مع صعود الخطاب الشعبوي في تونس على حساب الطرح العقلاني الذي يؤسس للديمقراطية ويُعزز مكاسب ثورة 14 يناير ويُحقق استحقاقاتها خاصة بعد انتخابات 2019، برزت الجماهير كقوة جديدة فاعلة على الساحة السياسية، وهي كتلة متحركة نسجت علاقاتها مع الرئيس قيس سعيد من خلال عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وأخرى خارجة عن إرادته.

سعيد والشعبوية

في ظهوره الأول، كانت صورة الرئيس التونسي وهو يشرب "إسبرسو" ويدخن سيجارة محلية الصنع توحي بأنه شخصية شعبوية غير نمطية، فهو حازم في كلماته، غريب في لغته العربية التي لم يعتدها التونسيون، وغامض لم يعرف له انتماء حزبي، فهو ليس باليساري أو اليميني، بل قدم نفسه على أنه رجل قانون ضد الفساد ومنظومة ما بعد الثورة التي أثبتت فشلها وفق تصوره.

هذه الشعوبية تعززت بفوزه في الانتخابات الرئاسية لعام 2019 على حساب منافسه رجل الأعمال والإعلام نبيل القروي، فسعيد ليس ثوريًا قديمًا أو سياسيًا سابقًا، استثمر في العواطف الحزينة والمشاعر المنكسرة الناتجة عن عسر التحول الديمقراطي وتعثر الاقتصاد، متصرفًا كراهب زاهد في السلطة عبر استحضاره لشخصيات من الحضارة الإسلامية والإرث الديني الكامن في صدور العامة كعمر بن الخطاب.

 

لم يفوت الرئيس فرصة إلا وأظهر نفسه في صورة الخليفة الملتزم بهموم رعيته يتفقد أحوالهم بالليل والنهار ويصلي في مساجدهم ويتجول في أحيائهم، والمفارقة أن الرئيس الذي لم يحمل معه برنامجًا سياسيًا واضحًا كان يجيب عن مطالبهم بكلماته المعهودة: "أنتم تريدون.. فهنيئًا لكم بما تريدون"، ثم يقفل راجعًا، فغايته الأساسية وفق خطاب فوزه كانت العمل على "بناء الدولة على أساس من الثقة، الثقة بين القائد والشعب، وإطار عمل يحترم القواعد والقوانين".

عملية التدقيق في مقولة سعيد، تكشف أن الرئيس التونسي عمل منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة على تثبيت الثقة بينه وبين الشعب ولم يخف نزوعه نحو السلطة بوصفه لنفسه بأنه "القائد" وهي نزع ضمني للسلطة من الحكومة والبرلمان، وهو ما تأكد لاحقًا في معاركه السياسية في أكثر من واجهة كمن يقود الدبلوماسية التونسية ومن يترأس الأمن.

كيف طُوعت الجماهير؟

ما من شك أن الجماهير تختلف عن الفرد الذي يُمكنه السعي وراء الحقيقة والبحث عن الأدلة والحجج، فالأولى كتلة من مختلف المشارب والأهواء تبحث عن طريق سهل لتسير عبره نحو الهدف الذي تطمح إليه، وهي رهينة قدرة القائد على تطويعه وتحريكه نحو غاياته، لذلك يسهل زراعة الأهداف في عقولها (الجماهير) وتشكيلها بما يخدم أجندة السلطة.

في تونس، يمكن القول إن العطب السياسي المزمن الذي رافق العشرية التي أعقبت الثورة، والأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن عسر الانتقال الديمقراطي خلق مزاجًا شعبيًا سيئًا أفقدت الجماهير ثقتها في النظام القائم والنخب الحاكمة وفي الأحزاب.

في ظل هذا الواقع، ظهر سعيد في صورة القائد المستجيب للمطالب الشعبية التي عمقت أزمتها حالة العطالة السياسية في البرلمان والحكومة، وذلك من خلال ظهوره المتكرر في وسائل الإعلام وهو يُحدد المسؤولين عن الأزمات التي تعرفها تونس.

تحديد "الأعداء" الذي يُمارسه سعيد في كل مناسبة ساهم بما لا يدع مجالًا للشك في توجيه الرأي العام وتطويعه في تشكيل كتلة رافضة للنظام السياسي القائم، وهو ما دفع بجزء من الشعب التونسي إلى المطالبة بحل البرلمان وذلك قبل انقلابه الدستوري في 25 من يوليو/تموز.

 

سعيد اشتغل على وتر المطلب المركزي للحركات الشعبوية كافة هو التخلص من الحواجز التي تقع بين الجماهير والدولة، فهي في العادة تتوق إلى علاقة مباشرة بين القائد والعامة وتعتقد أن الاندماج الفعال والحقيقي لا يكون في ظل وجود نخبة وسيطة تُمثلها الأحزاب على اعتبار أن الأخيرة كيانات أوليغارشية جشعة.

