أصدرت محكمة سعودية، أمس الأحد 8 من أغسطس/آب 2021، أحكامًا قضائية بالسجن بحق 69 فلسطينيًا وأردنيًا وسعوديًا، معتقلين منذ أكثر من عامين بتهم دعم المقاومة الفلسطينية، من بينهم الممثل السابق لحركة حماس لدى المملكة، محمد الخضري، الذي حُكم عليه بالحبس 15 عامًا، بحسب تصريحات رئيس لجنة المعتقلين الأردنيين في السعودية، خضر مشايخ، لـ"الأناضول".

وتتراوح الأحكام - بحسب مشايخ - بين 6 أشهر و22 عامًا، فيما صدر حكم بالبراءة على بعض منهم، إذ حددت الرياض الأسبوع الحاليّ موعدًا للنطق بالحكم في تلك القضية، بعد تأجليها أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، فيما تزامن هذا الحكم مع زيارة أجراها وزير خارجية الرياض لعمان، التقى خلالها الملك عبد الله الثاني.

يشار إلى أن السلطات السعودية أوقفت في فبراير/شباط 2019 أكثر من 60 شخصًا (بينهم ممثل حركة حماس بالمملكة و10 سعوديين)، بتهمة تقديم الدعم المالي للمقاومة الفلسطينية، ورغم نفي الموقوفين لتلك التهمة، فإن الجانب السعودي رفض الإفراج عنهم على مدار عامين كاملين قبل النطق بالحكم.

وكانت المحكمة السعودية قد أجلت في 21 من يونيو/حزيران الماضي، جلسة النطق بالحكم إلى 3 من أكتوبر/تشرين الأول، وهو التأجيل الثاني بعد أن سبق وأجلتها في فبراير/شباط 2021، فيما لم يصدر عن الرياض أي رد فعل أو تعقيب على هذا الحكم الصادم للشارع الفلسطيني والعربي على حد سواء.

وفي الـ4 من أغسطس/آب الحاليّ ناشد رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية الجانب السعودي بالإفراج عن المعتقلين، لافتًا في تعليق له أن "الحركة تتطلع لقرار قضائي وإرادة ملكية سعودية، بإغلاق ملف المعتقلين الفلسطينيين بالمملكة وإنهائه"، مضيفًا "تطلع الحركة نابع من المواقف التاريخية للمملكة ولخادم الحرمين في دعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة".

القرار الذي يتزامن مع الهرولة العربية، لا سيما الخليجية، للتطبيع مع الجانب الإسرائيلي، ومخطط خنق المقاومة وتجفيف منابعها، أثار الكثير من الجدل بشأن ما يحمله من دلالات ورسائل، للداخل والخارج على حد سواء، الأمر الذي يعزز من شكوك البعض بشأن تقديم المملكة القضية الفلسطينية قربانًا لدولة الاحتلال، لدعم النظام السياسي الجديد بها، الذي لا يتوانى عن الإطاحة بالمرتكزات الوطنية والتاريخية للسعودية من أجل ترسيخ أركان حكم الأمير الشاب.

إدانة فلسطينية

أعربت الفصائل الفلسطينية عن صدمتها من الأحكام التي وصفتها بـ"الجائرة" بحق الموقوفين لدى المملكة بدعوى دعم المقاومة، فأوضحت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في بيان لها أن "هؤلاء الأخوة لم يقترفوا ما يستوجب هذه الأحكام القاسية وغير المبررة، فضلًا عن المحاكمة، فكل ما فعلوه هو نصرة قضيتهم وشعبهم الذي ينتمون إليه، دون أي إساءة للمملكة وشعبها"، معبرة في ذات الوقت عن ترحيبها "بأحكام البراءة التي صدرت بحق بعض الأخوة"، داعية "القيادة السعودية إلى سرعة الإفراج عنهم وإنهاء معاناتهم ومعاناة عائلاتهم التي مضى عليها ما يزيد على السنتين".

