في إحدى الندوات التي عُقدت قبل عامَين تقريبًا على هامش فعاليات مدينة البعوث الإسلامية بالقاهرة، شارك فيها نخبة من الطلاب الوافدين الدارسين بجامعة الأزهر (مع عدد من باحثي التاريخ بجامعة القاهرة)، وكان محورها "مقاومة المستعمر الأجنبي في ميزان التاريخ والشريعة"، التقيتُ حينها بـ 3 من طلاب جمهورية جزر القمر الإسلامية.

كانت تلك هي المرة الأولى التي ألتقي خلالها وافدين من تلك الدولة، حديثة الانضمام إلى الجامعة العربية، وانصبَّ الحديث عن محور الندوة، وحينها لم تكن لدي رؤية كاملة عن الظروف السياسية والتاريخية لهذا البلد، ثالث أصغر دولة من حيث المساحة في القارّة الإفريقية.

وبعد سجال استمرَّ قرابة الساعة تقريبًا، انتفض أحد الطلاب ويُدعى تقي جوهر، قائلًا: "يا دكتور فرنسا كلمة السر"، وتابعَ: "نحن الدولة الوحيدة في العالم التي كسرت الأرقام القياسية في عدد الانقلابات، والفضل في ذلك يرجع للإليزيه الذي لا يريدُ لبلادنا إلا أن تظلَّ أسيرة استعماره رغم استقلالنا قبل أكثر من 40 عامًا".

جزر القمر، دولة لا تتجاوز مساحتها 1.862 كيلومترًا مربّعًا، وتتكون من 4 جزر رئيسية في أرخبيل بركاني (القمر الكبرى - موهيلي - أنجوان - مايوت)، بالإضافة إلى العديد من الجزر الأصغر مساحةً، تعدّ النموذج الأكثر قبحًا للتدخُّلات والانتهاكات الفرنسية خلال التاريخ المعاصر.

ورغم استقلالها عن المستعمر الفرنسي الذي جثمَ على صدور شعبها لعقود طويلة، عام 1975، إلا أنها في أقل من رُبع قرن شهدت أكثر من 20 انقلابًا ومحاولة انقلاب، في سابقة لم تشهدها سجلّات الدول في تاريخها الحديث، وكانت الأيادي الفرنسية الخبيثة هي المحرِّك الأساسي لمعظم تلك الانقلابات التي دفع الشعب القمري ثمنها غاليًا جدًّا.

في قبضة المستعمر الفرنسي

اكتُشِفَ أرخبيل جزر القمر أول مرة منتصف القرن الـ 16، وتحديدًا عام 1505 على أيدي البرتغاليين، لكنهم لم يمكثوا هناك طويلًا، حيث غادروه بعد سنوات قليلة، في ظلّ ما كان يعاني منه من أوضاع بيئية غير مستقرة، كما أنه مكان يفتقد إلى الكثير من مقوِّمات الحياة البشرية.

ومع مرور الوقت بدأت الأقدام تكثر رويدًا رويدًا في الأرخبيل، وسيطرَ عدد من النُّخب على المقوِّمات والموارد الطبيعية هناك، واستقدموا الكثير من العبيد، حتى اكتظت الجزر الأربع بآلاف العبيد، فيما اشتهرت تلك المنطقة بعد ذلك بأنها ثروة بشرية هائلة، في إشارة إلى كثرة عدد العبيد هناك من كافة دول إفريقيا.

حتى افتتاح قناة السويس المصرية عام 1869 كانت جزر القمر المحطة الأبرز في طريق التجارة بين الشرق والغرب، وذلك عبر قناة موزمبيق.

وبنهاية القرن الـ 18، بدأت قبائل المالاجاشيين بمدغشقر في شنِّ غارات على الجزر، كان الهدف بداية الأمر الحصول على الرقيق لخدمتهم وضمّهم إلى صفوف المقاتلين، لكن شيئًا فشيئًا أحكموا قبضتهم على معظم المناطق بعدما استولوا على خيراتها الزراعية والمائية.

