هذا هو المقال الثاني من سلسلة مقالات مترجمة حول الوضع الإيراني، من عدد نوفمبر 2014 من مجلة الإيكونوميست البريطانية

ترجمة وتحرير نون بوست

لم تلعب الاعتبارات الاقتصادية أدوارًا كبيرة في السياسة الإيرانية، فقد قال روح الله خميني، الذي قاد الثورة عام 1979 "نحن لم ننتفض للحصول على بطيخ أرخص!"،  وعلى مدى العقود الماضية طارد المحافظون الإيرانيون الرؤى المثالية مهما كلف ذلك الإيرانيين، في حين كان الليبراليون جائعين لإجراء إصلاحات سياسية.

هذا الأمر تغير في السنوات الأخيرة، فقد تركز الجدل في انتخابات العام الماضي حول الاقتصاد، وفاز "حسن روحاني" لأن الإيرانيين نظروا إليه باعتباره أقدر المرشحين على تحقيق ذلك، اعتاد المحافظون أن يكونوا مناهضين للتجارة الخارجية، تماشيًا مع المشاعر الثورية وأفكار الاكتفاء الذاتي الاشتراكية، أما الآن، فإن الجميع بما فيهم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية يوافق على الرأسمالية المعولمة، في إجابة على سؤال "لماذا؟" أجاب أحد المسئولين الكبار "ابني في الصف الثاني، وقد رشح نفسه في الفترة الأخيرة لانتخابات الفصل الدراسي، كان يعلق آمالا كبيرة، وهو ذو شعبية واضحة، لكنه خسر، لم أستطع أن أصدق ذلك، لكنني سألته عما كانت حملته فأجاب: العدالة والكرامة، فسألته: وخصمك؟ فأجاب: وعدهم بوجبات غذائية أفضل واستراحات أطول".

الإيرانيون يعيشون اليوم بشكل أكثر راحة كثيرًا مما كانوا عليه قبل جيل واحد، لكن السنوات الثلاث الأخيرة كانت صعبة، تعاني الشركات ويعاني المستهلكون من آثار تشديد العقوبات المفروضة كثيرًا منذ عام 2011، يقول أحد المصرفيين في طهران "يمكنك أن ترى عددًا أقل من الأشخاص يحملون أكياس التسوق"، ويتابع "السباك الخاص بي الذي عادة ما يكون مشغولاً دومًا، يقول إنه في كثير من الأحيان يحصل على أول زبائنه في منتصف الأسبوع، أما التجار في قزوين فقد أبلغوا عن انخفاض الإيرادات بنسب تراوحت بين 50٪ و75٪"، وحسب تقدير بائع طماطم فإن هذه هي أسوأ الأوقات منذ 25 سنة، يقول متسوق "لقد دُمر السوق! .. أشعر بالخجل من عدم قدرتي على تحمل تكلفة نفس الطعام كما كنت أفعل في السابق، لا استطيع الآن دعوة أي شخص إلى بيتي".

الاقتصاد الإيراني هو ثالث أكبر اقتصادات الشرق الأوسط، لدى إيران قاعدة صناعية كبيرة، قوة عاملة متعلمة، وقطاع خدمات استحوذ على أكثر من نصف الاقتصاد في 2012، أما في العام الجاري، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.8٪ وفقًا للبنك المركزي، وفي العام الماضي انخفض بنسبة 2٪ أكثر من ذلك، والأرقام غير الرسمية أسوأ من ذلك.

خلال العقد الماضي، كان الاقتصاد ينمو بمعدل متوسط 5.1٪ سنويًا، وعندما انقلب الأمر انطلق التضخم ليصل إلى أكثر من 50٪ دفعة واحدة، وعندها فشلت الرواتب في مواكبة الانهيار، انخفضت الأجور في القطاع الخاص بنسبة 35٪ - 40٪، وخسر موظفي الحكومة حتى 50٪ من رواتيهم، وعانى أكثر من نصف السكان من خسارة درامية في دخلهم، وفي أسبوع واحد في أكتوبر 2012 هبطت العملة بنسبة 40٪ مقابل الدولار في السوق السوداء وخلقت حالة من الذعر، وفي أدنى مستوياته انخفض الريال بنسبة 75٪ وقفز معدل البطالة، انخفض إنتاج السيارات التي كانت تمثل 10٪ من الناتج القومي الإجمالي ويوظف أكثر من مليون شخص بنسبة 70٪ وفقًا لمصادر صناعية، مصنع مرسيدس في تبريز كان ينتج 80 محركًا يوميًا قبل عدة سنوات، الآن ينتج اثنين فقط.