أما حركة الجهاد الإسلامي فوصفت تلك الأحكام بـ"الظالمة والجائرة التي طالت عددًا من المواطنين الفلسطينيين المقيمين في السعودية، بتهم دعم صمود شعبنا في الأرض المحتلة"، منوهة في بيانها أنها غير مبررة "ولا تتفق وشريعة الإسلام وقيم العروبة في الدفاع عن المسجد الأقصى وشعبنا المظلوم الرازح تحت الاحتلال الصهيوني".

 

اعتبر البعض أن القضايا التي عوقب بسببها الموقوفون "لا تخالف القانون ولا تمسّ أمن المملكة، بل يتشرف بحملها كل حرّ في الأمة"

الرأي ذاته ذهبت إليه حركة الأحرار الفلسطينية، التي رأت تلك الأحكام "سياسية وغير قانونية، وهي وصمة عار على جبين نظامها الذي يلعب دورًا تآمريًا على شعبنا وقضيته خدمة للاحتلال"، مضيفة في بيان لها أن "المعتقلين لم يرتكبوا أي جناية أو جرم بحق السعودية، وهذه الأحكام التي وصلت لدرجة الفجور، هدفها إرضاء الكيان الصهيوني وتشويه صورة نضال شعبنا ومقاومته".

ولفتت الحركة إلى أن "النظام السعودي ارتكب خطيئة سياسية ستسجل في صفحات تاريخه البائس، باعتقاله لأبناء شعبنا دون تهمة أو مخالفة ثم إصدار الأحكام الجائرة بحقهم بهذه الطريقة المخالفة لكل الأعراف والقوانين، وإن عليه التراجع عن هذه الجريمة النكراء وإطلاق سراح المعتقلين فورًا خاصة في ظِل الحالة الصحية المتردية لعدد منهم، فليس منطقيًا أن يعتقل ويحاكم الفلسطيني بتهم باطلة في الدول العربية لا سيما في بلاد الحرمين".

وقفة لأهالي معتقلي السعودية
وقفات لأهالي المعتقلين الفلسطينيين في المملكة لمناشدة العاهل السعودي بالإفراج عنهم

أحكام مسيسة تفتقد للعدالة

انتقادات حقوقية قوبلت بها أحكام الأمس التي وصفت بـ"المسيسة" كما أشارت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا التي اعتبرت قرار الحبس بتهمة دعم الشعب الفلسطيني "أتي بعد محاكمة شكلية لم تتحل بالحد الأدنى من معايير العدالة".

وألمحت المنظمة الحقوقية في بيانها المنشور على موقعها الإلكتروني إلى أن "الأحكام التي أصدرها القضاء السعودي لا تصب إلا في اتجاه دعم الحصار المشدد على الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته"، مشددة على أن المحاكمات التي جرت بحقهم غير مبنية على أي أساس قانوني، لا سيما أنّ كل المعتقلين كانوا مقيمين في السعودية بشكل شرعي وبتصريحات إقامة سارية، ولم يسجل على أي منهم ارتكاب أي مخالفة أو خرق للقانون السعودي.

وأضاف البيان "من الغريب إصرار المملكة العربية السعودية على إصدار تلك الأحكام الجائرة بحق المعتقلين الفلسطينيين الذين منهم من يحملون الجنسية الأردنية، ومنهم كبار في السن ومرضى مثل الدكتور محمد الخضري الذي تجاوز الثمانين من عمره ويعاني من أمراض خطيرة".

ودعت المنظمة القوى المدنية والنشطاء والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان تشكيل رأي عام رافض لتلك الأحكام، والضغط على المملكة العربية السعودية للإفراج عن كل الفلسطينيين المعتقلين لديها خاصة في ظل الظروف الحرجة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، فمن غير المقبول أن يستمر اعتقال عدد من النشطاء الفلسطينيين بتهم تقديم الدعم للأيتام والفقراء في فلسطين.. بحسب نص البيان.

