دخلت السينما الألمانية مرحلةً جديدة من الانتعاش والبهجة، فحصّتها في السوق الألمانية جيدة، والنجاحات في الخارج أفضل وأفضل، ومن هذا القطاع الذي كان قبل سنوات يكثر اللوم على نفسه لسوء الأداء، يخرج الآن حائزون على جوائز مهرجان برلين السينمائي وجوائز الفيلم الأوروبي والأوسكار، ومخرجون يتمتّعون بثقة في النفس، وينطلقون إلى مهرجان كان بأفلام أنتجوها بكاميرات رقمية صغيرة، إلا أن طريق تلك السينما لاستعادة مجدها ورونقها، مرَّ عبر الكثير من التحولات بدايةً.

سينما تبحث عن تأصيل

انطلقت السينما الألمانية كفنٍّ مُعترَف به رسميًّا بعد عام 1914، ولا عجب أن مردّ ذلك إلى تطور الفن الدعائي للحرب في خضمّ الحرب العالمية، حيث تمّ بناء العديد من الاستوديوهات، وأصبح عدد شركات الإنتاج 245 شركة في عام 1919.

بعد الحرب في مرحلة ما بين عامَي 1918-1924، اتجهت السينما الألمانية إلى الأفلام الإباحية بعد فترة الموت والدمار في الحرب، لأنهم كانوا يريدون ردّ الاعتبار لغريزة حب البقاء المكبوتة من خلال المبالغة بها، وكانت أفلامًا عادية أرادت أن تروِّج لجمهورها قصصًا جنسية، وقد كان الطلب عليها كبيرًا لدى الجمهور الذي لا يريد أن يورِّط نفسه بالسياسة.

وفي عام 1920 رفض المجلس الوطني عدة طلبات لتأميم صناعة السينما، لكنه أصدر قانونًا ينظِّم قضاياها، أعيدت بموجبه الرقابة على الأفلام، فتمّ اللجوء إلى الأفلام التاريخية وأفلام التمجيد بقوة ألمانيا الاقتصادية وحلم العودة إلى القديم قبل الحرب. 

في مصنع مهجور يبعد قليلًا عن برلين بنى غويدو زابر شركته الإنتاجية الأكبر والأهم في التاريخ الألماني، بل مدينة ضخمة للإنتاج، هي شركة أوفا أكبر مدينة للإنتاج السينمائي بأوروبا في العشرينيات وحتى الأربعينيات

وتألّقت السينما الألمانية في الفترة ما بين عامَي 1924-1929، حيث تجاوزت صناعة السينما مرحلة التضخُّم المالي وكثافة الجمهور الحاضر إليها، وإنتاج وتصدير الأفلام للخارج، إلا أنه كان لها منافس من السينما الهوليوودية، التي أغرقت السوق الألمانية في أفلامها. 

وقسِّمت السينما الألمانية في تلك الفترة إلى 3 أنواع، أبرزها السينما الجنسية الرخيصة والمغامرات، ومعظمها كان عبارة عن مسرحيات وروايات قديمة، ثم تطورت مرحلة أخرى فيها أفلام ثقافية استطاعت أن تغزو أوروبا، ثم الأفلام الكافكاوية، حتى وصلت إلى مرحلة الواقعية الجديدة التي تتجلّى في عدم الرغبة بطرح أسئلة واتخاذ مواقف، بل أغرقت في المعنى الأعمق، التي مثّلتها حقبة شركة أوفا.

لانغ وأوفا

في مصنع مهجور يبعد قليلًا عن مدينة برلين، حيث كانت تسطع فيه الشمس وتضيء المكان كله بشكل جيد، تسمح بالإضاءة الكثيفة لتصوير الأفلام -لأن مسألة الإضاءة كانت من المستحيلات السبع آنذاك-، بنى غويدو زابر شركته الإنتاجية الأكبر والأهم في التاريخ الألماني، بل مدينة ضخمة للإنتاج، هي شركة أوفا أكبر مدينة للإنتاج السينمائي بأوروبا في العشرينيات وحتى الأربعينيات. 