في ذلك الوقت كان المستعمر الفرنسي يواصلُ هوايته المفضَّلة في إخضاع شعوب القارة لسيطرته ونهب مواردها وخيراتها، فوطأ بأقدامه ثَرى الجزر عام 1841، وكانت المحطة الأولى لهم جزيرة مايوت حيث وقّع اتفاقًا مع حاكم الجزيرة، الملك أندريان تسوولي، للتنازُل عنها لصالح القوات الفرنسية.

ومع مرور الوقت مارست باريس ضغوطها وابتزازها لملوك وحكّام بقية الجزر حتى استولوا عليها تباعًا، فسقطت موهيلي عام 1886، ثم أنجوان ومعها جزيرة القمر الكبرى اللتان احتفظتا بالسيادة حتى عام 1909، لتصبح دولة جزر القمر بأكملها مستعمرة فرنسية خالصة عام 1912.

نهب خيرات البلاد

كعادة الدول الاستعمارية الأوروبية، فإنها تحوِّل مستعمراتها في الخارج إلى ثكنات عسكرية واقتصادية وخزائن لتمويل مخطَّطاتها الخارجية من جانب، وتعويض النقص وأوجُه القصور في الداخل، لا سيما فيما يتعلق بالمستعمرات الإفريقية التي تحولت إلى سلال غلال لأوروبا لسنوات طويلة.

حتى افتتاح قناة السويس المصرية عام 1869 كانت جزر القمر المحطة الأبرز في طريق التجارة بين الشرق والغرب، وذلك عبر قناة موزمبيق، ومن ثم كانت تتميز بموقع جيوسياسي حيوي، أسالَ لُعاب المستعمر الفرنسي في حلب تلك الجزر قدر الإمكان، لتعويض الكلفة الباهظة التي تكبّدتها الدولة الأوروبية في مسارها الاستعماري.

أرسَت باريس عبر نخبة رجال أعمالها وبعض الأثرياء العرب، القواعد الأولى لبناء منظومة اقتصادية قوية في جزر القمر، تعتمدُ على الزراعة بصفتها المورد الأبرز حضورًا على خارطة الاقتصاد القمري، حيث حوّلت فرنسا معظم الأراضي الزراعية بالجزر إلى زراعة المحاصيل التصديرية التي تدرُّ دخلًا كبيرًا على الحكومة الفرنسية.

إن الاستقلال أحادي الجانب من قبل جزر القمر طعنة في ظهر الكبرياء الفرنسي، ومن ثم كان الانسحاب من الجزر انسحابًا نظريًّا، فيما بقيَ المستعمر بكافة خيوطة ومخططاته يعبث في الداخل.

وكانت محاصيل البُن والكاكاو والفانيليا والسيزل هي الأكثر تصديرًا من الأراضي القمرية لدول أوروبا وآسيا على حد سواء، وتحولت جزر بأكملها، وعلى رأسها جزيرة مايوت، إلى مستعمرات فرنسية مخصَّصة للزراعة فقط، هذا بخلاف نهب الثروات الطبيعية المعدنية في البلاد رغم محدوديتها.

وفي السياق ذاته، عمدت فرنسا على إبقاء المسلمين في حالة من الفقر المدقع والجهل المستمرّ، كما حرمت أبناء البلد من التعليم ودخول المدارس والجامعات، هذا بجانب حملات التنصير التي كانت ترعاها تزامنًا مع موجات التغريب والفرنسة لكافة مجالات الحياة هناك، فضلًا عن اتّباعها سياسة التمييز بين الفرنسيين وبقية أبناء الشعب القمري.

استقلال رغم أنف المستعمر

أججّت ممارسات الفرنسيين وعملائهم في الداخل مشاعر الاحتقان والغضب الشعبي ضد التواجُد الاستعماري للبلاد، وبدأت المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي، الأمر الذي أجبرَ المحتل على الخضوع والجلوس على مائدة المفاوضات مع زعماء الجزر، وتمّ الاتفاق على الانسحاب من البلاد عام 1978.