 

قد يكون هذا الحكم مقبولًا لو صدر عن محكمة إسرائيلية، لكن أن يصدر عن محكمة سعودية فهذا إجراء يحمل الكثير من الدلالات الصادمة للبعض والمتوقعة للبعض الآخر

لم يرتكبوا جرمًا

التلويح بـ"دعم المقاومة الفلسطينية" كاتهام رئيسي في الحكم الصادر بحق الموقوفين، كما أنه أثار سخرية البعض كون ذلك فخرًا وليس اتهامًا، إلا أنه مثل صدمة لآخرين، لما يحمله من دلالات يراها البعض ضربًا بمرتكزات الدولة السعودية التاريخية عرض الحائط.

عدد من النشطاء أكدوا أن المتهمين لم يرتكبوا جرمًا يعاقبون عليه بالسجن، لافتين إلى أنهم حصلوا على ضوء أخضر من الإدارة السعودية السابقة، إبان عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، حين كان دعم المقاومة يتم على مرأى ومسمع، ومن ثم كان التحرك يتم في إطار سياسة المملكة الداعمة للقضية الفلسطينية.

أنصار هذا الرأي يميلون إلى أن تغيير نظام الحكم في المملكة وما استتبعه من تبدل للمواقف بشأن القضية الفلسطينية ليس ذنب المحكوم عليهم بالسجن، ومن ثم كان إبعادهم أو ترحيلهم عن البلاد أسلم لهم من الإصرار على بقائهم في السجن ثم الحكم عليهم طيلة تلك الأعوام.

آخرون أشاروا إلى أن "كل من يعرف هؤلاء الرجال الذين حُكم عليهم بالسجن يعلمون علم اليقين أن أحدًا منهم لا يمكن أن يفكّر بالمساس بأمن السعودية، أو تجاوز قوانينها، أو التحايل في العلاقة معها، فأكثرهم وُلد فيها، وتخلّق بتقاليدها، وأحبّ شعبها وترابها، وعلم يقينًا أن هذه الأرض مددٌ لفلسطين كانت وستبقى".

فيما اعتبر البعض أن القضايا التي عوقب بسببها الموقوفون "لا تخالف القانون ولا تمسّ أمن المملكة، بل يتشرف بحملها كل حرّ في الأمة" لافتين إلى أن السعودية كأنها "تريد قطع كل صلة شرف لها بقضية فلسطين، فحتى الشعارات ما عاد ممكنًا لها إطلاقها بادعاء دعم القضية".

القطيعة مع القضية الفلسطينية شعبيًا

القرار في هذا التوقيت مثير للغط والجدل حتى إن كان بغير قصد، فالاستناد إلى دعم المقاومة كتهمة يعاقب صاحبها بالحبس مدد تصل إلى 22 عامًا، أمر مستفز للبعض، فهذا الاتهام غير موجود إلا داخل دولة الاحتلال فقط، ولم يصادف أي حكم آخر في أي دولة كانت غير "إسرائيل" أن استندت إلى هذا الاتهام كمبرر لمثل تلك الأحكام الجائرة.

المملكة بمثل تلك الأحكام تقطع شعرة معاوية مع القضية الفلسطينية، على الأقل شعبيًا، لا سيما أن هذا القرار يتزامن مع فضيحة إصرار خوض لاعبة الجودو السعودية، تهاني القحطاني، مباراتها في أولمبياد طوكيو أمام نظيرتها الإسرائيلية رغم الانتقادات التي تعرضت لها، خاصة بعد انسحاب لاعبي الجزائر والسودان من البطولة برمتها رفضًا لمواجهة لاعب إسرائيلي، نصرة للقضية الفلسطينية.

الغريب أنه وفي ظل حالة الرفض الشعبي العربي لقرار اللاعبة السعودية التي خسرت بفضيحة (11- صفر) انبرت شريحة كبيرة من الشارع السعودي للدفاع عن اللاعبة، وهو الموقف المتناغم مع الخطاب الإسرائيلي، فقد أشاد موقع "إسرائيل بالعربي" على تويتر باللاعبة التي وصفها بـ"الشجاعة" التي كسبت احترام الجميع، على حد قولهم.