توازى بناء المدينة مع مقدِّم شاب من النمسا يُدعى فرتز لانغ، الذي وُلد عام 1890 أي قبل ميلاد السينما ذاتها، وفي عام 1918 تعاقد إريك بومر، منتج الأفلام، مع فرتز لانغ للعمل مؤلّفًا بشركته السينمائية ببرلين، ولكن ما لبث أن اندلع بينهما شجار عنيف بسبب رغبة لانغ في إخراج فيلم "كابينة الدكتور كاليغاري"، فذهب للعمل مع جوي ماي، ولم يلبث أن تشاجر معه وعاد مرة أخرى إلى بومر. 

صنع لانغ عدة وجوه وشخصيات في السينما الألمانية لقيت شهرة واسعة، وصارت جزءًا أساسيًّا من تاريخ تلك السينما وميثولوجيتها، أهمها الدكتور مابوزه، لاعب القمار، عام 1922.

في تلك الأثناء استطاعت أوفا السيطرة على شركة بومر ولانغ، لتصبح أكبر الشركات الإنتاجية في أوروبا دون منافس، تملك استوديو مؤهّلًا لإنتاج أفلام ضخمة ومكلِفة، فالمباني والأزياء والكاميرات وتقنيات الحِيَل السينمائية، وأماكن التصوير الخارجي والتصوير بالاستوديو، وحتى معمل التحميض، كلها كانت في مكان واحد تملكه شركة واحدة. 

استطاعت أوفا في حقبة جمهورية فايمار، صناعة أهم عمل أيقوني للسينما الألمانية قديمًا وحديثًا، وهو فيلم "ميتروبوليس"، الذي أصبح بمنزلة رؤية ورمز للمدينة الحديثة الضخمة، وكان لانغ قد استلهمَ فكرة الفيلم من سفره إلى أميركا، حيث رأى هناك في الليل شارعًا طويلًا محاطًا بناطحات السحاب، التي تلوح عليها أضواء متحرِّكة للإعلانات والدعاية.

وقد كان هذا منظرًا غريبًا عن الشارع الأوروبي، ويكاد يكون أسطوريًّا، ويعدّ فيلم "ميتروبوليس" ذروة فنّ الأتيليه والحِيَل السينمائية في وقته، كما أنه جمع رؤى لانغ وأفكاره في صعيد واحد، فهناك العالم المجنون الذي أراد صنع إنسان ليسيطر به على الجماهير، ويصوِّر لانغ النقائض بين المدينة التحتية العديمة الضوء، التي تسيطر فيها الآلات على العمّال، والمدينة الفوقية المضاءة المتخومة بالثراء الفاحش.

إلا أنه يخلط ذلك بعناصر رومانسية تخفِّف من وطأة ذلك التناقض، ولا تزال رؤاه عن المدينة وصوره لمدينة المستقبل تؤثِّر في منتجي أفلام الديستوبيا حتى اليوم، إلا أن الفيلم في وقته كان فشلًا ذريعًا، حيث إن خسارته المادية، إذا قورنت نفقاته بمداخيله، تعدّ خسارة فادحة.

كما أنه أدّى إلى افتراق بومر ولانغ أخيرًا، ومن الأفلام الأيقونية التي تركها لانغ مع بزوغ فجر السينما الألمانية، بالطبع فيلم M وسلسلة الأفلام عن شخصية الدكتور مابوزه، وكانت تلك الفترة هي فترة إبداع تمخّضت عن مناخ جمهورية فايمار الديمقراطي، قبل صعود هتلر إلى السلطة.

سيطرة جوزيف غوبلز

كان هتلر محبًّا للسينما، وكان جوزيف غوبلز مدركًا ومستعظمًا لأهمية الدعايا، وما يمكن أن تحقّقه من تحشيد شعبي هائل لصالح فكرة ما، فاجتمع شغف الاثنَين معًا، ليشكّل ملامح السينما الألمانية في حقبة النازية.

وجد غوبلز أوفا مؤسسةً قوية الإنتاج والتقنية، فسيطرَ عليها وقرّرَ تحديثها وتطويرها، فجعلها الاستوديو الأضخم في العالم آنذاك، وحتى نهاية الحرب عام 1945 كانت ألمانيا هي ثاني أكبر صناعة للسينما في العالم، بعد الولايات المتحدة الأميركية.

لم تقدِّم النازية للسينما الألمانية كثيرًا، بل السينما الألمانية هي التي قدمت الكثير للفكرة، فقد كان كل فيلم، أيًّا كان موضوعه، يحملُ إشارة رمزية قومية فاشية داخله، ترسِّخ عبادة هتلر وفيتشية النظام النازي، لذلك كان عصر السينما الهتلرية بصفة عامة هو العصر الأكثر دعايةً في تاريخ السينما كلها. 

