أرشيفية

أرشيفية

لا تزال الانتخابات في ليبيا، المزمع إجراؤها في 24 من ديسمبر/كانون الأول المقبل، تتجه نحو الغموض أكثر فأكثر، بسبب تواصل الخلافات بين أطراف الصراع الذي ينبئ بدوره بانهيار دور ملتقى الحوار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، وذلك في وقت تتصاعد فيه الأدوار الإقليمية المختلفة بين باحث عن تلافي خطورة نتائج انهيار المسار الانتخابي وآخر يسعى للدفع نحو تعزيز أجندته في بلد يعاني من عدم الاستقرار والاقتتال على السلطة.

 

في ليبيا، لا تتوقف التعقيدات والإشكالات بسبب حالة الانسداد السياسي وتعنت الفرقاء وتراكم الأزمات المختلفة التي عمقت الفوضى بكل أشكالها، لذلك فإن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في 24 من ديسمبر/كانون الأول بات أمرًا مستبعدًا خاصة بعد محاولة مجلس النواب (برلمان طبرق) تجاوز كل الأطراف السياسية المعنية بإنجاز متطلبات الاستحقاق الانتخابي، وانفراده بإصدار قانون انتخابات مفصل بمقاس حلفائه، ودخول اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) خط الخلافات وانحيازها لمعسكر الشرق. 

تعقيدات الداخل

بعد أن تحدد موعد الانتخابات، يبدو أن الليبيين عالقون في مأزق كبير بسبب عدم توافق الفرقاء على تجاوز أهم العراقيل والخلافات ما يعني أن الوضع قد يتعقد أكثر فأكثر في حال لم ينجحوا في تنظيم استحقاق 24 من ديسمبر/كانون الأول، وبالتالي ستعود ليبيا إلى المربع الأول للفوضى، فاللواء المتقاعد خليفة حفتر سيخلق ذريعة للإعلان عن انتهاء صلاحية الحكومة الانتقالية.

أول تعقيدات المشهد السياسي الليبي، كانت المواقف والمطالب التي أعلنها بيان اللجنة العسكرية وتستهدف تعديل الأولويات وموازنتها خاصة أن قائد قوات الشرق الليبي خليفة حفتر يقدم إخراج المرتزقة على أي مطالب أخرى في حين يولي رئيس الحكومة عبد الحميد دبيبة اهتمامه الأكبر بتوحيد المؤسسة العسكرية.

اللجنة العسكرية في بيانها الموقع تجاوزت دورها الفني المحدد في تثبيت وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتوحيد المؤسسات، إلى الانخراط في السياسة، خلافًا لبروتوكول تأسيسها المنبثق عن مؤتمر برلين الأول، في يناير/كانون الثاني العام الماضي، الذي أسماها مسارًا عسكريًا منفصلًا عن المسارين السياسي والاقتصادي.

بيان اللجنة في مجمله يتناقض مع المبادئ التي جرى على أساسها الاتفاق السياسي، المتمثل في عدم توقيع أي اتفاقيات جديدة أو إلغاء أي اتفاقيات سابقة

فالمطالب التي احتواها بيانها الموجه للمجلس الرئاسي والحكومة والبعثة الأممية، يعد انحيازًا مفضوحًا لمعسكر شرق ليبيا، من خلال مطالبتها بتجميد الاتفاقيات العسكرية ومساواتها بين الوجود العسكري التركي الشرعي (اتفاقيات) والروسي غير الشرعي (مرتزقة)، وتدخلها في الشأن السياسي، بطلبها الضغط على ملتقى الحوار السياسي لإنجاز القاعدة الدستورية للانتخابات.

في سياقٍ ذي صلة، يرى المراقبون أن مضامين أخرى حملها البيان يبدو أنها ستمهد لمواقف جديدة، يمكن أن تتجاوز مخاطر انهيار العملية السياسية إلى عودة شبح الحرب، ولا يخفى الميل الواضح في لغة بيان اللجنة لمصالح معسكر اللواء المتقاعد خليفة حفتر، خصوصًا أن كفة صنع القرار داخلها باتت راجحة لصالح منطقة الشرق الليبي، بعد حالة التشظي التي تعيشها مكونات الغرب العسكرية.

