حالة من الترقب والتوتر يعيشها السوريون في تركيا عمومًا، والمقيمون منهم في العاصمة أنقرة بشكل خاص، منذ مساء الأربعاء الفائت، حين شهد أحد أحيائها اعتداءً على منازل وسيارات ومحالٍ تجارية للسوريين بعد مقتل شاب تركي على يد شاب سوري.

حادثة الاعتداء في أنقرة

يسرد يوسف ملا الناشط في شؤون اللاجئين السوريين والمقيم في أنقرة ما حصل في العاصمة التركية خلال الأيام الأخيرة لـ"نون بوست" قائلًا: "يوم الثلاثاء الماضي، في التاسعة والنصف مساءً بإحدى حدائق منطقة ألتن داغ ذات الكثافة العالية من السوريين في أنقرة، وبحسب بيان والي أنقرة فإن خلافًا بدأ بمشادات كلامية ثم تحول إلى شجار، نتج عنه طعن أحد السوريين لمواطنَيْن تركيين توفي أحدهما في اليوم التالي بالمستشفى، بينما لا يزال الثاني يتلقى العلاج في مستشفى أنقرة". 

ويتابع النشاط ملا "التدابير الأمنية تم اتخاذها بعد حادثة الطعن، وفي اليوم التالي كانت المنطقة مستقرة صباحًا، ولم يخرج السوريون خارج منازلهم، لكن في مساء الأربعاء بدأت أعداد من الأتراك بالتظاهر غضبًا لوفاة الشاب التركي".

كثير من المحال التجارية السورية تعرضت للأضرار كما تعرضت بعض المنازل لتكسير الزجاج، ورغم أن مديرية الأمن العام نقلت معظم سيارات السوريين إلى مكان آخر لحمايتها، لكن بعض السيارات تعرضت للتكسير، وأصيب الطفل السوري إبراهيم هدهد وعائلته بجروح ورضوض نتيجة تعرضهم للرمي بالحجارة ممن قاموا بالاعتداء.

تشرح إيناس النجار مديرة الاتصال في اللجنة السورية التركية المشتركة ما قامت به اللجنة عند حصول الاعتداء: "كلجنة كان لنا أن تواصل على أعلى المستويات في الحكومة التركية ليلة الاعتداء، وتم إيقاف الهجوم، كانت هناك تعزيزات أمنية من الأمن وتدخل مباشر من المديرين العامين، كان هناك تواصل على مستويات كبيرة لإخماد هذه الحادثة، كما كان هناك تواصل مع السوريين وتهدئتهم ونقل صوت المسؤولين لهم لضبط أنفسهم وطمأنتهم أن الأمر تحت السيطرة".

وتضيف النجار "بعد ما تمت السيطرة وعودة الهدوء إلى منطقة ألتن داغ، دخل المسؤولون الأتراك المنطقة وصوروا ووثقوا كل الأضرار من أجل تعويض جميع الأضرار المادية، وكانت هناك مواقف إيجابية من الأتراك، فوقف كثير منهم في وجه العنصريين، وحموا السوريين وقالوا لهم "السوريون في بيوتنا ولن نسمح لكم بالاقتراب منهم"، أيضًا كانت هناك مواقف إيجابية من الهلال الأحمر، إذ أنقذوا امرأة أرملة وأولادها".

والد القتيل التركي: "أنا بصفتي والد الشهيد أدعو مواطنينا الكرام لعدم إلحاق الضرر بأي سوري، فنحن لم نرض عن أحداث التكسير والتخريب ولن نرضى بذلك أبدًا".

من يتحمّل مسؤولية الاعتداء؟

صباح اليوم التالي من الاعتداء أجلى الأمن التركي السكان السوريين من محيط منزل أهل الشاب التركي القتيل، واجتمع قائم مقام منطقة ألتن داغ مع بعض السوريين المؤثرين في المنطقة، وحضر الاجتماع رئيس البلدية وممثلين عن الأمن التركي، وتم التأكيد أنه لن يتكرر ما حصل، وبالفعل شهد الحي هدوءًا نسبيًا، بعد أن تم رفع أعداد العناصر الأمنية إلى ألف وستمئة عنصر في المنطقة، بحسب ما أعلن قائم مقام ألتن داغ.

وأوقف الأمن التركي 76 شخصًا بينهم 32 شخصًا من أصحاب السوابق الإجرامية، وجميعهم من المشاركين في الاعتداء أو من المحرضين عليه في وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما جعل الكثيرين يرجّحون أن الاعتداء كان مبيتًا وتم حشد أصحاب السوابق لتنفيذه.

وبخصوص ذلك يقول الكاتب التركي جلال ديمير: "برأيي ما حصل في الأيام الأخيرة للسوريين في بعض المدن التركية، خاصة منطقة ألتن داغ في أنقرة، كان مخططًا له من بعض العنصريين أو من الأيادي الخفية الذي تريد أن تزرع الفتنة في المجتمع أو من العقلية التي تريد أن تسيئ للدولة التركية باستغلال ملف اللاجئين".

واستطرد ديمير قائلًا: "يجب علينا أن نربط الأحداث ببعضها حتى نصل إلى نتيجة بشأن الأحداث الأخيرة وأسباب حملات التحريض العنصري ضد السوريين، بدءًا من تصريحات النظام السوري عن اللاجئين في بلاد المهجر وتصريحات المعارضة التركية لاحقًا، ثم تصريحات رئيس بلدية بولو وحرائق الغابات في تركيا، والمظاهرة في إحدى جامعات إسطنبول، كل هذا يجب أن نربطه ببعضه لنجد أن هناك لعبة من العنصريين على ملف السوريين".