كل ذلك تسبب في موجة من السخط الشعبي، الثوريون السابقون، قادة البلاد الحاليون يدركون المخاطر لكنهم يكافحون لأن البلاد بالفعل لا تمتلك المال، في الماضي كان الوضع مختلفًا بفضل تدفق عائدات النفط، وكانت الحكومات دومًا قادرة على خلق فرص عمل وإطعام الفقراء وإنقاذ البنوك التي على وشك الإفلاس ودعم وحتى رشوة منتقدي الحكومة! لكن للمرة الأولى منذ عشر سنوات، خزائن البلاد فارغة والميزانية في عجز، وفقًا لتقديرات الحكومة الأمريكية، فإن الاقتصاد الإيراني اليوم أقل 25٪ من التوقعات ما قبل 2012.

كان السبب المباشر لهذا الهبوط الأكثر دراماتيكية هو إطلاق الحكومات الغربية واحدًا من نظم العقوبات الأكثر صرامة ضد إيران، بهدف إجبار الإيرانيين على إيقاف برنامجهم النووي الإيراني، بين عشية وضحاها، توقف عملاء إيران النفطيين في أوروبا عن الشراء، حظرت الحكومة الأمريكية التعامل بالدولار مع البنك المركزي الإيراني أو أي شخص يتعامل معه، جُمدت أصول الحكومة الإيرانية في الخارج بالإضافة إلى استهداف مئات الشركات المرتبطة بالدولة بشكل مباشر، انخفضت صادرات النفط من 2.5 مليون برميل في 2011 إلى أقل من النصف، أصبح مستحيلاً الحصول على المكونات الصناعية المستوردة؛ ما أدى لزيادة البطالة والتضخم.

بعض الدول غير الغربية (مثل تركيا) تجاهلت العقوبات واستمرت في التجارة مع إيران، تحاول الحكومة الإيرانية أن تدفع لهم بالذهب وتغض الطرف عن التهريب والأرباح التي أطلقت طفرة العقارات، من الصعب معرفة كم التجارة الذي لا يزال مستمرًا، لكن العقوبات كان لها بالتأكيد أثر خطير.

النقاش حول جدوى العقوبات خلق بعضًا من الشراكات الغريبة، المتشددون الغربيون والإيرانيون يقولون إن انهيار مستوى المعيشة في إيران يرجع أساسًا إلى العقوبات الغربية، وهذا ما يعتبره الغربيون نصرًا سياسيًا، لكن الإيرانيين يلومون أعداءهم بسبب ذلك المرض، رغم أنهم مسئولون عنه بشكل جزئي.

حفرة سوداء مليئة بالنفط
الاقتصاد الإيراني يعاني من انعدام الفعالية والفساد والتضخم وكان مقدرًا له الانهيار حتى قبل العقوبات، جميع الإيرانيين تقريبًا تلقوا مساعدات مالية مخصصة للفقراء، وخلال العام الماضي أنفقت الحكومة 100 مليار دولار على الدعم، أي ما يوازي ربع الناتج المحلي الإجمالي.

حتى وقت قريب، كانت تكلفة الديزل بما يعادل 2 سنتًا أمريكيًا للتر، تركيا التي يبلغ عدد سكانها نفس عدد الإيرانيين، ورغم أنها دولة صناعية أكثر من إيران، تستهلك حوالي وقود بنسبة 60٪ أقل من إيران، مكاتب الحكومة الإيرانية مكتظة بشكل كبير، ويعمل في وزارة النفط 260 ألف موظف اليوم بعد أن كانوا 100 ألف في 2005، مجموعة الشفافية الدولية ومقرها برلين، تصنف إيران على أنها "فاسدة جدًا".