من هذا الجانب، فإن بيان اللجنة في مجمله يتناقض مع المبادئ التي جرى على أساسها الاتفاق السياسي، المتمثل في عدم توقيع أي اتفاقيات جديدة أو إلغاء أي اتفاقيات سابقة، مع اقتصار سريان الاتفاقيات التي تعقدها الحكومة الحاليّة على فترة عملها التي يفترض أن تنتهي بعد نحو 4 أشهر عقب إجراء الانتخابات.

مأزق القاعدة الدستورية

تعاني ليبيا من حالة جمود منذ انقضاء مهلة الأول من يوليو/تموز دون إجراء التعديلات الدستورية اللازمة والقانون الانتخابي الذي سيعتمده البرلمان للسماح بتنظيم الاقتراع، فيما تعمل البعثة الأممية على ترتيب جلسة جديدة لأعضاء "ملتقى الحوار السياسي"، بهدف التصويت على القاعدة الدستورية.

الترتيبات تجري تحت وطأة ضغوط تمارسها كل من مصر والولايات المتحدة وفرنسا على السلطة الحاليّة، من أجل تجاوز الخلافات وتسريع وتيرة الاستعداد للانتخابات، التي تتواصل عمليات الدعم اللوجيستي والفني الخاصة بها، وسط توقعات بأن يتم الاتفاق على نظامها قبل نهاية الشهر المقبل، حتى تعلن لجنة الانتخابات الجدول الزمني للعملية التي تتمسك البعثة الأممية بإجرائها في الـ24 من ديسمبر/كانون الأول المقبل، من دون أي تأخير.

ونتيجة للمأزق والتحذير لما قد يترتب على ذلك إذا لم يتم إحياء المفاوضات بسرعة، عاد قائد قوات الشرق الليبي خليفة حفتر إلى المسرح السياسي كما يقول تقرير معهد الدراسات الأمنية الإفريقية، إذ ترى الخبيرة سيلفيا كولومبو أنه "استغل الجمود لإعادة إدخال نفسه في العملية السياسية خلال الأسابيع القليلة الماضية، وأصر بصوت عالٍ على أن الجيش لن يخضع أبدًا للسيطرة المدنية" وفق تعبيرها.

 

ويدرك المعارضون لإقرار قاعدة دستورية مؤقتة أن من شأن أي تساهلٍ في هذا الاتجاه منح حفتر ومعسكره مكاسب عجز عن تحصيلها بالقوة العسكرية، في حين يدرك الطرف المقابل أن القبول بخيارات فيها مساس بموعد الانتخابات المدون في خريطة الطريق وبأرضية دستورية تفرض شروطًا دقيقة على المرشحين (الجنسية المناصب السياسية) من شأنه تغيير موازين القوة لغير صالحهم، وإعادة توزيع التوازنات السياسية والجهوية القائمة حاليًّا.

البرلمان وخريطة الطريق

من المعلوم أن خريطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة في ليبيا تضمنت عدة أسس من بينها توحيد المؤسسات وخاصة منها العسكرية والأمنية وتحقيق المصالحة الوطنية وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وصولًا إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في 24 من ديسمبر/كانون الأول المقبل، إلا أن مجلس النواب يبدو أنه مُصرٌ على مخالفة الاتفاق السياسي.

 

بدورها تنص القرارات الدولية المنظمة للاتفاق السياسي على أن قوانين الانتخابات المستقبلية سواء برلمانية أم رئاسية لا بد أن تكون بالتوافق بين المجلسين (البرلمان والأعلى للدولة)، وأي أمر خلاف ذلك يعتبر باطلًا ولن يمر مثله مثل موضوع المناصب السيادية (محافظ البنك المركزي)، إلا أن مجلس النواب برئاسة المستشار عقيلة صالح تجاوز هذه الخطوط ووافق خلال جلسة ماضية على مشروع قانون انتخاب الرئيس بشكل مباشر من الشعب، قبل أن يتم إحالة المشروع للجنة التشريعية والدستورية للصياغة النهائية.