من جانبها حمّلت ديما شلار الصحفية والناشطة في شؤون اللاجئين السوريين مسؤولية التحريض على اللاجئين السوريين في تركيا لعدة أطراف قائلة: "ما يحصل هو نتيجة خطاب الإعلام الحكومي الذي يلصق دومًا صفة الضيف بالسوري، هذه التسمية سحبت من السوري كل حقوقه كلاجئ وحرمته من تصنيفيه ضمن أكثر الفئات هشاشة وضعفًا، في حين أن المطلوب من أي حكومة في العالم أن ترعاه وتعطيه حقوقه وتنظم قوانين لحمايته وتحمي المجتمع منه حال ارتكب جريمة أو خالف قوانين البلاد".

وأضافت "خطاب المعارضة التركية في برامجها السياسية تغيب عنه جميع بنود السياسة ويظهر بند واحد فقط، وهو بند طرد السوريين، والتصعيد المستمر من كل الأطراف على مدى سنوات خلق فكرة غير قابلة للتغيير عند السذج من الأتراك الذين يصدقون هذه الشائعات، وينتشر الخطاب الشعوبي المستهلَك لتوجيه أنظار الأتراك إلى الوجود السوري كمشكلة أساسية في تركيا لتغييبهم عن المشاكل الاقتصادية".

وتتابع شلار: "بالمقابل فإن هزالة أداء المعارضة والشخصيات الاعتبارية السورية فاقمت من سلبية واقع السوريين في تركيا، الذين لا يجدون من يمثلهم ويفضلون أن يترك قادة المعارضة مناصبهم لأن وجودهم مثل عدمه".

وبدورها توضّح إيناس النجار الموقف من الخطاب التحريضي بقولها: "التحريض على وسائل الإعلام لا يمكن اعتباره حرية إعلام والكلمة على وسائل التواصل الاجتماعي ثمنها غالٍ جدًا، ثمنها دماء، لذلك نحن نطالب بمتابعة قانونية للمحرضين، وإيقافهم عند حدهم واستخدام القوانين ضدهم".

ما مستقبل اللاجئين السوريين في تركيا؟

في ظل تصاعد الحملات التحريضية ضد السوريين في تركيا، يشعر كثير من السوريين بمخاوف شخصية آنية ومخاوف من مستقبل وجودهم في تركيا.

يشرح الكاتب ديمير وجهة نظره عن هذه المخاوف قائلًا: "إذا أخذنا إحصاءات المجتمع التركي يوجد اليوم قرابة 83 مليون تركي منهم أربعة آلاف أو خمسة آلاف ينادون بالعنصرية والتحريض العنصري ضد اللاجئين، وهذة نسبة قليلة، لذلك يمكننا أن نقول إن الشعب التركي والدولة التركية سياستها تجاه ملف السوريين واضحة ومعروفة، ومنذ عشر سنوات هذه السياسة معروفة من جميع مؤسسات المجتمع الدولي وحتى من السوريين، إذ أعلنت وقوفها إلى جانب اللاجئين السوريين".

وعن مستقبل وجود السوريين في تركيا، ترى الصحفية شلار "أن أي شخص عاقل يدرك أن أي سلطة حاكمة قادمة في تركيا لن تضحي بالسوريين مقابل المكتسبات التي حققتها تركيا على الأرض في العمق السوري، ولن تتخلى عن الأيدي العاملة الرخيصة التي تتقن عملها بشهادة أرباب العمل الأتراك، ولن تتخلى كذلك عن الاستثمارات والتحويلات المالية السورية".

يحمّل الكاتب ديمير مسؤولية الوصول إلى حلول لكل من المجتمعين التركي والسوري قائلًا:" هناك واجبات يجب على المجتمع التركي أن يقوم بها، وهناك واجبات على المجتمع السوري أيضًا، لأن الاندماج لا يكون من طرف واحد ويجب أن يكون من الطرفين، لذلك المجتمع التركي أو الدولة التركية والمجتمع السوري لديهما واجبات يجب عليهما تنفيذها حتى نصل إلى حلول كاملة".

ويضيف ديمير "أرى أنه يجب على المجتمع التركي وعلى المؤثرين في المجتمع أن ينشروا الوعي ويوضحوا الأكاذيب والشائعات الذي يتم ترويجها ضد السوريين بشكل مستمر، ونشر ثقافة الأخوة وثقافة التعايش من الطرفين".

من جهتها تنصح إيناس النجار مديرة الاتصال في اللجنة السورية التركية المشتركة جميع السوريين بعدم الاستماع لأي محرّض "لتجنب الوقوع في أي فتنة، فكل شخص ممكن أن يتعرض للاستفزاز بهدف الوقوع في مشكلة، فلا تقبل بالرد عليهم والانجرار إلى المشاكل، بإمكانكم الاتصال بالشرطة لحماية أنفسكم قانونيًا".

وأشارت إلى أن اللجنة السورية التركية المشتركة تضغط باتجاه "تحويل ملف اللجوء من ملف سياسي إلى ملف إنساني كما يجب أن يكون في الحالة الطبيعية".

رغم احتواء الوضع أمنيًا في منطقة ألتن داغ، فإن حوادث مشابهة قد تحصل في مناطق تركية أخرى، كما تكررت حوادث مماثلة في السنوات الماضية بعضها في أضنة وأورفا وغازي عنتاب وإسطنبول وولايات أخرى، في ظل تصاعد الخطاب التحريضي من أحزاب تركية معارضة تتبنى هذا الخطاب كبرنامج سياسي لخوض الانتخابات العامة القادمة في تركيا عام 2023.