ترجمة وتحرير: نون بوست

وثقت صحيفة "واشنطن بوست" في سلسلة تقارير تتكون من 6 أجزاء بعنوان "الحرب مع الحقيقة"، وترجمها "نون بوست"، تمادي الإدارة الأمريكية وقياداتها العسكرية في قول الأكاذيب وتضليل الرأي العام طوال الحملة العسكرية التي استمرت 18 سنة في أفغانستان، وذلك عبر اختلاق الأدلة وتحريف الإحصائيات وقمع الانتقادات اللاذعة والشكوك حول الحرب، لجعل الولايات المتحدة تبدو وكأنها تكسب الحرب بينما لم يكن الأمر كذلك على أرض الواقع.

إليك نص الجزء الرابع من هذه السلسلة:

في أواخر سنة 2017، أطلق القادة العسكريون الأمريكيون في أفغانستان "عملية العاصفة الحديدية" التي انطوت على تنفيذ مجموعة من الغارات الجوية بقاذفات القنابل من طراز بي-52 ومقاتلات إف-22 وطائرات حربية أخرى. وكان الهدف الرئيسي شبكة من مختبرات إنتاج الأفيون السرية زعم مسؤولون أمريكيون بأنها تساعد في توفير حوالي 200 مليون دولار سنويًا من أموال المخدرات لطالبان.

ذكر العميد بالقوات الجوية لانس بانش خلال مؤتمر صحفي متهور في كابول "هذه حرب جديدة ولا نتسامح فيها. هذه هي استراتيجيتنا الجديدة للمضي قدمًا، فقد تغيرت قواعد اللعبة بالتأكيد وطالبان تدرك ذلك بالتأكيد.. لقد تغيرت الحرب".

في غضون سنة، انتهت عملية العاصفة الحديدية وتبين أن العديد من المختبرات المشتبه بها كانت عبارة عن وحدات سكنية خالية ذات جدران طينية. وبعد تنفيذ أكثر من 200 غارة جوية، خلص الجيش الأمريكي إلى أن الاستمرار في تفجير المواقع البدائية بطائرات متطورة وذخائر موجهة بالليزر يعد إهدارًا للموارد.

من بين جميع الإخفاقات في أفغانستان ربما كانت الحرب على المخدرات هي الأكثر فشلا وفقًا لمجموعة من المقابلات الحكومية السرية وغيرها من الوثائق التي حصلت عليها صحيفة "واشنطن بوست".

منذ سنة 2001، أنفقت الولايات المتحدة حوالي 9 مليارات دولار على مجموعة مذهلة من البرامج لردع أفغانستان عن تزويد دول العالم بالهيروين. وفي عشرات المقابلات، اعترفت جهات رئيسية في حملة مكافحة المخدرات بأن الإجراءات التي اتخذوها لم تنجح بل في كثير من الحالات زادت الأمور سوءًا.

أخبر محمد إحسان ضياء، الوزير السابق في مجلس الوزراء الأفغاني المسؤول عن برامج التنمية الريفية، المحاورين في الحكومة الأمريكية بأن الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى لم تستقر أبدًا على استراتيجية فعالة وأنفقت أموالا طائلة لحل مشكلة الأفيون، مؤكدا أنهم دائما ما كانوا يغيرون سياساتهم باستمرار ويعتمدون على مجموعة من المستشارين الذين كانوا يجهلون الكثير من المعطيات بشأن أفغانستان.

هيمنت صناعة الأفيون على الاقتصاد الأفغاني وتسببت في تهميش قطاعات كبيرة أخرى تابعة للحكومة الأفغانية بينما وفّرت لطالبان مصدرًا متزايدًا للإيرادات

أضاف ضياء: "يقرأ الأجانب رواية "عداء الطائرة الورقية" على متن الطائرة ويعتقدون أنهم خبراء في أفغانستان، لكنهم لا يتعظون أبدا"، وذلك في إشارة إلى الرواية الأكثر مبيعًا عن صبي أفغاني يعاني من الممارسات القمعية والصراع العرقي. وذكر ضياء: "هم لايعرفون أن الشيء الوحيد الذي يبرع فيه الأفغان هو تكريس البيروقراطية".

