نائب الرئيس العراقي ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي يدلي بصوته في مركز اقتراع خلال الانتخابات البرلمانية في بغداد، العراق 12 أيار/ مايو 2018.

بعد سبع سنوات من التنحي عن منصب رئاسة الوزراء، يعتقد نوري المالكي أن الظروف مناسبة لعودته. ولا يزال رئيس الوزراء الأسبق يعتبر وجها بارزا في المشهد السياسي الشيعي على الرغم من تنحيه المخزي عن منصبه في سنة 2014 عندما تمكن تنظيم الدولة من الاستيلاء على ثلث الأراضي العراقية.

كان المالكي، الذي يصفه خصومه بـ "المغرور" وحلفاءه بـ "القوي"، إلى حد كبير على يقين من الفوز بولاية ثالثة في رئاسة الوزراء عندما فاز "ائتلاف دولة القانون" الذي يترأسه بـ 92 مقعدًا من أصل 328 مقعدا في البرلمان في انتخابات 2014.

لكن الظهور المفاجئ لتنظيم الدولة قلب الموازين وأجبره على التخلي عن منصبه. ومنذ ذلك الحين، تعثّر حظه السياسي بصعود خصمه الشيعي رجل الدين مقتدى الصدر الذي قام باستبدال رجال رئيس الوزراء الأسبق بآخرين تابعين له في معظم المؤسسات الرئيسية في البلاد.

لكن القوى السياسية الشيعية في الوقت الحالي منقسمة، بينما أعلن الصدر أن حركته لن تشارك في الانتخابات القادمة المزمع عقدها في شهر تشرين الأول/ أكتوبر ودعا أتباعه إلى عدم التصويت. وقد أحيا هذا الأمر آمال المالكي، حسب ما أكده سياسيون ومراقبون لموقع "ميدل إيست آي".

من شأن انسحاب التيار الصدري، الذي يمثل أكبر وأكثر قوة شيعية منظمة، أن يعيد رسم خريطة النفوذ السياسي في العراق ويخلق فرصا جديدة. وفي تصريح له لموقع "ميدل إيست آي" شريطة عدم الكشف عن هويته، قال سياسي شيعي بارز مقرب من المالكي إن "المالكي يخطط للفوز بعهدة جديدة. إنه يسعى لجعل صوته مسموعا أكثر ونفوذه أكبر على القوى الشيعية، وهو مقتنع بأن لديه حاليا فرصة أكبر وأنه بات أقرب إلى رئاسة الوزراء أكثر من أي وقت مضى".

لم يكن العراق في وضع جيد عندما تنحى المالكي عن منصبه. فقد انهارت المؤسسة الأمنية في مواجهة تقدم تنظيم الدولة واستفحال الفساد المالي والإداري

أضاف المصدر ذاته أن المالكي "سيكون أكبر مستفيد من انسحاب التيار الصدري من الانتخابات - هذا إن لم يغير مقتدى الصدر رأي طبعا"، مشيرا إلى أن المالكي "سيكسب أيضًا أصوات الناخبين المستائين من الفصائل المسلحة. ستكون حظوظه أوفر هذه المرة مقارنة بآخر انتخابات".

حملة انتخابية مبكّرة

كانت الأحزاب السياسية العراقية والسياسيون أبطأ في إطلاق حملاتهم الانتخابية هذه السنة عن المعتاد، على عكس المالكي. وتحت شعار "سنعيد الدولة"، أطلق ائتلاف دولة القانون حملة انتخابية مبكرة لتلميع صورة المالكي، حيث يتم التسويق له على أنه أفضل مرشح لرئاسة الوزراء وقائد قوي قادر على تهدئة التوترات بين الفصائل، وتوفير الأمن والخدمات الأساسية، ومكافحة انتشار الأسلحة غير المنظم.

قال مدير المكتب الإعلامي للمالكي، هشام الركابي، لموقع "ميدل إيست آي": "من خلال التواصل مع الناس، وجدنا أنهم لا يشعرون أن هناك دولة وأن الوضع [المزري] من سيء إلى أسوأ. لذلك، قررنا أن شعارنا ينبغي أن يكون منسجما مع مطالب الشعب".

أكد الركابي ثقته في أن ائتلاف دولة القانون في وضع جيد قبل الانتخابات، مشيرا إلى أن "السيد المالكي قال ذلك أكثر من مرة: إذا كان هناك رغبة شعبية [تطلب] عودته لرئاسة الوزراء، فإنه سيعود لأنه يمثل أفضل خيار بالنسبة للكثير من الناس. إذا طلب الناس ذلك، فإننا سنلبي طلبهم".