توجّس سكان الجزر من النوايا الفرنسية، حيث اعتبروها محاولة تسويفية لكسب المزيد من الوقت لوأد وإجهاض حركات المقاومة، وقبل الموعد المحدَّد للانسحاب أصدر برلمان جزر القمر قرارًا أحاديًّا باستقلال البلاد في 6 يوليو/ تموز 1975.

وقد صوّت نواب 3 جزر على الاستقلال التام، فيما امتنع نواب جزيرة مايوت عن التصويت، لتختار أن تظل تحت حكم المستعمر الفرنسي، وبعد أيام قليلة من قرار البرلمان أعلنَ الزعيم أحمد بن عبد الله استقلال دولة جزر القمر ليصبح أول رئيس لها.

يذكَر أن سكّان مايوت صوّتوا ضد الاستقلال خلال استفتاءَين منفصلَين، الأول في ديسمبر/ كانون الأول 1974 حيث بلغت نسبة التأييد لاستمرار الرضوخ تحت الحكم الفرنسي قرابة 64%، فيما تصاعدت بشكل ملاحَظ في الاستفتاء الثاني الذي تمّ في فبراير/ شباط 1976 لتبلغ 99.4%.

رُبع قرن من الانقلابات برعاية فرنسية

كان الاستقلال أحادي الجانب من قبل جزر القمر طعنةً في ظهر الكبرياء الفرنسي، ومن ثم كان الانسحاب من الجزر انسحابًا نظريًّا، فيما بقيَ المستعمر بكافة خيوطة ومخططاته يعبث في الداخل على كافة المسارات، وعلى مدار أكثر من رُبع قرن تقريبًا تلاعبَ الفرنسيون بمقدرات الدولة العربية الإفريقية سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا.

لم تأخذ فرنسا وقتًا طويلًا للانتقام من رموز الاستقلال في الدولة القمرية، فبعد أشهر قليلة من تولّي أحمد بن عبد الله منصبه كأول رئيس للبلاد، دعمت فرنسا أول انقلاب لها في البلاد عن طريق المرتزق بوب دينارد، قائد الحرس الجمهوري، وبمساعدة الحكومة في باريس، وبالفعل أُطيح بابن عبد الله في انقلاب مسلّح ليتولّى مكانه الأمير سيد جعفر، عضو الجبهة الوطنية المتحدة في البلاد، وكان ذلك في 3 أغسطس/ آب 1975.

في المجمل شهدت جزر القمر منذ استقلالها عام 1975 قرابة 20 انقلابًا عسكريًّا ومحاولات انقلابية، بعضها دموي والآخر ناعم.

وبعد 6 أشهر فقط، شهدت الجزر انقلابًا جديدًا، حيث تمّ خلع جعفر ليتولّى الدفة خلفًا له وزير دفاعه، الجنرال علي صالح، الذي أصدر برفقة البرلمان عددًا من القرارات والسياسات العامة، أغلبها كان يميل إلى الفكر الاشتراكي، أزعجَت باريس وساهمت في توتير الأجواء مع الحكومة الفرنسية.

لم يرُق حُكم صالح لفرنسا التي دفعت قائد الحرس الجمهوري، دينارد، للإطاحة بالرئيس وإعادة الرئيس الأسبق، بن عبد الله، للحكم مرة أخرى، بعد تفاهمات أجرتها الحكومتان الفرنسية والجنوب إفريقية معه، لتجنُّب أي صدامات مستقبلية في العلاقات بينه وبين الدولتَين للبقاء على فترة حكمه مستقرّة.

يذكر أن فترة صالح شهدت 7 محاولات انقلاب، مدعومة جميعها من الحكومة الفرنسية، لكنها باءت بالفشل، حتى تمّ الإطاحة به عسكريًّا عن طريق الحرس الجمهوري الخاص به، فيما تشير العديد من المصادر إلى أنه قُتل في منزله بعد ذلك دون التوصُّل إلى تفاصيل بشأن هوية القاتل.