المسئولون الإيرانيون يستخدمون الأموال العامة لشراء عقارات في بلدان أجنبية، ووفقًا لأحد المراقبين فإن "السياسة هي مجرد إلهاء عن جمع المال"، أعطى أحد المحققين البرلمانيين تحذيرًا بأنه إذا تم الكشف عن حجم الفساد السياسي فإنه سيتسبب في "صدمة اجتماعية"، واردات السيارات الفاخرة زادت خمسة أضعاف بين 2011 و2013، في حين أن مبيعات السيارات إيرانية الصنع المتواضعة انخفض إلى النصف.

أضر سوء توزيع الثروة بالقطاع الخاص بشكل أساسي، القطاع يشكل ربع إيرادات الشركات في الدولة، والعديد من الشركات تترنح على حافة الإفلاس، والرقم الرسمي للقروض المتعثرة والذي يقول بأنها 18٪ من كامل القروض، يبدو منخفضا جدًا، يقول السيد لايلاز، وهو خبير اقتصادي إن "عدم وجود رأس المال الاستثماري هو أكبر مشكلة تواجه البلاد"، ومنذ 2006، انخفض الاستثمار في الصناعة بنسبة 10 - 15٪ سنويًا.

القطاع المصرفي مختل! البنوك تقرض الشركات التابعة للدولة بشكل حصري تقريبًا، الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تستطيع الحصول على القروض، ندرة التمويل ولدت بعض الحلول العبقرية، فعلى سبيل المثال، يستخدم أصحاب العقارات عقاراتهم كضمان للاقتراض من المستأجرين بدلاً من الإيجار.

إدارة الاقتصاد الإيراني كانت سيئة منذ الثورة، لكن في ظل سلف روحاني، أحمدي نجاد، كانت أسوأ كثيرًا، خلال فترته التي بلغت 8 سنوات في الرئاسة، ارتفعت أسعار النفط لأكثر من ثلاثة أضعاف، وذلك بفضل ارتفاع الأسعار الحاد، ودخلت الأموال خزائن الحكومة بأكثر مما تفعل عادة، وبلغت أكثر من 800 مليار دولار في المجموع، أنفق نجاد كل ذك! فقد استهلك مبالغ طائلة في مشاريع البناء، وتناثرت الجسور والطرق الجانبية غير الضرورية، كما أنشأ مشروعه "إسكان مهر" الذي وفر 200 ألف شقة في جميع أنحاء البلاد بدون إيصال المياه والغاز أو المجاري لها، ومعظمها الآن فارغة لم يقطنها أحد.

نظريًا، كانت بعض سياسات أحمدي نجاد سليمة، حاول تعزيز القطاع الخاص من خلال بيع الأصول المملوكة للدولة، وتم إدراج تسعة من أكبر عشر شركات في بورصة طهران خلال العقد الماضي، مجالس الإدارة والمساهمون لم يعودوا بلا سلطات، والإدارة يجب أن تقدم حسابات صحيحة، كما أن اجتماعات الشركات السنوية من الممكن أن تكون مثيرة للجدل، أحد أصحاب الأسهم صرخ في وجه مدير شركة أسيا للتأمين قائلاً "إن حمارًا كان ليدير هذه الشركة أفضل مما تفعل!"

لكن برامج الخصخصة ما زالت تترك آثارًا أكثر مما هو مرغوب، فمعظم الأسهم تم بيعها إلى كيانات قريبة للدولة بما في ذلك صناديق أصحاب المعاشات الذين تلقوا حصصهم على شكل أسهم في بعض الأحيان بدلاً من النقود، وعلى الرغم من أن عمليات البيع والشراء كانت مفتوحة لأي شخص، إلا أن المستثمرين في إيران يفتقرون لرأس المال، كما أن الأجانب لم يكونوا قادرين على الشراء بسبب العقوبات، يتحدث المحللون الآن عن صعود ما يسمى "قطاع شبه خاص".

تخفيض القيمة جعلت بعض قطاعات الاقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، فلسنوات كانت البضائع الإيرانية غالية في العراق بسبب المبالغة في قيمة العملة الإيرانية، وعندما تسببت العقوبات في انخفاض الطلب على العملة، انخفضت أسعار المنتجات الإيرانية بين عشية وضحاها لتصبح أرخص من تلك التي في الدول الصناعية المجاورة مثل تركيا، وفي داخل البلاد، بينما أبقت العقوبات المنافسين الأجانب خارجًا، امتلأت محال السوبر ماركت الإيرانية بالمنتجات المحلية للمرة الأولى منذ عشر سنوات.

