الرئيس التونسي قيس سعيد

ترجمة وتحرير: نون بوست

بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع من قيام قيس سعيد بإقالة رئيس الوزراء وتعليق عمل البرلمان، متعهدًا بإنقاذ البلاد مع احتدام الاحتجاجات المناهضة للحكومة، لم يكشف الرئيس التونسي عن موعد العودة إلى مؤسسات الحكم المنتخبة بعد.

يهدد عدم إحراز أي تقدم في هذا المسار بتأجيل اتفاق طال انتظاره مع صندوق النقد الدولي، إلى جانب خطط لبيع الديون في الخارج في تشرين الأول/ أكتوبر، مما يثير مخاوف بعض المحللين من فترة مضطربة من التخلف عن سداد الديون، على غرار ما يحدث في لبنان.

ويقول مدير أبحاث الأسهم في شركة "تيليمر" لأبحاث السوق، حسنين مالك، إن "لبنان الذي أسفر فيه الجمود السياسي عن انهيار الاقتصاد، يعد مثالا مخيفا يوضح إلى أي مدى تزداد الظروف سوءا عندما تكون في السلطة قوى متكافئة لا يمكن التوفيق بينها".

صورة

سيكون لانهيار دولة لها روابط اقتصادية في أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط انعكاسات تتجاوز حدود تونس، وقد ترسل موجة أخرى من الشباب المهاجر بطرق غير شرعية عبر البحر الأبيض المتوسط.

وتقول سارة يركس، الباحثة البارزة في "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي"، إن انهيار تونس بعد عقد من الانتفاضة التي أنهت الحكم الاستبدادي، يهدد بسقوط "آخر ملاذ للتعبير الحر في جميع أنحاء العالم العربي".

إن الاتجاه الراهن للمديونية الخارجية ينذر بارتفاعها إلى ما يقارب 100 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة القادمة. وبلغ التضخم أعلى مستوياته منذ خريف 2019، كما أن البطالة في ارتفاع مطرد منذ 2010، بعد أن أشعلت فتيل الثورة على نظام الديكتاتور زين العابدين بن علي. 

منذ ذلك الحين، ساهمت التغييرات الحكومية المتواترة، والهجمات الإرهابية ضد قطاع السياحة، وجائحة كوفيد-19 في تفاقم الأزمة الاقتصادية، وانكمش الاقتصاد التونسي بنسبة 8.6 بالمئة في السنة الماضية.

صورة

فاز أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد (63 عامًا) في انتخابات الرئاسة سنة 2019 وسط حالة من الاستياء الشعبي بسبب الخلافات المتصاعدة بين السياسيين منذ الثورة. ندد الإسلاميون المعتدلون في البرلمان بالخطوة التي اتخذها سعيد في تموز/ يوليو الماضي، والتي جاءت وسط احتجاجات شعبية بسبب سوء إدارة أزمة كوفيد-19، ووصفوا قرارات الرئيس بالانقلاب.

لكن خطوات سعيد قوبلت بقدر من التأييد شعبي، وأعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يعارض توصيات صندوق النقد الدولي لإصلاح الاقتصاد التونسي، وقوفه مع الرئيس، لكنه يطالب حاليا بخارطة طريق توضح مسار العودة إلى الديمقراطية. 

صورة

يمكن تطبيق الأحكام الدستورية التي استند إليها سعيد لفرض إجراءاته الاستثنائية لمدة 30 يومًا فقط، وأي تمديد سيكون بحاجة إلى موافقة من البرلمان الذي تم تجميده والمحكمة الدستورية. مع ذلك، أكد الرئيس هذا الأسبوع أنه "لن يتراجع"، وقال خلال زيارته لمطار تونس إنه "لو كان [ما فعلته] دكتاتورية لكان هناك إجراءات أخرى. هل نصبت المشانق؟ هل هناك إعدامات بالرصاص؟"

حثّ سعيد الشركات على خفض الأسعار - واستجاب البعض لتوصياته - وحث البنوك على خفض معدلات الإقراض، لكنه لم يقم بأي تغييرات هيكلية لمعالجة الفساد، أو خفض النفقات في القطاع العام الذي يُصنف إجمالي رواتبه ضمن أعلى المعدلات في العالم بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، أو لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية.

صورة

ويقول جيمس سوانستون، الخبير الاقتصادي المختص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى "كابيتال إيكونوميكس"، إن هناك تهديدا متزايدا بتخلف تونس عن سداد ديونها إذا لم يتم تعزيز الميزانية الحكومية، وهناك احتمال أكبر لأن تضطر تونس إلى إعادة هيكلة ديونها.

وأشار سوانستون إلى أن خفض التكاليف أثناء الجائحة قد يكون غير مقبول سياسياً، قائلا: "من المحتمل أن تضطر الحكومة الجديدة إلى تقديم تنازلات لتأمين بقائها في السلطة، ولن يتم تطبيق إجراءات التقشف". 

من جهة أخرى، يؤكد "بنك أوف أمريكا" أنه بدون برنامج من صندوق النقد الدولي أو أي دعم ثنائي ومتعدد الأطراف، فإن الاحتياطيات الحكومية التونسية "قد تواجه نضوبًا بحلول نهاية سنة 2022". 

في نهاية تموز/ يوليو من السنة الحالية، بلغ صافي احتياطيات النقد الأجنبي في تونس حوالي 7.4 مليار دولار، أو ما يكفي 219 يومًا من الواردات، بانخفاض طفيف عن السنة السابقة.

فترة مظلمة

وفقا لمسؤول سابق في حكومة رئيس الوزراء هشام المشيشي -الذي أقيل في 25 تموز/ يوليو الماضي-، فإن الوضع الاقتصادي خطير ولا يمكن التنبؤ بالتبعات المستقبلية.

لمّح سعيد خلال الفترة الماضية إلى محادثات مثمرة مع دول "شقيقة"، وفي هذا الشأن، يقول المسؤول السابق إن السعي للحصول على تمويل من السعودية والإمارات هو الحل الوحيد أمام الرئيس، إذ قد يستغرق إبرام اتفاقية مع صندوق النقد الدولي ستة أشهر أخرى على الأقل.

ومن ناحيته، يقول طارق المجريسي، الباحث السياسي البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن "أمام تونس بضعة أشهر فقط لتثبت للعالم أنها جادة فيما تفعله، وأنها تتجه نحو هدف بنّاء، وإلا فإنها تخاطر بالدخول في فترة مظلمة للغاية".

المصدر: بلومبيرغ