أمام حالة الاحتباس السياسي الداخلي التي صنعها الرئيس التونسي بقراراته المفاجئة وإجراءاته التي شملت إيقاف اختصاصات البرلمان وإقالة الحكومة وتوليه السلطة التنفيذية مع صلاحية التشريع عبر الأوامر والمراسيم، تقف تونس مهد الربيع العربي في منتصف طريق الانتقال الديمقراطي بعد أن تعطل المسار السياسي برمته بجرة قلم من الرئيس.

في هذا التقرير لن نعود إلى قرارات سعيد وتوصيفها قانونيًا ودستوريًا، فقد أسهب المختصون في نقد الخطوة ووصفوها بأنها انقلاب صريح وواضح على دستور 2014، واعتبروها تأويلًا فجًا للمادة 80 منه يخدم مصالح ساكن قرطاج الذي أعلن منذ انتخابات 2019 برنامجه السياسي وهو تغيير النظام، بما يعني أن تجميد البرلمان وغيرها من الإجراءات كانت عبارة عن "سفر الخروج" لدولة سعيد المنتظرة.

 

الانقلاب والمشروع

بعيدًا عن الدغمائية ومنطق الجمود والامتثال والمسايرة الذي يُمثله موقف العامة، فإن رأي المختصين يُثبت دون شك أن تلاعب سعيد بالدستور التونسي لم يفرضه الواقع السياسي المترهل والأزمة الاقتصادية والصحية التي نعرفها البلاد، بل ناتج عن مشروع كامن في ذهن الرئيس الذي أثبت سلوكه السياسي والنفسي منذ توليه الرئاسة رفضه للأحزاب والنظام البرلماني القائم.

هذا الأمر أكدته أستاذة القانون الدستوري سناء عاشور في توصيفها لإجراءات سعيد بالقول: "نحن لسنا في نطاق الفصل 80 والرئيس اتخذه ذريعة، هو كان يبشر بالعودة إلى دستور 1959 والتخلي عن الأحزاب والبرلمان، هذا مشروع كولياني".

 

المشروع الذي يتبناه سعيد أفصح عنه عام 2019 عندما كان مرشحًا رئاسيًا من خارج المنظومة الحزبية، فإلى جانب حديثه عن الفساد ودولة القانون والمؤسسات والثورة واستحقاقاتها، أشار سعيد إلى أن برنامجه الانتخابي يتمثل في التأسيس الجديد الذي يحمل بين طياته فكرًا سياسيًا جديدًا ونصًا دستوريًا جديدًا.

سعيد أوضح أيضًا أنه إذا فاز بالرئاسة فلسوف يتخلص من الانتخابات التشريعية، مشيرًا إلى أن "الديمقراطية البرلمانية في البلدان الغربية فاسدة، وآن لها أن تنتهي () انظر إلى ما يحدث في فرنسا مع السترات الصفراء، وفي الجزائر وفي السودان، مصير الأحزاب أن تنقرض، إنها فترة وانتهت، قد يستغرق موتها بعض الوقت، لكن من المؤكد أنها في سنوات قليلة سينتهي دورها، سوف تنقرض التعددية من تلقاء ذاتها، لقد دخلنا مرحلة جديدة من التاريخ، هذه هي الثورة الجديدة".

من يعتقد أن الأحزاب فقط هي التي تقع في مرمى أهداف الرئيس التونسي قيس سعيد فهو واهم إلى حد بعيد، فقد أعلن عن نيته الواضحة في تصفية منظمات المجتمع المدني وذلك في معرض حديثه عن برنامجه الانتخابي، قائلًا: "لدي مشروع هدفه إنهاء الدعم لجميع الجمعيات، سواء من داخل تونس أم من خارجها، لأنها تستخدم مطية للتدخل في شؤوننا".

راهنًا، يبدو أن مشروع قيس سعيد وصل إلى المرحلة الأخيرة وهي إعلان خطته وبديله السياسي القائم على سلطة الجماهير ودولة الشعب العظمى وذلك بعد تعيينه لمكلفين بالوزارات بانتظار إعلان المكلف بتسيير الحكومة، وهي خطوة توحي بأن التكليف هو إجراء استثنائي ووقتي تعقبه خطوة أخرى تتمثل في انتخابات مبكرة وتغيير النظام السياسي إلى رئاسي صرف يحتكر فيه سعيد السلطة.

