منذ توليه السلطة قبل نحو عامين، تحدث الرئيس قيس سعيد للإعلام التونسي في مرة يتيمة بمناسبة مرور 100 يوم على توليه الحكم، ومنذ ذلك الوقت غاب سعيد عن مؤسسات الإعلام المحلية، بعد أن كان لا يغيب عنها يومًا قبل توليه السلطة.

نتيجة ذلك أصبحت صفحة مؤسسة الرئاسة وصفحة شقيقه وبعض المقربين منه من أصدقائه على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك مصادر رسمية يلجأ إليها الصحفي والمواطن للتعرف على نشاط الرئيس وبعض أفكاره الغامضة التي لا يعلم عنها التونسيين إلا الأمر اليسير، فما الذي يفسر هذا التوجه؟

غياب تام عن الإعلام

عرف التونسيون قيس سعيد بخرجاته الإعلامية بعد الثورة للحديث خاصة عن مسائل تخص القانون الدستوري، كان لا يغيب عن نشرات الأخبار، وأي صحفي يتصل به يجيبه على الفور ويجري معه الحوار المطلوب إما بالهاتف وإما مباشرة، كان لا يرد أحدًا، فقد أصبح كالملح في الطعام في وسائل الإعلام.

دخل قيس سعيد السياسة وترشح للرئاسة مستغلًا تلك السمعة الطيبة التي اكتسبها من خلال حضوره الإعلامي المكثف في المؤسسات الإعلامية المحلية، ووصل قصر قرطاج بعد فوزه بأغلبية الأصوات أمام منافسه رجل الأعمال نبيل القروي في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التي أجريت في أكتوبر/تشرين الأول 2019.

دخول سعيد قرطاج غير نظرته للإعلام، أو لعلها كانت نفسها لكن يُخفيها، فقد أغلق أبواب القصر أمام الصحفيين ووسائل الإعلام، وفتحه أمام مريديه وأغلب من عمل معه خلال حملته التفسيرية التي قدم بها نفسه للتونسيين.

قبل قيس سعيد، كان الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي كثيرًا ما يجري الحوارات الصحفية مع وسائل الإعلام التونسية، نفس الشيء بالنسبة للرئيس الأسبق محمد منصف المرزوقي، فقد فتحا قصر قرطاج أمام الصحفيين لإنارة الرأي العام المحلي والخارجي، فالمعلومة يجب أن تؤخذ دائمًا من مصدرها الأول.

يرى العديد من التونسيين أن أحد الأسباب التي تمنع الرئيس من الحضور الإعلامي وإجراء حوارات مع مؤسسات إعلامية تونسية سواء خاصة أم عمومية، خشيته الإفصاح عن برنامجه السياسي الغامض

الحال مع قيس سعيد تغير، تقول الصحفية التونسية منيرة حجلاوي، "إذ أصبحت الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية والصفحات الموالية له تقريبًا هي مصدر المعلومة الوحيد وأحيانًا نستقي نحن الصحفيين المعلومة أو قرارات الرئيس حتى قبل حدوثها خاصة من صفحات المقربين منه من إقالات وتعيينات وإيقافات وغيرها".

تضيف حجلاوي في حديثها لنون بوست، "من المؤكد أن الصحافة التونسية تشكو عدة نقائص ولم تتفاعل إيجابيًا مع أهم مكسب ثوري وهو حرية التعبير، لكن هذا لا يبرر حملة المقاطعة التي لا نعلم إن كانت متعمدة من رئاسة الجمهورية مع وسائل الإعلام التونسية وعلى رأسها الرسمية"، وشددت محدثتنا على ضرورة ألا تضع مؤسسة الرئاسة الجميع في نفس السلة".

وتشير الصحفية التونسية إلى أن الرئيس سعيد يتعامل بحذر مع المشهد الإعلامي في تونس، لكنها لا ترى في طريقة تعاطيه مع الصحافة التونسية قرارًا فرديًا بقدر ما هو قرار نابع من المحيطين والمقربين منه، وتشدد حجلاوي على ضرورة مراجعة الرئيس علاقته مع الإعلام وتطبيق الشعارات التي يقول إنه يؤمن بها وعلى رأسها حرية الصحافة والتعبير حتى يثبت وليس لأنصاره وإنما حتى لمعارضيه أن تونس لن تعود إلى الوراء كما يقول إلى عهد الدكتاتورية والاستبداد والرأي الواحد.