سحر الاكتفاء الذاتي
بعيدًا عن الإدارة الاقتصادية السيئة، قامت الحكومة الإيرانية بدون قصد بزيادة فعالية العقوبات بطريقتين أخرتين، أولاً: تم إبقاء الضرائب منخفضة للغاية على مدار عقود؛ وهذا ما أجبر الدولة على الاعتماد فقط على عائدات النفط، الآن، اضطرت الدولة لتقليل الإنفاق وزيادة الضرائب في نفس الوقت، وثانيًا: عندما جاء أحمدي نجاد إلى السلطة قبل عشر سنوات، قام بالتخلي عن سياسة البلاد بالاكتفاء الذاتي، فقبل ذلك، كانت إيران تقريبًا مكتفية ذاتيًا، ولديها رؤى لتعزيز النمو، لكن الرئيس الجديد أمر بصك علاقات تجارية جديدة وبخفض الجمارك، كانت هذه السياسة ناجحة بشكل كبير، لكنها جعلت إيران أكثر هشاشة وأكثر عُرضة لتأثير العقوبات.

ربما توقعت الحكومة ذلك، كما قال السيد جواد ظريف، وزير خارجية البلاد، في مقال كتبه قبل بضعة أشهر "إن عملية العولمة الجارية، سواء تمت الإشادة بها أو احتقارها، جلبت معها وزنًا لا مفر منه في التأثير على السياسات الخارجية للدول، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، متقدمة أو نامية … لكن اليوم، معظم الدول القومية بغض النظر عن حجمها أو قوتها أو نفوذها، تدرك أن الانعزالية سواء كانت مفروضة أو طوعية، فهي ليست ميزة على الإطلاق!"، إن قائل تلك الكلمات هو الذي يعطيها الأهمية في هذه الحالة وليست المشاعر التي تحملها، لقد أدركت إيران أنها ضُربت بثلاث ضربات قوية هي النفط والعقوبات والتستر على سنوات من الإنفاق غير المحسوب.

في السنة الأولى من عمله استطاع روحاني تحقيق قدر من الاستقرار في الاقتصاد؛ ارتفعت قيمة العملة وازداد الفائض التجاري، انخفض التضخم من 45٪ إلى 15٪، ويتوقع فريق الرئيس من التكنوقراط أن يبدأ الاقتصاد في النمو مرة أخرى هذا العام، ربما لو قللت الحكومة الدعم بنسبة 1.5٪ ستتحسن ماليتها، على الرغم من أنها رفعت أسعار الوقود بنسبة 75٪ بين عشية وضحاها.

لكن هناك طريق طويل، معظم أسعار الطاقة لا تزال مدعومة من قبل الدولة؛ البنزين لا يزال يكلف 28 سنتًا للتر الواحد، البطالة لا تزال مرتفعة بعناد، وهناك حاجة إلى مزيد من الإصلاحات لتسريع النمو، يقول خبراء إن الإصلاحات يجب أن تشمل الحد من الدعم النقدي للفقراء، وكبح جماح دولة الرفاه السخية، وخفض الدعم عن الصناعات والتخلي عن مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين.

الإيرانيون تحملوا مصاعب أكبر في الماضي، تسببت العقوبات الأمريكية في الثمانينيات في نقص الوقود والغذاء، الآن، لا يعاني الإيرانيون من الجوع، ولا يُتوقع أن ينهار الاقتصاد في أي وقت قريب، لكن على المدى الطويل ستصبح الإصلاحات أمرًا لا مفر مه، وإذا تمكن للسيد روحاني أن يعقد صفقة مع الغرب لتخفيف العقوبات، فإن تلك الإصلاحات قد تصبح أكثر تدريجية وأقل إيلامًا.

هذا هو التقرير الثاني من سلسلة تقارير من مجلة إيكونوميست حول الوضع الإيراني بعنوان (نهاية الثورة!)