تزايد حظوظ المالكي

لم يكن العراق في وضع جيد عندما تنحى المالكي عن منصبه. فقد انهارت المؤسسة الأمنية في مواجهة تقدم تنظيم الدولة واستفحال الفساد المالي والإداري. اتّسمت ولاية المالكي الثانية بالمحسوبية وتهميش السُنّة، وعندما استولى تنظيم الدولة على عدة مدن رئيسية وقتل الآلاف، اعترض آية الله العظمى علي السيستاني - زعيم الطائفة الشيعية - على عودته إلى رئاسة الوزراء وذلك رغم حصوله على أكبر عدد من الأصوات آنذاك. وبدلا من ذلك قبل المالكي بمنصب نائب الرئيس. ولكن خسارة رئاسة الوزراء كلفته الأصوات والنفوذ، حيث فاز ائتلافه بـ 26 مقعدا برلمانيا في انتخابات 2018، متخلفا بمقعدين عن التيار الصدري.

حتى يكون المرشح الأبرز لرئاسة الوزراء، وهو منصب لا يشغله سوى الشيعة وفقا لاتفاق تقاسم المناصب الرئيسية في الحكومة العراقية، يحتاج المالكي إلى المزيد من الدعم

لقد تغيرت الأوضاع منذ ذلك الحين. لقد فقدت القوى السياسية الشيعية والفصائل المسلحة الموالية لإيران العديد من المؤيدين والأصوات بعد تورط بعضهم في القمع الدموي لمظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر 2019 المناهضة للحكومة، وما لحق ذلك من استهداف الناشطين والصحفيين. 

ظهرت أيضًا الصراعات والمنافسة بين صفوف أكبر كتلة في البرلمان مدعومة من إيران، ألا وهي ائتلاف الفتح. فقد قررت كتائب حزب الله - التي تعد من أعنف وأكبر الجماعات المسلحة المقربة من إيران - خوض الانتخابات بمعزل عن ائتلاف الفتح، بينما لا يزال أكبر فصيلين متبقين في الائتلاف وهما منظمة بدر وعصائب أهل الحق على خلاف.

لدى المالكي منافسان شيعيان آخران من الوزن الثقيل هما عمار الحكيم وحيدر العبادي. ولكن أنصار الصدر والمتشددين الشيعة لا يثقون بهما ويشتبهون في  نزعتهما العلمانية، لذلك من المحتمل أن توجه هذه الأصوات نحو المالكي.

يرى المحلل في مركز البيان للدراسات والتخطيط علي طاهر الحمود أن "ائتلاف الفتح سيكون أكبر الخاسرين في انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر. سيستفيد المالكي من الأصوات التي سيخسرها الفتح، وسيحصد ثمار ائتلافه مع عدد من كبرى قبائل الجنوب". وأضاف الباحث "عمليا، زادت حظوظه في الفوز في الانتخابات بعدد كبير من المقاعد، ولكن ليس إلى مستوى يمكنه من المنافسة على رئاسة الوزراء".

الحاجة إلى مزيد من الدعم

حتى يكون المرشح الأبرز لرئاسة الوزراء، وهو منصب لا يشغله سوى الشيعة وفقا لاتفاق تقاسم المناصب الرئيسية في الحكومة العراقية، يحتاج المالكي إلى المزيد من الدعم. 

تضم الساحة السياسية الشيعية سبع قوى رئيسية: تحالف سائرون التابع للصدر، ائتلاف الفتح الذي يتكون من الأجنحة السياسية لمعظم الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، ائتلاف دولة القانون الذي يترأسه المالكي، وتيار الحكمة بقيادة عامر الحكيم، وائتلاف النصر برئاسة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، حركة عطاء بقيادة رئيس جماعة الحشد الشعبي شبه العسكرية فالح الفياض، وحزب الفضيلة الإسلامي.

يحظى تحالف سائرون وائتلاف الفتح بثلثي أصوات الناخبين الشيعة في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب. وفي ظل الوضع الحالي، لن يقدم مرشحو الصدر ملفات ترشحهم، بينما انضم الحكيم والعبادي إلى كتلة ائتلاف دولة القانون، في حين خيّر الفياض وزعماء حزب الفضيلة الترشح للانتخابات بشكل فردي.

أكد زعيم شيعي "الحاجة الملحّة إلى إيجاد جدران عازلة لحماية النظام السياسي الذي يقوده الشيعة في العراق"

من خلال الانسحاب وحثّ أنصارهم على مقاطعة الانتخابات، من المتوقع أن يتسبب الصدريون في الحد من إقبال الناخبين على الاقتراع، لكنهم في الوقت نفسه يفتحون الباب أمام مرشحي ائتلاف دولة القانون والفتح لتوسيع حملاتهم الانتخابية واستهداف مناطق وجماعات وقبائل لم يجرؤوا سابقًا على الاقتراب منها خوفًا من الصدام مع الصدريين.