تهيمن أفغانستان على أسواق الأفيون العالمية. وخلال السنة الماضية، أنتجت 82 في المئة من الإمدادات العالمية، وذلك وفقًا لتقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

في تحدٍّ للجهود الأمريكية لمجابهة هذ النشاط، ارتفع إنتاج الأفيون الأفغاني بشكل كبير على مدار الحرب التي استمرت 18 عامًا. وخلال السنة الماضية، زرع الأفغان الخشخاش - وهو النبات الذي يُستخرج منه الأفيون لصنع الهيروين - في مساحة تزيد بأربعة أضعاف عن مساحة الأراضي التي زرعوها في سنة 2002.

في ظل ازدهار نشاطهم، هيمنت صناعة الأفيون على الاقتصاد الأفغاني وتسببت في تهميش قطاعات كبيرة أخرى تابعة للحكومة الأفغانية بينما وفّرت لطالبان مصدرًا متزايدًا للإيرادات، وذلك حسب ما صرح به مسؤولون أمريكيون وأوروبيون وأفغان في المقابلات.

أوضح دوغلاس وانكل، وكيل إدارة مكافحة المخدرات السابق الذي قاد فرقة عمل فدرالية لمكافحة المخدرات في كابول ما بين 2004 و2007، للمحاورين الحكوميين: "كانت المخدرات قضية شائكة لابد من مواجهتها. كانت المشكلة الأكبر هي الفساد في أفغانستان والمخدرات كانت جزءًا لا يتجزأ منه. لا يمكنك التعامل مع أحدهما دون التعامل مع الآخر".

جرّبت الولايات المتحدة وأقرب حليف لها في الناتو، بريطانيا، كل أنواع الاستراتيجيات لتقليص إنتاج الأفيون. لقد قاموا برشوة المزارعين لوقف زراعة الخشخاش، واستأجروا مرتزقة لغزو حقول الخشخاش، ووضعوا خططًا لرش المواد الكيميائية لإتلاف هذا المحصول من السماء. لكن  هذا لم يمنع  زراعة الخشخاش من الازدهار.

قادت وزارة الخارجية وإدارة مكافحة المخدرات معظم تلك الجهود لصالح الولايات المتحدة. خلال معظم الحرب، كافح الجيش الأمريكي لاتخاذ قرار بشأن كيف يمكنه    خوض حروب الأفيون. وفي عهد إدارة جورج دبليو بوش، لم يرغب معظم الجنرالات الأمريكيين في الانخراط في معركة الأفيون. ووفقًا للمقابلات، فقد رأوا في ذلك إلهاءً أو عائقًا لمهمتهم الأساسية ألا وهي محاربة الإرهابيين.

في عهد أوباما، ومع تزايد الأدلة على أن أموال المخدرات تموّل التمرد، بدأ الجنرالات ينظرون إلى الأفيون على أنه تهديد عسكري. نظرا لأن استراتيجية الحرب للجنرالات كانت تعتمد على كسب دعم الشعب الأفغاني، فقد كانوا مترددين في اتخاذ إجراءات يمكن أن تنفر مزارعي الخشخاش منهم - الذين يمثلون شريحة كبيرة من السكان - أو أمراء الحرب الودودين للولايات المتحدة الذين استفادوا من تجارة الأفيون.

حسب أندريه هوليس، الذي شغل منصب المسؤول المدني الأعلى في البنتاغون لقضايا المخدرات من سنة 2001 إلى سنة 2003، ولاحقًا عمل مستشارًا رفيع المستوى في وزارة مكافحة المخدرات الأفغانية، فإن "وزارة الدفاع الأمريكية "لم تفهم في الأساس ما ينطوي عليه التورط في مكافحة المخدرات".

وأضاف في مقابلة له مع المحاورين الحكوميين: "كان الجميع يركز على الأدوار التقليدية. يتحدثون فقط مع من هم في ساحة المعركة. من منظور وزارة الدفاع، كان الأمر تكتيكيًا، ويتعلق بالعثور على عناصر تنظيم القاعدة وقتلهم. كان لكل فرد أجندته الخاصة وكانت مكافحة المخدرات في أسفل قائمة الأولويات".

أجريت المقابلات التي لم يتم الكشف عنها سابقًا بين سنتي 2014 و2018 من قبل مكتب المفتش العام الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (سيغار) في إطار مشروع خاص يسمى "الدروس المستفادة". في حزيران/ يونيو 2018، نشر مكتب المفتش العام الدولي تقريرًا مكونًا من 270 صفحة وثّق فشل الحرب على الأفيون الأفغاني وقدم توصيات سياسية - باستخدام عبارات بيروقراطية بسيطة - للتعامل مع المشكلة.