لم يكن مصير عبد الله بعيدًا عن سلفه صالح، حيث لقيَ مصرعه في مكتبه رميًا بالرصاص عام 1989، بعد توقيعه قرار بنزع سلاح القوات المسلحة، وتتأرجح المصادر بشأن هوية القاتل، بين مسؤولية بوب دينارد (المرتزق بأيدي فرنسا)، وتعرُّضه لصاروخ مضاد للدبّابات داخل غرفة نومه.

تعرّض دينارد لحملة انتقادات حادة على المستوى الشعبي، وتصاعدت الاتهامات بشأن تورُّطه في قتل رئيسَيه، صالح وعبد الله، الأمر الذي دفع الحكومة الفرنسية لإبعاده عن البلاد تحت حمايتها، متّجهًا إلى جنوب إفريقيا على أيدي المظلّيين الفرنسيين.

تولّى الرئاسة بعد ذلك الأخ الأكبر لصالح، ويُدعى سيد جوهر، الذي استمرَّ في الحكم حتى عام 1995، إلا أن الحكومة الفرنسية نفته إلى ريونيون، ليخلفه في حكم البلاد محمد تقي عبد الكريم، المدعوم من الإليزيه، واستمرَّ في السلطة منذ عام 1996 حتى وفاته في نوفمبر/تشرين الثاني 1998.

تدفع الدولة ذات الارتباطات الإقليمية والدولية المتشعّبة، ثمنَ العبث الفرنسي في مقدراتها طيلة السنوات الماضية.

خلف عبد الكريم في قيادة الجزر تاج الدين مسوندي، الذي لم يكن مؤهّلًا لإدارة شؤون البلاد بصورة كاملة، حيث فشلَ في فرض السيطرة على كافة جزر الأرخبيل.

وخلال فترة حكمه التي لم تتجاوز عدة أشهر، أعلنت جزيرة أنجوان وجزيرة موهيلي استقلالهما عن جزر القمر، مبديتَين رغبتهما في استعادة الحكم الفرنسي مرة أخرى، لكن باريس رفضت هذا الطلب لتدخلا في مواجهات دامية مع القوات المسلّحة للجمهورية.

وفي إبريل/ نيسان 1999 قادَ الجنرال غزالي عثماني، الذي كان يتولّى رئاسة أركان الجيش، انقلابًا ناعمًا على رئيسه، مسوندي، مستوليًا على الحكم، مبرّرًا ذلك بضعف قيادة الرئيس وعدم قدرته على فرض السيطرة على البلاد، ما نجمَ عن ذلك من مواجهات دامية بين القوات المسلحة والمتمردين.

وفي المجمل شهدت جزر القمر منذ استقلالها عام 1975 قرابة 20 انقلابًا عسكريًّا ومحاولات انقلابية، بعضها دموي والآخر ناعم، نجحَ 4 منها في الإطاحة بالنظام خلال الأعوام 1975 و1978 و1989 و1999.

وكانت لفرنسا اليد الطولى في معظم تلك الأحداث التي أدخلت البلاد في نفق مظلم من الفوضى، الأمر الذي انعكسَ على المستوى الاقتصادي والمعيشي للسكّان البالغ عددهم 630 ألف نسمة، ويعدّون من أكثر الشعوب فقرًا في القارّة الإفريقية.

وهكذا تدفع الدولة ذات الارتباطات الإقليمية والدولية المتشعِّبة، فهي الوحيدة التي تشترك في عضوية كل من الاتحاد الإفريقي والمنظمة الدولية للفرانكوفونية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية ولجنة المحيط الهندي؛ ثمنَ العبث الفرنسي في مقدراتها طيلة السنوات الماضية، رغم حصولها على الاستقلال، لتوثِّق إحدى حلقات السجلّ الدموي الانتهازي للدولة الفرنسية في خاصرة القارة الإفريقية.