مع ذلك، لن يكون بمقدور ائتلاف المالكي والفتح وحدهما الحصول على مقاعد كافية لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر التي يحق لها تعيين رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة المقبلة. وأخبر سياسيون ومحللون سياسيون موقع "ميدل إيست آي" أنه من دون دعم ائتلاف الفتح لن يتمكن المالكي من تحقيق هدفه.

حسب ما صرح به قائد بارز في هيئة الحشد الشعبي مقرب من إيران لموقع "ميدل إيست آي"  فإن "المالكي يراهن على دعم فصائل المقاومة [المسلحة] والقوات الشيعية المقربة منها". وأضاف أن "فصائل المقاومة المسلحة ليس لديها مشاكل مع المالكي؛ بل على العكس من ذلك، يعتبرونه فاعل خير وأحد أكبر رعاتها، خاصة خلال ولايته الثانية في رئاسة الوزراء".

كما يرى هذا القائد أن الفصائل المسلحة لم تعلن بعد بشكل واضح عما إذا كانت تريد أن يكون المالكي رئيس الوزراء، ولكنها تعتبره حليفا مهما بعد الانتخابات مهما كانت نتائجها. وأفاد المصدر ذاته بأن "قادة الفصائل ليس لديهم مشكلة في ترشيح نفسه لرئاسة الوزراء مجددا، بالنظر إلى أنهم يعتبرونه معاديا للصدر والوحيد القادر على الوقوف في وجه الصدريين. فضلا عن ذلك، يلقى بقبول الأمريكيين والإيرانيين، ويمكنه خلق توازن بين الإثنين".

جدار عازل لحماية العملية السياسية

منذ اغتيال الجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني في غارة أمريكية نفذتها طائرة مسيّرة على مطار بغداد في كانون الثاني/ يناير 2020، تراجع دور الحرس الثوري الإيراني في العراق لتصبح أجهزة المخابرات الإيرانية أكثر بروزًا. وعلى عكس الحرس الثوري، سعت أجهزة المخابرات إلى الحد من التدخل الإيراني في المشهد السياسي والأمني العراقي والتقليص من دور القوات المسلحة المدعومة من إيران إلى درجة إثارة استياءها. مع ذلك، يخشى خصوم الفصائل الشيعية المسلحة من أن يتم عكس هذه السياسات قريبًا.

أخبر سياسيون شيعة موقع "ميدل إيست آي" أنهم يعتقدون أن الحكومة الإيرانية الجديدة للرئيس الأصولي إبراهيم رئيسي ستعيد العراق إلى الحرس الثوري وتعيد إلى الفصائل المسلحة تفوّقها. في المقابل، يعتقد الكثيرون أن المالكي يتمتع بمكانة تسمح له باحتواء نفوذ الفصائل المسلحة إذا ما قوّى شوكتها الرئيس الإيراني.

أكد زعيم شيعي "الحاجة الملحّة إلى إيجاد جدران عازلة لحماية النظام السياسي الذي يقوده الشيعة في العراق"، مضيفا أنه "إذا فكرت إيران في إعادة الملف العراقي إلى الحرس الثوري لتعويض خسارتها في سوريا لصالح روسيا وخسارتها المحتلمة في لبنان، حينها لن يكون هناك مفر من الصدامات مع الفصائل المسلحة، لذلك لابد من وجود جدار عازل للتصدي لهذه الضربات".

تتميز ولاية رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي بمحاولاته الحد من سطوة الفصائل المسلحة المدعومة من إيران على العراق. ويرى نفس الزعيم الشيعي أن خليفته سيكون عليه القيام بنفس الشيء "إما مواجهتها عسكريا أو احتواءها". وأضاف أنه "بما أن المواجهات المسلحة صعبة جدا وخيار غير مطروح للنقاش من قبل القوى الشيعية، فإن احتواءها يمثل الخيار الأول ويعتبر المالكي هو الوحيد القادر على فعل ذلك"، مشيرا إلى أن "زعماء الفصائل والإيرانيون يدركون جيدا هذا التحوّل، ويعرفون أن عددا قليلا فقط من الزعماء العراقيين لا يزالون يحظون بتقدير واحترام هذه الفصائل. والمالكي هو أحد هؤلاء الزعماء".

المصدر: ميدل إيست آي