خلص التقرير إلى أنه "ينبغي وضع استراتيجية أمريكية شاملة لمكافحة المخدرات للتنسيق بين مختلف الوكالات حول أهداف مشتركة طويلة الأجل". وأضاف التقرير "ينبغي مواءمة أهداف استراتيجية مكافحة المخدرات الأمريكية ودمجها مع أهداف الأمن والتنمية والحكومة الأوسع نطاقًا للولايات المتحدة والدولة المضيفة".

تزدهر هذه النباتات في المناخات الدافئة والجافة وهي وفيرة بشكل خاص في ولايات هلمند وقندهار الجنوبية

لكن تقرير الدروس المستفادة حذف أسماء الغالبية العظمى من المسؤولين الذين تمت مقابلتهم وتجاهل انتقاداتهم الشديدة. رفعت صحيفة "واشنطن بوست" دعوى قضائية ضد مكتب المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان في محكمة اتحادية لإجباره على رفع السرية عن نصوص وملاحظات المقابلات بموجب قانون حرية المعلومات.

لاستكمال المقابلات التي أجريت في إطار مشروع الدروس المستفادة، حصلت صحيفة "واشنطن بوست" على العديد من مقابلات التاريخية الشفوية التي أجرتها الجمعية غير الربحية للدراسات الدبلوماسية والتدريب مع المسؤولين الأمريكيين الذين خدموا في أفغانستان، بالإضافة إلى المذكرات السرية التي كتبها وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد حول تجارة المخدرات الأفغانية. وتكشف جميع الوثائق أن العديد من الأشخاص المشاركين في الحرب على الأفيون كانوا يعتقدون أن السياسات التي اتبعوها غير مجدية.

قال مسؤول بريطاني لم يذكر اسمه في مقابلة "الدروس المستفادة" في حزيران/ يونيو 2016: "كنت مقتنعا بأننا كنا نفعل الأشياء الخاطئة وأن التاريخ سيحكم على المسؤولين". وأشار المسؤول إلى أن النتيجة كانت "إرثا يظهر أن ما فعلناه كان ضارا، ويعزى جزء من ذلك إلى أن الناس أغبياء والجزء الآخر لأنهم يختارون بنشاط عدم الاستماع".

قدم مسؤول أمريكي لم يذكر اسمه رواية مماثلة عن الحماقة وألقى باللوم على الاقتتال البيروقراطي في العديد من المشاكل. وأخبر المسؤول الأمريكي المحاورين الحكوميين في أيار/ مايو 2016: "كانت هناك منافسة عنيفة في واشنطن، ليس فقط داخل الكونغرس بين كابيتول هيل والإدارة، وإنما أيضًا بين أجزاء مختلفة من الإدارة. كان من المحزن رؤية الكثير من الناس يتصرفون بغباء".

يقوم المزارعون الأفغان بزراعة أنواع مختلفة من خشخاش الأفيون - الخشخاش المنوم - لأجيال. مع القليل من الري، تزدهر هذه النباتات في المناخات الدافئة والجافة وهي وفيرة بشكل خاص في ولايات هلمند وقندهار الجنوبية - قلب التمرد. عند تفتحها بالكامل، تبدو الأزهار مهيبة في ظلال متوهجة من الأبيض أو الوردي أو الأحمر أو الأرجواني. وبعد سقوط البتلات، يُغطى الجذع ببذرة بحجم البيضة. وفي وقت الحصاد، يقوم عمال المزارع بفتح الثمرة لتصريف النسغ الأبيض اللبني الذي يقع تجفيفه وتحويله إلى مادة صمغية.

بمجرد نقل راتنج الأفيون إلى مختبرات الأدوية أو المصافي، تقع معالجته إلى مورفين وهيروين. يغذي الأفيون الأفغاني الطلب على الهيروين في أوروبا وإيران وأجزاء أخرى من آسيا. لكن واحدة من الأسواق القليلة التي لا تصل إليها هي الولايات المتحدة، التي تحصل على معظم الهيروين من المكسيك المجاورة، وذلك وفقًا لإدارة مكافحة المخدرات.

photo
مزارع الخشخاش في سنة 2005 في بانشار شمال شرق أفغانستان.
صورة
 مزارع يحصد عصارة الأفيون من حقل الخشخاش في منطقة بانجواي بإقليم قندهار في سنة 2015.