حين سقطت النازية، ورثَ الاتحاد السوفيتي شركة أوفا، وضمّها إلى شركة صناعة أفلام ألمانيا الشرقية، التي ستكمل مسيرة الأفلام الدعائية.

كان لسيطرة النازية على صناعة السينما في ألمانيا آثارها السلبية، فبالطبع هاجرَ صنّاع السينما اليهود إلى أميركا، وهاجر صنّاع السينما الألمان الذين كانوا على خلاف مع العقيدة الفاشية إلى أميركا ومختلف دول أوروبا، وخسرت السينما الألمانية العديد من الكفاءات، وسخّرت الطاقات الموجودة لخدمة هدف واحد، ما حجّم قدراتها الإبداعية لتنتج أفلامًا ذات أجندات.

وحين سقطت النازية، ورثَ الاتحاد السوفيتي شركة أوفا، وضمّها إلى شركة صناعة أفلام ألمانيا الشرقية، التي ستكملُ مسيرة الأفلام الدعائية، بالإضافة إلى مجموعة ضخمة من الأفلام التي تصوِّر الحياة المثالية في مجتمع شيوعي، ونقيضها البائس في مجتمع ليبرالي. 

أما ألمانيا الغربية، فبسبب التضخُّم والفقر الاقتصادي عانت فيها صناعة السينما كثيرًا في فترة ما بعد الحرب، وارتدّت المواضيع في الأفلام السينمائية إلى عادتها في الأفلام الشعبية الكوميدية غير الجادة، ولم يكن هناك ملمح يميّز تلك الفترة حتى الستينيات سوى إطلاق مهرجان برلين السينمائي الدولي في الخمسينيات، حتى جاء بيان أوبرهاوزن الذي زلزلَ السينما الألمانية.

عصر الثورة

في بداية عقد الستينيات دخلت السينما الألمانية عهدًا جديدًا، حيث قلّ عدد روّاد دُور السينما، وتغيّر الجمهور وتبدّل ذوقه بانتشار الفيلم الأميركي الذي تحكّم بسوق الأفلام، وجاءت أجيال جديدة في السياسة والسينما والصحافة.

وكان عام 1962 هو عام الاحتجاج المشهود والفارق، حيث في مهرجان الأفلام القصيرة في أوبرهاوزن، في فبراير/ شباط من ذلك العام، نهضَت مجموعة مخرجي الأفلام الشباب لتعلنَ موت سينما الأب، وكان الحساب علنيًّا، فصناعة الأفلام الألمانية تعاني من تركة ثقيلة، إذ عملَ فيها كثير من الممثلين الذين ساهموا متحمّسين أو مكرَهين أيام القمع النازي، كأن شيئًا لم يكن.

حركة "الفيلم الألماني الشاب" هي حركة مناهضة للسينما، تحاول أن تحقق تجربة فنية طموحة، وتخترق من خلالها أساليب السرد في السينما القديمة.

وكانت الحالة الاقتصادية لتلك السينما سيّئة، وما كانت تتدبّر أمرها لولا الأفلام النمطية كالقصص البوليسية، وقصص الثأر، أو أفلام الطَّلَبة والمدارس. 

في مهرجان أوبرهاوزن، أعلنت مجموعة شباب سمّوا أنفسهم "جماعة الفيلم الألماني الشاب" مانيفستو احتجاج، غيّر كل شيء في المراحل اللاحقة في السينما الألمانية ومواضيعها، ونجدُ من أبرز هؤلاء: ألكسندر كلوغ، فولكر شلندروف، راينر فاسبيندر، فيم فيندرز، فيرنر هيرتزوغ، بيرسي أدلون وبيرهاند سينكل. 

ستقود تلك المجموعة من الشباب الفيلم الألماني لاحتلال موقعه كفيلم مرموق في السينما الأوروبية والعالمية من جديد، حيث إن حركة "الفيلم الألماني الشاب" هي محاولة مناهِضة للسينما، تحاول أن تحقق تجربة فنية طموحة، وتخترق من خلالها أساليب السرد في السينما القديمة، وأن تُخرج نهاياتها بما يشبه نهايات القصص الخرافية، لتنقل تصورات جديدة عن الحياة اليومية في ألمانيا الغربية.