لعبة القانون

الحديث عن مشروع قيس سعيد السياسي لا يستقيم دون إيضاح المسار وخريطة الطريق التي اعتمدها في تثبيت فكرته على الأرض حتى يستوعبها العامة وجزء من النخبة التي تتربص لتصفية حساباتها وتسوية خصوماتها السياسية.

فأستاذ القانون الدستوري الذي صعد إلى الحكم في تونس من خارج مسرح السياسة أدرك مبكرًا عبر انخراطه في الشأن العام المحلي (ملتقيات إعلام) أن الأحزاب في تونس عجزت عن مسايرة المطالب الشعبية واستحقاقاته الاجتماعية والاقتصادية، وأن الشعب بحاجة إلى أن تضخ في عروقه دماء جديدة تحيي شعلة الثورة التي أخمدتها صراعات السلطة.

منذ توليه الرئاسة، عمل قيس سعيد على استثمار نفور التونسيين من الأحزاب وصراعات البرلمان والتحركات الاجتماعية المطلبية، وأظهر نفسه بلغته العربية المتكلفة كبديل قادر على تغيير الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتردي.

لم يجد الرئيس التونسي إلا لعبة القانون التي يُتقنها لتجريف الحقل السياسي في البلاد، فالتونسيون على وجه العموم يحترمون القضاة ورجال القانون ويرون أنهم أصدق من السياسيين والأحزاب وهم القادرون على تأسيس العدالة الاجتماعية ودولة المؤسسات.

عامان على ترؤسه الدولة التونسية، لم يترك قيس سعيد فرصة لترذيل العمل السياسي إلا واقتنصها، فمنذ البداية اختار هشام المشيشي بنفسه متجاوزًا مقترحات الأحزاب للشخصيات المرشحة لهذا المنصب، ثم انقلب عليه حين رأى تعاونه مع الائتلاف الحاكم الذي يشمل حركة النهضة الإسلامية.

 

وفي فبراير/شباط رفض الرئيس أداء الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمامه ما منع تسلم مهامهم ليجد المشيشي نفسه مضطرًا إلى تكليف عدد من الوزراء الذين حافظوا على مناصبهم بتسلم الوزرات الشاغرة فيما تولى بنفسه إدارة وزارة الداخلية.

رجل القانون والرئيس رد قانون تشكيل المحكمة الدستوري إلى البرلمان متعللًا بتجاوز الآجال الدستورية للمصادقة على هذه المؤسسة التي يخول لها تأويل النص الدستوري، دون مراعاة حاجة البلاد إلى هذه المؤسسة، ما يعني أنه تعمد تعطيل تركيزها حتى لا يحتكم إليها في البت في شرعية القوانين والإجراءات التي أعلنها لاحقًا في 25 من يوليو/تموز.

لعبة السيادة

مع احتكاره لتأويل الدستور وفق قراءاته الشاذة والدالة على انقلابه على المسار الديمقراطي في تونس، فإن الرئيس قيس سعيد مارس حالة التطهر والنقاء السياسي بضرب خصومه واتهامهم بالعمالة والارتهان للأجنبي قصد تسجيل نقاط أمام الجماهير المتأثرة بشعارات الوطنية والسيادة والمصالح العليا للبلاد.

في هذا السياق، استهدف ساكن قرطاج رئيس حركة النهضة والبرلمان التونسي راشد الغنوشي واستغل زيارته إلى تركيا لضرب أي دور للبرلمان في الدبلوماسية البرلمانية، ما أجج اتهامه بالموالاة والارتهان للمحور التركي القطري، ودفع بسعيد لإلقاء خطاب شديد اللهجة في نهاية مايو/أيار على أن تونس لديها "رئيس واحد فقط داخل البلاد وخارجها"، في انتقاد ضمني للنشاط الدبلوماسي المكثف للغنوشي.