من المفارقات أن القوة الوحيدة التي أظهرت قدرةً على شلّ صناعة المخدرات الأفغانية هي حركة طالبان. في تموز/ يوليو 2000، عندما سيطرت طالبان على معظم البلاد، أعلن زعيمها ذو العين الواحدة الملا محمد عمر أن الأفيون يتنافى مع الشريعة الإسلامية وفرض حظرًا على زراعة الخشخاش. وقد دُهش العالم بنجاح هذا الحظر. خوفا من طالبان، توقف المزارعون الأفغان على الفور عن زراعة الخشخاش. وقدرت الأمم المتحدة أن زراعة الخشخاش تراجعت بنسبة 90 بالمئة من سنة 2000 إلى سنة 2001.

أثار هذا الحظر اضطرابات في أسواق الهيروين العالمية وعطل الاقتصاد الأفغاني. لكن حتى اليوم، يتذكر الأفغان هذه اللحظة برهبة ويقولون إنها تظهر التعاسة النسبية للحكومة الأفغانية الحالية والولايات المتحدة وحلفائهم في حروب الأفيون.

أفاد توريالي ويسا، الحاكم السابق لمقاطعة قندهار، في مقابلة "الدروس المستفادة": عندما أمرت حركة طالبان بوقف زراعة الخشخاش، استطاع الملا عمر أن يطبق الحظر بصرامة. لم يقم أحد بزراعة الخشخاش بعد صدور الأمر. الآن، جاءت مليارات الدولارات ووقع تسليمها إلى وزارة مكافحة المخدرات. ولكن ذلك لم يكن له أي تأثير. بل إن زراعة الخشخاش زادت".

كانت طالبان تأمل أن يحظى حظر الأفيون لسنة 2000 بتأييد واشنطن وأن يغري الولايات المتحدة لتقديم مساعدات إنسانية. لكن هذه الآمال انهارت عندما شنّ تنظيم القاعدة - الذي قدمت له طالبان ملاذًا - هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. وبمجرد أن غزا الجيش الأمريكي أفغانستان وأطاح بطالبان في سنة 2001، استأنف المزارعون الأفغان زراعة بذور الخشخاش. ووفقا للمقابلات، كان المسؤولون الأمريكيون قلقين بشأن انتعاش إنتاج الأفيون لكنهم ركزوا على أولويات أخرى، مثل البحث عن أسامة بن لادن وزعماء آخرين في القاعدة.

طلب الرئيس بوش من الأمم المتحدة وحلفاء الناتو معالجة مشاكل إنتاج الأفيون وتهريبه. ومن جهتها، وافقت بريطانيا على تولي المسؤولية لكن البداية كانت كارثية حسب المقابلات. في ربيع 2002، قدّم المسؤولون البريطانيون عرضًا لا يقاوم. لقد وافقوا على دفع 700 دولار لمزارعي الخشخاش الأفغان - وهي ثروة في البلد الفقير الذي مزقته الحرب - مقابل تدمير محاصيلهم.

لكن خبر البرنامج الذي تبلغ تكلفته 30 مليون دولار خلق تهافتًا على زراعة الخشخاش. فقد كان المزارعون يزرعون أكبر عدد ممكن من نبات الخشخاش، وقدموا جزءًا من محصولهم للبريطانيين بينما كانوا يبيعون الباقي في السوق المفتوحة. كان آخرون يجمعون عصارة الأفيون مباشرة قبل تدمير المحصول ومع ذلك يحصلون على أموال على أي حال.

صورة
جنود من مشاة البحرية الأمريكية يراقبون تفجير ثلاث قنابل تزن ألف رطل تُلقى على أكثر من 1600 كيس من بذور الخشخاش اكتُشفت بعد غارة في سنة 2009 في ولاية هلمند.

في مقابلة "الدروس المستفادة"، وصف الخبير الزراعي البريطاني أنتوني فيتزهيربرت برنامج النقد مقابل الخشخاش بأنه "قطعة مروعة من السذاجة الخام الكاملة"، قائلا إن الأشخاص المسؤولين "ليس لديهم معرفة بالفروق الدقيقة وأنا لا أعرف إذا كانوا مهتمين حقا".

