السياسية التي يقودها رئيس الجمهورية باتت مرفوضة، فحتى الخبير الدستوري رابح الخرايفي الذي أصبح يدعم سعيد كان في السابق يحذر من توجهات الرئيس نحو تغيير الدستور وما تحمله في طياتها من انزلاقات كارثية قد تؤدي بالبلاد إلى حالة من الفوضى خاصة مع حالة الانقسام التي قد تذكي الصراع.

وبناءً على ما سبق فإن حالة الانسداد والغموض الحاليّ بعد الانقلاب الدستوري الذي لا تزال البلاد تعاني من مخلفاته، قد تؤدي إلى مزيد من تأزيم الأوضاع واحتقان المواطنين مع ضيق الأفق السياسي والاكتفاء بتسيير شؤون البلاد من خلال المراسيم الرئاسية حتى باتت السياسة الاتصالية لرئاسة الجمهورية، مصدر المعلومة الصحفية لوسائل الإعلام ووكالات الأنباء داخل البلاد وخارجها، مقتصرة فقط على صفحة رسمية للرئاسة في تطور غير مسبوق منذ سنوات.

معارضة فاعلة

تعالت الأصوات المنددة بالإجراءات المتخذة ليس من نواب البرلمان المجمد فقط، بل حتى من أحزاب ليس لها حضور داخل المجلس النيابي ومن شخصيات سياسية مستقلة ومحامين ووزراء سابقين وقضاة، ما يعكس حجم الخوف من الانتكاسة التي أقدم عليها الرئيس الذي لم يبق في صفه إلا القليل، وبالتالي لم تحظ قرارات قيس سعيد بمساندة مختلف الحساسيات.

ذلك الامتعاض جعل عدة أحزاب وشخصيات متنافرة تجتمع لأول مرة وتلتقي منذ الثورة وتتشابه مواقفها وبيناتها على غرار ما كان يجمعها خلال فترة الاستبداد زمن الرئيس المخلوع زين العبدين بن علي، فقد كانت جبهة 18 أكتوبر تجمع ألوان الطيف الشيوعي اليساري واليميني الإسلامي تحت خيمة واحدة ضد الاستبداد ومع قيام نظام ديمقراطي و"برلمان تونسي حر لا بد منه" كما طالب جيل التونسيين الأوائل خلال الاستعمار الفرنسي.

ثم تكرر ذات المشهد في ثورة الحرية والكرامة قبل عشر سنوات للمطالبة ببرلمان تعددي يعكس واقع التونسيين في المجلس التأسيسي الذي أسس لدستور 2014، فكان من أحسن الدساتير بشهادة العديد من زعماء العالم الذين حضورا حفل ختمه خلال جلسة برلمانية ممتازة وتاريخية.

ليس هذا فحسب، بل إن أحزابًا وشخصيات مثل حمة الهمامي زعيم الحزب الشيوعي سنوات الجمر دعا صراحة إلى عزل قيس سعيد لأنه مشروع ديكتاتور يريد الحكم المطلق عبر ضرب حركة النهضة، وسبق لحزب العمال أن انتقد بشدة رغبات قيس سعيد في العودة بتونس إلى دستور الاستقلال محذرًا من رجوع زمن القمع والتسلط من خلال النظام "الرئاسوي" الذي يطمح سعيد لتفيعله.

كما أن أحزابًا استشعرت خطورة الفترة فأصدرت بيانات مشتركة في خطوة نادرة للتحذير من الخطوة الانقلابية وضرورة مواجهتها بشكل جماعي، بالتعبير عن رفضها المطلق للانقلاب الذي شبهوه بانقلاب المخلوع بن علي في الـ7 من نوفمبر/تشرين الثاني 1987 وبانقلاب السيسي في مصر على شرعية أول رئيس عربي ومصري منتخب ديمقراطيًا، ما يتطلب التمسك بمكتسبات الثورة بعيدًا عن دعوات العنف.

رقابة المجتمع

نادت بكل عفوية مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات ومنظمات وطنية للتحرك في بيانات وتصريحات للإعلان بوضوح عن خطورة ما أقدمت عليه مؤسسة الرئاسة من إقصاء لبقية مؤسسات الدولة والاعتداء على رموز سيادتها مثل مؤسسة البرلمان ورئاسة الحكومة والنيابة العامة في خرق لاستقلالية السلطات والقضاء.

كما دعت نقابات ومنظمات إلى ضبط خطة وبصفة تشاركية مع قوى مدنية لتكوين لجنة عمل لمراقبة تطورات الوضع ورصد الانتهاكات التي تهدد الحقوق والحريات والعدالة وكرامة المواطن.

هنا لا بد من التشديد والتأكيد على دور المجتمع المدني المستقل كأحد أهم عوامل نجاح الديمقراطية وكمحدد لمدنية الدولة، أو على الأقل الدعوة إلى إنهاء تفعيل الإجراءات الاستثنائية في مدتها أو إعداد برنامج وخطة عمل واضحة بعيدًا عن الغموض والغرف المظلمة، إضافة إلى تقريب الرؤى لحل الأزمة والحفاظ على مكتسبات ثورة.

وقد وقفت عدة جمعيات حقوقية ونقابية وهيئات منها ما تأسس قبل الثورة ومنها ما هو نتاج ثورة 2011 مثل المجلس الأعلى للقضاء وتقاطعت دعواتهم مع بعضها بشأن تجاوز رئيس الدولة للشرعية القانونية والدستورية، داعين إلى رفض الهيمنة على السلطات وتقزيم دور استقلالية القضاء.

بينما ظهرت دعوات افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي للتظاهر ضد تجميد المسار الدستوري ورجوع عمل البرلمان وهو ما اقتصر على مواقع التواصل بعد صدور أمر رئاسي يمنع كل تجمع يفوق ثلاثة أشخاص بالطريق والساحات العامة.

وبالتالي فإن القرار المستقبلي يظل بأيدي النخب بما يدفع نحو إصلاح بنية الدولة بحيث تصبح السلطة انعكاسًا لإرادة المجتمع، وهذا أحد تراكمات الثورة الشعبية بعد عقد من الزمن.

حرية الرأي

بفضل مساحة الحرية الواسعة التي اكتسبها الإعلاميون والمدونون بكل انتماءاتهم وشرائحهم العمرية ومشاربهم الفكرية منذ عشر سنوات على ثورة الحرية، أبدى ناشطو قطاع الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي رفضًا قاطعًا للعودة إلى حظيرة القمع والاستبداد والرقابة وهرسلة الآراء وهو المكسب الوحيد الذي طالما افتخروا به وأبدوا عدم الاستعداد للتضحية به أو التنازل عنه.

فظهرت وسوم ومشاركات تحت عنوان حرية التعبير خط أحمر، ولا للعودة إلى تدجين الإعلام، إلى غير ذلك من انتقادات لمساعي تكميم الأفواه.

 

 

وإجمالًا عكس موقف النخبة التونسية في معظمها موافقتها لرئيس الجمهورية فيما يخص موضوع مقاومة الفساد وهو أيضًا أمر لا يستحق اللجوء إلى إجراءات استثنائية أو أن يكون بصفة انتقائية وبتصفية حسابات مع الخصوم السياسيين، ولا عن طريق انقلاب دستوري دون أفق واضح ومعلن.