ومن المفارقة العجيبة أن الرئيس التونسي الذي أكد في أكثر من مرة ضرورة "النأي بتونس عن سياسة المحاور، وعن سياسة الاصطفاف، مع الحرص على التمسك بسيادة البلاد كاملة"، مال ميلة واحدة إلى محور فرنسا - الإمارات - مصر، وانقلب على مبادئه فتماهت سياسته إلى حد بعيد مع حلف الثورة المضادة.

فزيارته إلى القاهرة في أبريل/نيسان 2021 كانت غامضة إلى أبعد الحدود على مستوى التوقيت، فهي جاءت مباشرة بعد رحلته القصيرة إلى ليبيا وزيارة وزير خارجيته عثمان الجرندي إلى باريس استعرض خلالها فحوى لقاء طرابلس، وكذلك على مستوى المضمون، فلا وجود لقواسم اقتصادية مشتركة بين القاهرة وتونس ولا تجمعهما قصر ملفات إرهابيين، بل الأصل أن هناك رغبة مصرية وإماراتية لإجهاض الإسلام السياسي تتلاقى مع مشروع سعيد.

 

ما يؤكد اعتماد سعيد في مشروعه الجديد على قوى الخارج بما يضمن تحركه دون وجود رد فعل أوروبي قوي يضر بمصالح الاقتصاد التونسي كما في الحالة المصرية في 30 من يونيو/حزيران 2013، رسالته الأخيرة إلى ماكرون يعلمه فيها التزامه بعرض خريطة طريق خاصة بالفترة المقبلة "بسرعة"، واستقباله لوزير الخارجية الإماراتي أنور قرقاش والمصري سامح شكري وإعلان بلديهما الدعم الكامل لخطوة سعيد.

 

الأمن والجيش

منذ انتخابه رئيسًا للبلاد عام 2019 وبالتالي قائدًا أعلى للقوات المسلحة، اهتم قيس سعيد بالمؤسسة العسكرية وأظهر دعمه لقواتها، ولم يكتف بذلك بل حاول الزج بها في المعارك السياسية ودفع بها في المناصب المدنية، وشدد أيضًا قبضته على المؤسسة الأمنية، فقد أكد في وقت سابق من أبريل/نيسان من العام الحاليّ، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ65 لتأسيس قوى الأمن الداخلي، أنه "بحسب الدستور، فإن رئيس الجمهورية هو قائد القوات المسلحة العسكرية والمدنية دون أي تمييز".

 

كنظرائه من الحكام العرب في الأنظمة الديكتاتورية، يؤمن قيس سعيد أن هيبة المؤسسات لا تقوم إلا على العسكر والاحتكام لـ"العنف المشروع" الذي تحتكره الدولة، فهو يتبنى ضمنيًا مقولة الفيلسوف ماكس فيبر" فلو وجدت بنيات اجتماعية لا تعرف العنف لاختفى مفهوم الدولة، ولما بقي إلا ما نطلق عليه الفوضى".

من هذا الجانب، فإن الرئيس التونسي لم ينفك عن الحديث عن الفوضى والانهيار المرتقب للدولة وهو خطاب شعبوي عاطفي المقصد منه استمالة الجماهير التي تحركها رغبة الخروج من الأزمة الاقتصادية والصحية والاجتماعية ولو كلفها العودة إلى مربع سلطة الرجل الأوحد، وتحضيرها نفسيًا للانخراط في مشروع التأسيس الجديد الذي ارتكز على وهم السيادة والقانون والتطبيع خيانة وحقيقة حذاء العسكر وهراوات الأمن التي تنتظر إشارة من يد الرئيس.

يُحسب لسعيد أنه أحسن قراءة الواقع التونسي بامتياز وأجاد لعبة شطرنج السياسة فحرك النرد على الرقعة بمهارة فأسقط حراس خصومه وأتعب جيادهم المنهكة وأعلى من أصوات جماهيره ومريديه، تمهيدًا لتشييد قلعته الجديدة التي تُخفي استبدادًا مُرقعًا بلغة عربية ركيكة وخطابًا شعبويًا مقيتًا واستحضارًا شنيعًا للتاريخ وشخصياته.