قال المسؤولون الأمريكيون إن البريطانيين يريدون أن يُنظر إليهم على أنهم يفعلون شيئا ما، على الرغم من أنهم لا يثقون كثيرا في نجاح البرنامج. وأقرّ مايكل ميترينكو، الدبلوماسي الأمريكي السابق الذي خدم بالسفارة في كابول في ذلك الوقت، بأن النتائج كانت متوقعة.

أفاد ميترينكو في مقابلة شفهية عن التاريخ: "الأفغان مثل معظم الناس على استعداد تام لقبول مبالغ كبيرة من المال والوعد بأي شيء إذا علموا أنك سترحل. كان البريطانيون يأتون ويوزعون مبالغ من المال فيقول الأفغان 'نعم، نعم، نعم، سنحرقه الآن'، ويغادر البريطانيون. وبعد ذلك، يحصل الأفغان على مصدرين للدخل من نفس المحصول".

كان المزارعون الأفغان يحرثون المزيد من التربة لزراعة الخشخاش وكان البريطانيون يكافحون للتعامل مع مشكلة الأفيون، في الأثناء كانت إدارة بوش تناقش ما إذا كانت ستشارك في ذلك وكيف. لكن الخلل البيروقراطي في واشنطن كان بنفس السوء في لندن، وذلك وفق ما أظهرته المقابلات والوثائق الأخرى. كان من المفترض أن يتولى المكتب الدولي لمكافحة المخدرات وإنفاذ القانون التابع لوزارة الخارجية مسؤولية السياسة الأمريكية. لكن البنتاغون اتخذ قرارا بشأن ما حدث في أفغانستان، ولم يكن متأكدا مما يجب فعله.

في مذكرة سرية نشرت في تشرين الأول/أكتوبر سنة 2004، أبلغ رامسفيلد العديد من كبار مسؤولي البنتاغون أن وزيرة الدفاع الفرنسية، ميشيل أليوت ماري، أبلغته مؤخرا أنها قلقة من خروج تجارة الأفيون عن السيطرة وقدرتها على إضعاف قبضة الرئيس الأفغاني حامد كرزاي على السلطة. وفي هذا الصدد، كتب رامسفيلد قائلا: "إنها تعتقد أنه من المهم التحرك على وجه السرعة، لتجنب تحكم أموال المخدرات في انتخابات البرلمان الأفغاني، ومنع البرلمان من معارضة كرزاي وإدخال الفساد على الحكومة".

صورة
ضابط مكافحة مخدرات أفغاني يعرض الهيروين الذي تمت مصادرته سنة 2006 في كابول. 
صورة
المخدرات المصادرة من الاعتقالات في انتظار اختبار المخدرات في سنة 2009 في مختبر المخدرات الوحيد التابع لإدارة الشرطة الأفغانية، في كابول. 

لم يكن لدى رامسفيلد إجابة جاهزة، حيث أفاد قائلا: "أخبرتها أنني سأعود إليها". بعد مرور شهر، أرسل رامسفيلد مذكرة سرية أخرى إلى دوغ فيث، رئيس البنتاغون، للشكوى من نهج إدارة بوش الذي لا هدف له، حيث كتب رامسفيلد: "فيما يتعلق باستراتيجية المخدرات في أفغانستان، يبدو أنها غير متزامنة، ولا أحد يتولى زمام الأمور، كما يجب على وزارة الخارجية تطوير استراتيجية. تريد دول أخرى في المنطقة المشاركة، على غرار باكستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان إلى جانب أفغانستان. فلماذا لا تبحث عما يمكنك فعله حيال ذلك".

كشف البنتاغون عن مذكرات رامسفيلد ردا على دعوى قضائية بموجب قانون حرية المعلومات رفعت في سنة 2017 من قبل أرشيف الأمن القومي، وهو معهد أبحاث غير ربحي في جامعة جورج واشنطن. كانت هذه المذكرات من بين مئات الصفحات من المذكرات، المعروفة باسم "رقاقات الثلج"، التي تحدث فيها رامسفيلد عن الحرب الأفغانية بين سنتي 2001 و2005. وفي الوقت ذاته تقريبا، كانت المخاوف بشأن الأفيون تتصاعد في سفارة الولايات المتحدة في كابول، وذلك وفقا لما أظهرته وثائق أخرى.