إلا أن هذه المجموعة من صنّاع الأفلام لاقت الصعوبات الاقتصادية في جدوى أفلامهم ومكاسبها التجارية، حيث لم تكن منافسًا في شبّاك التذاكر مع السينما الأميركية، ولأن التلفزيون الرسمي كان أهم مموِّل وداعم لأفلام هؤلاء الشباب، فانتهى الأمر بأفلامهم أن تعرَض على الشاشة الصغيرة، لا في دور السينما.

لكن تركت الحركة أثرًا وحلمًا، وردّت الاعتبار والقيمة الفنية لأفلام السينما الألمانية، وحين سقط الجدار عام 1989 كان قد تغيّر كل شيء فعليًّا. 

الموجة الجديدة

في أواخر التسعينيات، ساد شعور في ألمانيا يتمثّل بالإحساس بالحياة، بعد الخروج من بين المطرقة والسندان، أي سياسة الشرق والغرب في ألمانيا المقسَّمة التي سيطرت على موضوعات الحياة كلها، فكان هناك نزوع نحو المواضيع العادية كالحب والصدفة والقدر.

وبعد أن توحّدت الدولة مرة أخرى، أصبح هناك الكثير من الطاقات البشرية والمادية التي أمكن حشدها لخدمة السينما، وبدأت السينما الألمانية في الاستفادة من التقنية التي وصلت إليها صناعة السينما في العالم، والشروع في محاولة صناعة فيلم متطوِّر تقنيًا، ذي قصة جادة ومصقولة، وتناسب السوق التجارية في الوقت نفسه.

وقد سعى فيلم ألماني بعنوان "اركضي لولا" عام 1998، لمخرجه توم تيكفير، إلى إيقاظ السينما الألمانية من سباتها العميق، هذه الكوميديا التجريبية حول لولا ذات الشعر الأحمر التي تعيش سباق جري مع الزمن في مدينة برلين، وتمّ فهمه في مختلف أرجاء العالم على أنه تعبير عن عصر اللهث وراء شؤون الحياة دون هوادة.

وتمكّن المخرج توم تيكفير من تحقيق نجاح عالمي باهر، وشكّل هذا الفيلم انطلاقة مرحلة جديدة للسينما الألمانية، ولأول مرة منذ ما كان يُعرَف بعهد سينما المؤلفين، التي مثّلها راينر فاسبيندر، اتّجهت أنظار العالم مجددًا باهتمام وفضول نحو السينما الألمانية التي بدأت تحقق نجاحات عالمية من جديد. 

وفي عام 2002 حصلت كارولين لينك على جائزة أوسكار عن فيلم "في لا مكان في أفريقيا"، وفي عام 2007 حصل فلوريان هينكل فون دونرسمارك على جائزة أوسكار عن أول أفلامه، والذي يعدّ فيلمًا تكاملت فيه الصنعة والقصة التي أراد العالم أن يعرفها، عن كيف يعيش الألمان تحت حكم الشيوعيين، فيلم "حياة الآخرين".

وفي العام 2007 أيضًا فاز المخرج التركي الألماني فاتح أكين بجائزة أفضل حوار، والجائزة الخاصة في مهرجان كان السينمائي عن فيلمه "على الجانب الآخر".

أيضًا في الموجة الحديثة للسينما الألمانية، حققت الأفلام الكوميدية نجاحًا لم يكن متوقّعًا، حيث أصبح فيلم "نهاية سنوات الخير" لهانس فاينغارتن، وفيلم "وداعًا لينين!"، من أبرز الأفلام التي تميّز السينما الألمانية في حلّتها الجديدة.

ولم تتراجع مكانة الأفلام الجادة التي تقدّمها سينما ألمانيا، حيث أصبح واحدًا من أهم صناع السينما الألمانية، مايكل هانيكة، بأفلامه المعقّدة السادية الصارخة في وجه الأنظمة الأبوية للعالم، من صور السينما الألمانية بوجهها الجديد.

ومن خلال العديد من المخرجين اللامعين الآخرين، من أمثال أوليفر هيرشبيغل وديفيد ويندت وفاتح أكين، استطاعت السينما الألمانية أن تتبوّأ مكانها من جديد.