ترجمة وتحرير نون بوست

تناقلت وسائل الإعلام الإخبارية في أذربيجان منذ أسابيع خبر مقتل رشاد بخشعلييف، مصارع أذري محترف، أثناء القتال في سوريا في صفوف داعش. الخبر الذي صعق الكثيرين في أذربيجان يسلط الضوء على تهديد أمني جديد للبلد الصغير.

هناك المئات من الأذريين في صفوف داعش في سوريا، والقلق يتزايد حيال أولئك الجهاديين الذين ستزيدهم المعارك خبرة وقوة، وقد يحولوا أنظارهم في المستقبل نحو تحدي إدارة الرئيس إلهام علييف، هذا وقد بدأ بعض المقاتلين المعروفين في سوريا، وأهمهم خطاب الأذري، بمهاجمة حكومة علييف بالفعل لسياساتها العلمانية وفسادها. ستكون البلد هدفًا مُحتَملًا في المستقبل لداعش، لا سيما وهي ذات أغلبية شيعية، وعلى المستوى الجيوسياسي، سيكون استهدافها مهمًا نظرًا لعلاقاتها بروسيا وإيران والولايات المتحدة، وهم ثلاثة أعداء رئيسين لداعش.

على الرُغم من منظومتها الأمنية القوية، أذربيجان هدف هش نظرًا لتراجع صورة مؤسسات الدولة فيها بسبب الفساد. بالإضافة إلى ذلك، هناك قطاع سلفي كبير بين سنة أذربيجان، ورُغم أن القابلية للتحول نحو صفوف الجهاديين لن تطالهم كلهم، إلا أن كافة الجهاديين الذين خرجوا حتى الآن كانوا من صفوفهم. هناك على الأقل خطر تعاطف السلفيين مع أهداف الجهاديين، بل وآلياتهم أيضًا، وبالتالي تحوّلهم تدريجيًا نحو التطرف.

لم تكن السلفية معروفة في أذربيجان حتى أوائل التسعينيات، ولكنها انتشرت رويدًا منذ ذلك الوقت، ورُغم عدم وجود بيانات موثوقة حول أعداد السلفيين في البلاد اليوم، إلا أن وجودهم قوي نسبيًا في مناطق الأغلبية السنية في الشمال، قرب العاصمة باكو ومقاطعة سومقاييت.

هناك عوامل أخرى تفسر صعود السلفية في أذربيجان، أولها، الإرث الطويل للإلحاد السوفيتي، والذي أثر على الكثير من المفاهيم الشيعية، والتي شكلت لعقود الأساس الأخلاقي والديني في أذربيجان. خلق البلشفيون فراغًا دينيًا، ومهدوا الطريق دون قصد لمعتقدات دينية أكثر تطرفًا بمجرد انهيار المنظومة الشيوعية عام ١٩٩١. من اللافت للنظر أن السلفيين استخدموا الأفلام السوفيتية القديمة، وعرضها السلبي لرجال الدين الشيعة، في الدعايا الخاصة بهم ضد الشيعة. قد يكون غريبًا هذا التوافق بين الملحديين السوفييت والسلفيين، ولكن جهودهم معًا نجحت كثيرًا في تدمير الأساس الديني للتيار الرئيس الشيعي في أذربيجان.

ساهمت كذلك الكثير من سياسات الحكومة الأذرية، المعادية لإيران، منذ التسعينيات في انتشار السلفية، إذ كان عزل إيران، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، واحدًا من الأهداف المُعلنة للإدارات الأمريكية المتعاقبة، وقد اعتقد الكثير من المسؤولين في باكو في ذلك الوقت أن التحالف مع الولايات المتحدة ضروري لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الأذرية، خاصة السيطرة على منطقة ناجورنو-قره باغ المتنازع عليها مع أرمنيه. لذا، تعامدت سياسات باكو مع التحالف الأمريكي الإقليمي الذي استبعد إيران، وهو ما مكّن دول الخليج، مثل السعودية والكويت، من تأسيس العديد من الجمعيات الخيرية والبنوك، ودعم انتشار المعتقدات السلفية في أذربيجان.

أثناء التسعينيات ومطلع الألفية، لم يكن هناك دافع لدى السلطات الأذرية لكبح انتشار السلفية، إذ رأوا أن هذا يُعَد صحيًا في مواجهة جهود إيران في تصدير نفوذها إلى أذربيجان. وفي الوقت الذي انتقد فيه الشيعة المقرّبين من إيران إدارة علييف علنًا، كان السلفيون يؤكدون على أهمية الولاء للحكومة، والابتعاد عن النشاط السياسي.

في السنوات الأخيرة، بدأت السلطات تنتبه للخطر السلفي الكامن في البلاد، بيد أن التعامل معه الآن أصعب كثيرًا مما كان ممكنًا منذ عشر سنوات، فقد أصبح للسلفيين قاعدة صلبة في أذربيجان، وبعضهم على الأقل عرضة للتحول نحو التطرف والعنف، كما تشي أعداد الأذريين الذين تركوا بيوتهم للقتال في سوريا والعراق.

مؤخرًا، شرعت إدارة علييف في قمع الصحافيين ونشطاء المجتمع المدني، وبشكل أشد هذا العام تحديدًا. في نفس الوقت، اصطدمت باكو كثيرًا بالولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، خاصة ألمانيا، فيما تعتبره معايير غربية مزدوجة حيال حقوق الإنسان. ستُضعِف سياسات كهذه قدرة باكو على التعامل مع الخطر الأمني الذي يمثله تحوّل السلفية نحو العنف، وسيكون أفضل للاستقرار في أذربيجان أن تركز على معالجة الأسباب التي ستفتح الباب للجهاديين في الداخل والخارج.

المصدر: يوروآسيا