في برقية دبلوماسية صادرة في أيلول /سبتمبر سنة 2005، حذّر سفير الولايات المتحدة آنذاك، رونالد نيومان، البيت الأبيض ووزارة الخارجية من أن "المخدرات قد تكون هي العامل الذي يسبب الفساد" والذي من شأنه أن يقضي على الديمقراطية الوليدة في أفغانستان. وكتب نيومان في البرقية: "يخشى العديد من معارفنا من أن قطاع المخدرات المزدهر يمكن أن يخرج الفساد الأفغاني عن سيطرة أي شخص. إنهم يخشون من أن الكم الهائل من الأموال غير المشروعة من زراعة الأفيون ومعالجته والاتجار به يمكن أن يخنق الدولة الأفغانية الشرعية التي ما تزال في بدايتها."

في المقابل، لم يتمكن مسؤولو إدارة بوش من الاتفاق على مسار العمل. وفي هذا الصدد، قال باتريك فاين، الذي شغل منصب مدير بعثة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لأفغانستان من سنة 2004 إلى 2005، في مقابلة التاريخ الشفوي: "قالت بعض المجموعات، دعونا ندخل ونقتلع الأفيون ونرشه بالمواد السامة، دعونا نتعامل مع هذا الأمر على أنه عمل إجرامي".

صورة
 الشرطة الأفغانية تدمر حقل أفيون في إقليم بدخشان سنة 2006 أمام مزارع محلي. 

في المقابل، قال فاين إن أناس آخرين أجابوا "أن هؤلاء مجرد مزارعين فقراء، إذا عاملناهم كأعداء، فنحن فقط نصنع الأعداء. وإذا كنا نحاول إرساء الاستقرار في البلاد، فنحن لا نريد أن نقلب الجماهير ضدنا. لقد كانوا يزرعون الأفيون منذ ألف عام هنا وإذا اقتلعنا حقولهم، فإننا نساهم في إفقارهم".

قال العميل السابق لإدارة مكافحة المخدرات، وانكل، إن البنتاغون والحكومة البريطانية كانا بطيئين في إدراك حقيقة أن المخدرات تغذي التمرد. وذكر وانكل في مقابلة مشروع "الدروس المستفادة" أن "الجيش الأمريكي لم يرغب في التعامل مع قضية المخدرات، ولقد خلق مشكلة جديدة تماما لم يكن الجيش يعرف كيفية التعامل معها".

اتخذ مكتب الهجرة والتجنيس في سنة 2004 موقفا متشددا بعد أن حثّه الكونغرس على اتخاذ إجراء ما. واستأجرت الوكالة جيشا صغيرا متكوّنا من 1200 مقاول أمنيّا لقمع زراعة الأفيون، بما في ذلك مرتزقة من جنوب أفريقيا ومحاربون قدامى في حروب البلقان وجنود جورخا من نيبال، وفقا لرونالد مكمولين، الذي شغل منصب مدير مكتب الوكالة في أفغانستان وباكستان من سنة 2006 إلى سنة 2007.

في مقابلة التاريخ الشفوي، قال ماكمولن إنه عندما تولى مسؤولية المكتب، شعر بالحيرة تجاه بعض التكتيكات التي استخدمها المتعاقدون وشرطة مكافحة المخدرات الأفغانية. وأضاف ماكمولن قائلا: "لقد صُدمت عندما علمت أن وحدة شرطة مكافحة الأفيون التي تمولها الولايات المتحدة كانت تقضي على نبات الأفيون الأفغاني بأيديهم. كنا نرسل شاحنة من شرطة مكافحة المخدرات إلى حقل الأفيون المزهر، وكان رجال الشرطة يقفزون من الشاحنة ويلتقطون العصي ويمشون في الحقل ويضربون الأفيون بالعصي".

كان هناك ضغط سياسي هائل من واشنطن ولندن لإبراز نجاح برامج مكافحة الأفيون. وفي إحدى مقابلات "الدروس المستفادة"، قال متعاقد سابق مع الحكومة البريطانية مجهول الهوية إن المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين والأمم المتحدة بالغوا في البيانات المقدمة ليبدو الأمر كما لو أنهم دمروا حقول أفيون يتجاوز عددها الحقول التي دمرت في الفترة الممتدة بين سنة 2005 إلى 2007. وقال المقاول البريطاني السابق للمحاورين التابعين للحكومة الأمريكيّة: "لقد كان هناك إفراط منهجي في الإبلاغ والترهيب لكن لم يرغب أي أحد في توثيقه، وانتهى بنا المطاف بجمع أرقام غير معقولة". وأخبر نيومان، الذي كان سفير الولايات المتحدة في كابول، المحاورين الحكوميين أنه كانت هناك "محاولات ضغط يائسة لتحقيق نتائج قصيرة الأجل".