الرئيس التونسي والمحيطون به ممن يتبنون مشروع التأسيس الجديد وعلى رأسهم رفيقه رضا لينين أيقنوا مبكرًا أن عملية تطويع الجماهير المتعطشة لشعارات الثورة واستحقاقاتها سئمت وعود الأحزاب طيلة العشر سنوات التي أعقبت سقوط ديكتاتورية بن علي، لذلك بدأ سعيد بتحشيد المريدين في الانتخابات عبر مقولة "لا برنامج ولا وعود"، وهي حركة المراد منها أولًا ضرب الأحزاب وتقديم نفسه بشكل مختلف عنها في المضمون والأسلوب، وثانيًا أعفى نفسه من أي برنامج أو وعد قد يلتزم بتحقيقه.

ميكانيزمات التطويع

لم يعد خافيًا أن أنصار الرئيس التونسي استخدموا شأنهم شأن باقي التيارات الشعبوية، ما يسمى الإعلام البديل أي مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) لتحشيد الرأي العام واستقطاب الفئات الهشة والممتعضة من نظام ما بعد الثورة، والتأثير على الجماهير بخلق أسطورة قادرة على التغيير.

في حديثه لـ"نون بوست" يقول محسن المناعي (عامل بناء) إن الرئيس قيس سعيد رجل نظيف اليد وأستاذ قانون متعفف على السلطة لا يريد إلا الإصلاح، جاء من خارج منظومة ما بعد 14 يناير ولم يعمل مع التجمع المنحل (حزب بن علي)، وبالتالي فهو قادر على إنقاذ تونس وهو الرجل في هذه المرحلة.

من جانبها، أكدت ناجية المنصوري (موظفة) أن الرئيس سعيد يختلف كثيرًا عن سابقيه فهو رجل حازم ومتزهد في السلطة، فمند أن انتخبه الشعب بأغلبية كاسحة عمل على الاقتراب من هموم الناس زار الأحياء الشعبية واحتسى في مقاهيها قهوته المشهورة وصلى في مساجدها، وما إجراءاته الأخيرة وهي دستورية في ظل غياب المحكمة إلا خطوة نحو "التأسيس الجديد" لاسترجاع تونس من المجهول الذي كان بانتظارها.

أما "أم الخير" (بائعة خبز)، فأوضحت لـ"نون بوست" أن "قيس سعيد أنقذ تونس من الوباء وجلب اللقاح للمواطنين بعد أن كادت حكومة المشيشي التي عطلت مؤسسات الدولة، أن ترتكب كارثة بحق الشعب، لم نعد بحاجة إلى برلمان يسرق الأموال ولا إلى حكومة".

التدقيق والتمحيص في آراء المستجوبين من "نون بوست"، يكشف لنا حجم تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في ذهن جزء من الشعب التونسي، فهذه المواقع استطاعت تطويع العامة من خلال تزييف الحقائق وتلبيسها على الناس، وبالتالي وجب الإشارة إلى النقاط التالية وهي مهمة لتوضيح الصورة:

- قيس سعيد لم يحصل في الدور الأول للانتخابات إلا على 620.711 صوت وهو ما يمثل أقل من 10% من عدد التونسيات والتونسيين ممن هم في سن الانتخاب و18.40% من الأصوات المصرح بها (3.372.746)، وفي الدور الثاني حالفه الحظ بأن وجد نفسه في مواجهة نبيل القروي، الملاحق قضائيًا من أجل الفساد، ما يعني أن الناخبين اختاروا سعيد ليس اقتناعًا بل لسد الباب أمام منافسه.

 

 

- سعيد لم يعمل مع نظام بن علي، طرح مجانب للصواب فالرئيس عمل مستشارًا قانونيًا وكان قريبًا من دوائر النظام السابق وبعد الثورة لم يدل يومًا بموقف فيه نقد أو معارضة لبن علي.

- سعيد لم يعمل مع منظومة ما بعد الثورة، هو أيضًا مغالطة، فالرئيس التونسي تمت استشارته زمن صياغة دستور 2014 وناصر الاتجاه الداعي إلى جعل الشريعة مصدرًا من مصادر التشريع بما يخالف أسس الدولة المدنية الديمقراطية، وكان ضيفًا قارًا للإعلام التونسي أدلى بدلوه في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالدستور.

- الرئيس التونسي مارس إستراتيجية الإرباك واستغل الأزمات وعطل تركيز المحكمة الدستوري ورفض استقبال الوزراء لتأدية اليمين أمامه، ما يعني أن حكومة المشيشي لا تتحمل وحدها الفشل في إدارة الأزمات المتعددة التي تعرفها البلاد.