التخندق مع الإسرائيليين

قد يكون هذا الحكم مقبولًا لو صدر عن محكمة إسرائيلية، لكن أن يصدر عن محكمة سعودية فهذا إجراء يحمل الكثير من الدلالات الصادمة للبعض والمتوقعة للبعض الآخر، لعل أبرزها التأكيد على العلاقات القوية مع تل أبيب، وكان السعوديون يريدون التلميح للإسرائيليين بأننا معكم في خندق واحد، مناهضة المقاومة وتجفيف منابعها.

مثل تلك الأحكام تبعث رسالة تحذير للداخل السعودي من أي تحركات من شأنها دعم المقاومة الفلسطينية، وإلا سيكون الحبس هو رد الفعل المناسب وحجم هذا الجرم الكبير، وهي الرسالة التي يتخوف البعض من تداعياتها على الشارع السعودي الذي ما زال يحتفظ جزء كبير منه ببعض الثوابت الوطنية القديمة وعلى رأسها دعم الأشقاء الفلسطينيين.

تتفق الأجندة السعودية مع الإسرائيلية في استهداف المقاومة وتقليم أظافرها، إما بتشديد الحصار وإما إرغامها على تقديم تنازلات، وهو ما بات أمرًا يقينًا غير قابل للشك في ظل الممارسات والتحركات السعودية الأخيرة داخل المشهد الفلسطيني، التي تتطابق بشكل أو بآخر مع التحركات الإماراتية والأمريكية.

 

سقطة جديدة للدولة صاحبة الدعم المالي والسياسي الأبرز للقضية الفلسطينية طيلة عقود طويلة، ربما تقطع شعرة معاوية التي سعت للحفاظ عليها حتى مع الفصائل المختلفة معها سياسيًا

ربما لا تفصح الرياض عن نيتها التطبيع الكامل مع تل أبيب، أسوة بالقطيع المطبع رسميًا، وربما انتاب هذا التوجه بعض الفتور مؤخرًا في ظل المستجدات الأخيرة، لكن تبقى العلاقات القوية التي تجمع بين نظامي الحكم في البلدين خلال السنوات الأخيرة هي المظلة التي تجمع البلدين، رسميًا وشعبيًا.

مثل تلك التحركات (ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها المملكة المقاومة الفلسطينية) تضع السعودية في موقف حرج على المستوى الشعبي، ومهما بلغ الجيش الإعلامي واللجان من قدرات لتبرير غير ذلك فإنها لن تنجح، وهو ما تجسده ردود الفعل على منصات التواصل الاجتماعي التي جاءت في معظمها اتهامات لسلطات المملكة بخدمة الأجندة الصهيونية على حساب المقاومة.

القضاء السعودي هو الآخر بات في مرمى الاستهداف، فالمنظومة التي تعرضت لانتقادات حادة بسبب تبرئة المتورطين في قتل المعارض جمال خاشقجي المغدور به داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، أكتوبر/تشرين الأول 2018، بات اليوم في وضعية أكثر حرجًا، حين جعل دعم المقاومة الفلسطينية تهمةً يعاقب صاحبها بالحبس.

سقطة جديدة للدولة صاحبة الدعم المالي والسياسي الأبرز للقضية الفلسطينية طيلة عقود طويلة، ربما تقطع شعرة معاوية التي سعت للحفاظ عليها حتى مع الفصائل المختلفة معها سياسيًا، وسط مطالب بإعادة المحاكمة لإعادة النظر في تلك الأحكام الجائرة لا سيما أن بعض المحكوم عليهم يعاني من وضعية صحية حرجة.. فهل تستجيب المملكة لصوت الحكمة أم يظل صوت البرغماتية هو المسيطر على المشهد؟