صورة
القوات الأفغانية تقطع نباتات الأفيون في عام 2009 في ولاية بدخشان. 

في مقابلة لمشروع الدروس المستفادة سنة 2015، قال نيومان إن برامج الاستئصال المعيبة كانت "مدفوعة برغبة الكونغرس في رؤية نتائج ملموسة"، على الرغم من أنه كان من الواضح أنه لا وجود لحل بسيط. وأضاف نيومان أن "واشنطن لم تستوعب أن المجهودات الناجحة لمكافحة المخدرات ستكون نتيجة لجهود التنمية الريفية الهائلة".

أراد العديد من المشرعين الأمريكيين ومسؤولي إدارة بوش تبنّي نهجا عدوانيا دعمته واشنطن في كولومبيا لمكافحة تهريب الكوكايين. وقد كان جزء أساسي من هذا البرنامج، المعروف باسم خطة كولومبيا، يتمثل في الرش الجوي لمبيدات الأعشاب للقضاء على نباتات الكوكا، على الرغم من مخاوف من أن المواد الكيميائية يمكن أن تسبب السرطان. وصفت إدارة بوش خطة كولومبيا بأنها ناجحة، لكن بعض المسؤولين الأمريكيين قالوا إنه كان من الخطأ الاعتقاد بأن هذه الخطة قد تنجح في أفغانستان.

أخبر جون وود، وهو أحد موظفي مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض في عهد بوش، المحاورين الحكوميين أن رئيس كولومبيا آنذاك، ألفارو أوريبي، كان حليفا موثوقا يدعم الرش الجوي. وأضاف وود: "كان أوريبي قائدا ذا مصداقية ومرتبط بالتمرد والمخدرات، وكان الجيش الكولومبي كفؤا. وقد كان هناك التزام مع الولايات المتحدة، حيث كان المنتج النهائي [الكوكايين] متوجها إلى الولايات المتحدة".

في المقابل، كانت قوات الأمن الأفغانية أضعف بكثير وكان لدى كرزاي، الرئيس الأفغاني، تحفظات كبيرة بشأن الرش. ووفقا لمقابلات "الدروس المستفادة"، مارس بعض كبار المسؤولين في إدارة بوش ضغطا على كرزاي للسماح بالرش. في المقابل، عارض أمريكيون آخرون ذلك.

كان للقادة العسكريين الأمريكيين القلقين بشأن المخاطر الصحية المحتملة لقواتهم، ذكريات لحرب فيتنام، عندما قامت القوات الأمريكية برش العامل البرتقالي، مادة سامة، على الغابات الاستوائية. كما كره المسؤولون البريطانيون فكرة الرش الجوي وضغطوا على كرزاي لمعارضتها.

جعل الخلاف كرزاي أكثر تشككا في دوافع الولايات المتحدة. ورفض خطة الرش ورد ببرود على المقترحات الأخرى لتقييد زراعة الخشخاش ومحاكمة مهربي الأفيون المشتبه بهم. في هذا الصدد، قال ماكمولن، المدير السابق لمكتب شؤون المخدرات الدولية، في مقابلته عن التاريخ الشفوي إن "كرزاي حثّ على شن حملة فعالة لمكافحة المخدرات كان بمثابة مطالبة الرئيس الأمريكي بوقف جميع الأنشطة الاقتصادية الأمريكية غرب المسيسيبي. كان هذا هو حجم ما كنا نطلب من الأفغان أن يفعلوه".

تغيّرت السياسة الأمريكية فور تولّي باراك أوباما منصبه سنة 2009. وكتب ريتشارد هولبروك، الممثل الخاص الجديد لوزارة الخارجية لأفغانستان وباكستان، مقال رأي في صحيفة "واشنطن بوست" خلال السنة السابقة ينتقد فيه جهود إدارة بوش في القضاء على الخشخاش على أنها "البرنامج الأقل فاعلية في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية". وعند توليه منصبه، تسبّب هولبروك في توقف عملية الاستئصال. وحوّلت الحكومة الأمريكية تركيزها إلى البرامج التي حاولت إقناع مزارعي الخشخاش الأفغان بالتحول إلى محاصيل أخرى أو تبني سبل عيش أخرى تماما.