أسماء البراق الصحفية بالتلفزة الوطنية، طلبت إجراء حوار مع الرئيس لكن لم يأتها أي جواب لا بالقبول ولا الرفض، تقول البراق لنون بوست: "المعلومة مغيبة وليس هناك أي أمر واضح، ونحن كصحفيين لا نستطيع أن نفسر للمواطنين أمورًا نحن أنفسنا لم نفهمها".

تضيف أسماء "انتظرت أن تبادر مؤسستي بطلب منها أو بالتنسيق مع دائرة الإعلام بقرطاج بإجراء حوار مع الرئيس لطمأنة التونسيين وللحد من الإشعات والسيناريوهات التي يفحمنا بعض الخبراء، لكن بقينا نقتات من النزر اليسير من أخبار تمدنا بها الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية".

أمام غياب الرئيس طلبت أسماء البراق إجراء حوار معه وفق معايير صحفية لا تخضع للرقابة أو الصنصرة، فالحل الأمثل لمجابهة الأزمات هي مواجهتها، وفق قولها، وأرادت محدثتنا من خلال هذا الحوار سماع أجوبة الرئيس عن أسئلة تتبادر إلى أذهان الجميع وليس إلى خطاب أحادي الجانب يحمل الكثير من التأويلات.

خشية الإفصاح عن برنامجه الغامض

يرى العديد من التونسيين أن أحد الأسباب التي تمنع الرئيس من الحضور الإعلامي وإجراء حوارات مع مؤسسات إعلامية تونسية سواء خاصة أم عمومية، خشيته الإفصاح عن برنامجه السياسي الغامض الذي سبق أن قدم بعض ملامحه قبل وصوله لقصر قرطاج.

يخشى سعيد أن يجبره الصحفي المحاور على الحديث عن رؤيته لنظام الحكم والأحزاب وموقفه من الديمقراطية عمومًا ومن منظمات المجتمع المدني والنقابات العمالية، فهو يريد تنزيل برنامجه شيئًا فشيئًا على أرض الواقع دون أن يكون التونسيون على علم بأدق تفاصيله.

سعيد يريد العودة لزمن بن علي، إذ يرفض الحديث مع وسائل الإعلام ويعمل على تهميشها، كما أصدر أوامر للتضييق على عديد المؤسسات الإعلامية

ويقوم برنامج الرئيس قيس سعيد على معاداة الأحزاب ذلك أن دورها انتهى خلال القرن 20، وأيضًا على رفض عمل الجمعيات باعتبارها بابًا للتدخلات الأجنبية، إلى جانب رفضه للانتخابات التشريعية وتبنيه نظام اللجان الشعبية الشبيه لنظام معمر القذافي.

تأسيس لإعلام السلطة

إلى جانب ذلك، يُفهم من هذا التمشي أيضًا وجود توجه واضح من الرئيس التونسي لإرساء إعلام السلطة وتحول السلطة الرابعة إلى خادم مطيع يسير في فلك قيس سعيد، يحرص التحكم في أفكار الناس وتوجيههم وفق أهواء الرئيس.

ترى الصحفية التونسية إشراق بن حمودة في حديثها لنون بوست، أن سعيد يعتمد سياسة العودة إلى الوراء، حتى يتصدر الإعلام، ونلاحظ هذا في تعامله مع مؤسسات الإعلام التونسية، من ذلك التلفزة الوطنية الرسمية التي فرض عليها عدم إجراء حوارات سياسية وتصدر نشاطه النشرات الإخبارية للقناة.

وفق بن حمودة، فإن سعيد يريد العودة لزمن بن علي، إذ يرفض الحديث مع وسائل الإعلام ويعمل على تهميشها، كما أصدر أوامر للتضييق على العديد من المؤسسات الإعلامية ومصادرة حقها في العمل الإعلامي الحر وخاصة حق النفاذ إلى المعلومة والتواصل مع الجمهور بأريحية.

وتؤكد محدثتنا أن ما يقوم به الرئيس سعيد في علاقته بالإعلام لا ينبئ بخير، فبعد أن منحتنا الثورة مكسب حرية التعبير وأصبحت الصحافة التونسية نوعًا ما حرة في علاقتها بالسلطة والسياسة، ها هو الرئيس يريد الرجوع بنا إلى الوراء، وفق قولها.

وعرفت تونس في الفترة الأخيرة التي أعقبت انقلاب سعيد على الدستور ومؤسسات الدولة ومحاولته السيطرة على كل السلطات، انتكاسة كبرى في مجال الإعلام، إذ شهدت البلاد تضييقات كثيرة ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، جعلت العديد منهم يعبرون عن خشيتهم من خسارة حرية التعبير - إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية إن لم تكن الوحيدة - خاصة أن الرئيس سعيد أظهر عداءً للإعلام منذ توليه السلطة.