 

 

- أما فيما يخص اللقاح، فالرئيس التونسي انتظر وفاة أكثر من 20 ألف تونسي لجلب اللقاح، وما إقدامه على الخطوة إلا محاولة منه لضرب الحكومة وإظهار نفسه منقذًا للبلاد حتى يسهل تطويع الجماهير، والدليل أن شحنات اللقاح وصلت تونس بعد 25 من يوليو/تموز تاريخ انقلابه فلماذا لم يستقدمها قبل ذلك الموعد؟

- المغالطة الكبرى التي يروج لها سعيد وأنصاره تتمثل في "التأسيس الجديد" أي النظام البديل القائم على نظرية الشعب يريد، المشروع يقوم على انتخاب ممثلين عن الشعب على الأفراد في أصغر الدوائر الانتخابية يشكلون لاحقًا مجلسًا محليًا في مستوى المعتمدية ثم يتولى كل مجلس محلي اختيار (بالانتخاب أو القرعة) أحد أعضائه ليصبح نائبًا في المجلس الجهوي (المحافظة)، كما يتولى كل مجلس محلي اختيار (بالانتخاب أو القرعة) أحد أعضائه ليمثله في المجلس النيابي الوطني، وكل نائب يمكن سحب الثقة منه بناء على طلب 10% من الجسم الانتخابي المحلي، أما الرئيس فينتخب مباشرة من الشعب وهو الذي يتولى تعيين وزير أول لتشكيل الحكومة، الخلاصة أن الديمقراطية ستكون في القاعدة وهي غير مستقرة أما السلطات فيحتكرها القائم بأمر تونس.

غوغاء.. الخطر الداهم

الباحثة الإيطالية ناديا أوربيناتي أكدت أن الديمقراطية الشعبوية نمط جديد من الحكم التمثيلي يرتكز على علاقة مباشرة مع الزعيم وأولئك الذين يعرفهم بـ"الصالحين" أو "الأخيار" من خلال التحشيد الدائم للجمهور، بغية إحلال التمثيلية شعبية محل الحزبية، في ظل إخفاق الوعود التي قطعتها الديمقراطيات الدستورية.

هذا الاتجاه أكده المفكر التونسي هشام جعيط بأن "الجماهيرية غوغائية منفلتة غبية وسريعة التصديق تنجر إلى الحماس الفارغ كالصبيان"، مبينًا أن هذا الوضع المزري الذي تم فيه استغلال الجماهير من الحكومات الانقلابية/الثورية هو أحد أهم الأسباب التي تقف خلف غياب الفكر العميق على جميع المستويات، ما نجم عنه تسطح الرأي العام العربي الذي بات لا يقيم وزنًا لهذا المثقف أو ذاك بسبب أعماله".

طرح جعيط تؤكده ردة فعل العوام وأشباه المثقفين (سب وقذف) على آراء المختصين في القانون من أمثال عياض بن عاشور وشقيقته سناء بن عاشور الذين انتقدوا إجراءات السعيد (تجميد البرلمان وحل الحكومة) ووصفوها بأنها غير دستورية وانقلاب يمهد لديكتاتورية جديدة.

 

أما المفكر الجزائري محمد أركون فحذر من "الشعبوية" ووصفها بأنها "تجييش الشعب عن طرائق الغرائز والعواطف والعصبيات، فلا يعود يفكر بعقله تقريبًا"، وهذا يعني أن الديكتاتوريات تعمل على التصرف في الجماهير عن طريق الأخذ بالعوامل النفسية والاقتصادية والدينية والسياسية (سيكولوجية الجماهير)، وذلك في ظل غياب النخبة المثقفة القادرة على النقد والبناء.

ظاهرة الشعبوية في السلطة تمثل التشوه الأساسي للديمقراطية المعاصرة، فهي ليست حلًا للأزمات كما يتخيل العامة، بل هي منهج تنصب فيه نفسها كسلطة "خيرة" تتوسل الانتخابات لتأكيد تفوقها على ديمقراطية الأحزاب، وبالتالي فإن جمهورية سعيد لن تتحقق فيها التنمية ولا الحريات ولا العدالة ولن تضرب سلطة رأس المال واللوبيات كما صرح سابقًا، بل ستعزز مكاسبها على حساب طغمة الشغالين والمسحوقين التي كانت جسرًا لتشييد "دولة الشعب".

 

يقول عالم اللغويات الأمريكي نعومي شومسكي: "مسؤولية المثقفين هي قول الحقيقة وكشف الأكاذيب"، أما في تونس، فالنخبة لم تتعلم من دروس الماضي القريب عندما دجنها نظام بن علي واستعملها في نحت ديكتاتوريته، ولم تدرك إلى الآن أن سعيد الذي صعدته الفاشية الجديدة إلى الحكم عاجلًا أو آجلًا سوف يلقي بها في رحى الغوغاء الهادئين وسيأكلهم يوم يأكل الغوغاء العنيفين (العامة).