في المقابل، جاءت هذه الجهود بنتائج عكسية في الغالب. ففي ولاية هلمند، مركز حزام الخشخاش، دفعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والجيش الأمريكي للأفغان مقابل حفر أو تجديد أميال من القنوات لري أشجار الفاكهة والمحاصيل الأخرى. لكن القنوات عملت كذلك على ري نبات الخشخاش - الذي كان يدرّ أكثر ربح.

بالمثل، استثمرت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ملايين الدولارات لإغراء مزارعي هلمند لبدء عمليات زراعة القمح. وبينما زاد إنتاج القمح، نقل المزارعون حقول الخشخاش إلى أجزاء أخرى من المقاطعة. بين 2010 و2014، تضاعفت زراعة الخشخاش في جميع أنحاء البلاد تقريبا، وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة.

اقترح بعض المسؤولين الأمريكيين أن جزءا من المشكلة هو أن واشنطن أساءت فهم أفغانستان بشكل أساسي واعتبرت الأفيون عن طريق الخطأ مجرد محصول آخر. قال بارنيت روبين، وهو خبير أكاديمي في أفغانستان عمل كمستشار أول لهولبروك، في مقابلة "الدروس المستفادة": "أفغانستان ليست دولة زراعية. هذا وهم بصري". وأضاف: "أكبر صناعة هي الحرب ثم المخدرات ثم الخدمات. تأتي الزراعة في المركز الرابع أو الخامس".

شعر القادة العسكريون الأمريكيون بالارتياح لقرار إدارة أوباما بالتخلي عن برامج القضاء على الخشخاش. لقد اعتبروهم مصدر إزعاج غير ضروري للقرويين الأفغان الذين كانوا يحاولون كسب ولائهم، وذلك وفقا لوليام ويشسلر، الذي شغل منصب كبير المدنيين في البنتاغون المسؤول عن قضايا المخدرات من 2009 إلى 2012.

في الوقت نفسه، كان المسؤولون العسكريون قلقين بشكل متزايد من أن تجارة الأفيون توفر مصدر دخل رئيسي لطالبان، التي فرضت ضرائب على المزارعين والمتاجرين. وقال ويشسلر لمحاوري الحكومة إن القادة الأمريكيين أرادوا بشدة حرمان طالبان من أموال المخدرات لكنهم لم يكونوا متأكدين من كيفية القيام بذلك. وأضاف: "الموقف العسكري كان 'ماذا نفعل إذن؟' لقد كان ذلك أكثر غموضا". 

قال ويشسلر إن القادة كانوا منفتحين على دمج تطبيق القانون ومنع المخدرات وحتى برامج التنمية الاقتصادية في إستراتيجيتهم لمكافحة التمرد، لكنهم لم يتلقوا أوامر واضحة من إدارة أوباما. وأضاف: "لست على علم بأي جهد مدني أخبر الجيش بما يجب أن يفعله في مكافحة المخدرات. كان يمكن للجيش أن يسعد باستراتيجية مدنية لمكافحة المخدرات".

صورة
تلاميذ المدارس يغادرون الحقول بعد أن ساعدوا في تجهيز التربة لزراعة بذور الخشخاش سنة 2013 في قرية شام كالاي، في ولاية ننكرهار الشرقية، وهي منطقة تسيطر عليها حركة طالبان إلى حد كبير.

​​

غير أن تود غرينتري، المسؤول السابق بوزارة الخارجية والذي عمل مستشارا سياسيًا للجيش الأمريكي في أفغانستان من 2008 إلى 2012، قال إنه ثبت أنه من المستحيل وضع استراتيجية متماسكة لجميع أذرع الحكومة الأمريكية. وقال في مقابلة شفهية عن التاريخ: "كان هناك تناقض بين مكافحة المخدرات ومكافحة التمرد، لأن الكثير من سكان الريف يعتمدون على الدخل من إنتاج الأفيون. عمليات مكافحة التمرد التي اعتمدت على دعم السكان سوف تتعطل بسبب عمليات مكافحة المخدرات التي كان الهدف منها القضاء على الأفيون". وأضاف: "كنا دائما نتجادل ونتناقش في ذلك. ولكن على مستوى السياسة، كان هناك تناقض ترك بلا إدارة".

المصدر: واشنطن بوست