أدوار الخارج

يبدو أن تأزم الوضع الداخلي في ليبيا لا يعود بالأساس إلى اختلاف وجهات نظر الفرقاء بقدر ما هو صراع بين قوى إقليمية تتنافس على اقتسام النفوذ في هذا البلد النفطي، فتضارب الرؤى بشأن أولوية استحقاقات الرئاسية أم التشريعية، لا يتعدى كونه محاولة كل طرف الاحتفاظ بمقعده للنهاية بما يحقق مصالحه ومصالح حلفائه الإقليميين والدوليين دون النظر إلى المصلحة العليا لليبيا. 

عمليًا، تروج الإمارات ومصر ومن ورائهم فرنسا إلى أن الغرب الليبي يعمل على تأجيل الانتخابات من أجل إعداد بديل يمكّنه من السيطرة على الدولة بصياغة شروط على المقاس، والحال أن الغرب يتخوف من أن التعجيل بالانتخابات الرئاسية من احتمالية تغول الرئيس القادم إذا تم انتخابه قبل وضع الدستور والمصادقة عليه.

أما المخاوف التي يسوقها حلفاء حفتر والمتعلقة بتمديد عمل حكومة الوحدة الوطنية فهي واهية إلى حد بعيد، ففي حال إجراء انتخابات تشريعية وتأجيل الرئاسية، فإن عملها لن يتجاوز أدوار حكومة تصريف الأعمال؛ أي لن تكون قادرة على مباشرة أي اتفاقيات أو أي معاهدات.

على الجانب الآخر، يحاول الشرق المدعوم من مصر الدفع ببرلمان صالح إلى فرض انتخاب الرئيس بصفة مباشرة من الشعب من أجل استغلال الشرعية الشعبية والتفويض على شاكلة تفويض السيسي في مصر وقيس سعيد في تونس تمهيدًا للسيطرة الكاملة على مفاصل الدولة خاصةً في ظل عدم النص على صلاحياته دستوريًا.

بعيدًا عن المحاور، فإن الأمم المتحدة الراعي للحوار تتحمل جزءًا كبيرًا من الأزمة من خلال مواقفها غير الحاسمة والحازمة، ففي اجتماع منتدى الحوار السياسي الليبي السابق، طرح رايزيدون زينينجا، نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة، فكرة تأجيل الانتخابات أو إجراء انتخابات برلمانية فقط وهو ما يتعارض مع خريطة الطريق التي أقرتها، وذلك رغم إقرار واشنطن على لسان سفيرها ريتشارد نورلاند بضرورة إجراء الاستحقاقات في توقيتها.

 

هذا الموقف من شأنه أن يفتح الأبواب للتلاعب بخريطة الطريق وتطويعها من وكلاء القوى الفاعلة على الأرض خدمةً لأجندتهم السياسية، لذلك فإن المس بهذه الخريطة يعني ضرب شرعية حكومة الوحدة الوطنية والمسار الذي ترتب على الاتفاق السياسي برمته، ما يعني أيضًا أن الأمم المتحدة ما زالت تبحث إلى الآن عن معالجة ضرورية لاختلال التوازن الدولي في ليبيا، وإحداث توازن مع مصالح أمريكا والدول الأوروبية.

قد يبدو تاريخ 24 من ديسمبر/كانون الأول تاريخًا مفصليًا في الأزمة الليبية، يُنهي حالة الانقسام والصراع على السلطة، إلا أن الواقع على الأرض يوحي باختلال مسارات خريطة الطريق السياسية والعسكرية والاقتصادية، فالاقتصار على تنظيم انتخابات دون المصادقة على الدستور مجازفة قد تعيد ليبيا إلى المربع صفر خاصة أن الصراعات المسلحة التي عرفتها البلاد أفرزت مافيات تمتلك المال والسلاح قادرة على تطويع القانون والمؤسسات.