رغم مناشدة العالقين في معبر رأس جدير الحدودي بين تونس وليبيا، سلطات البلدين فتح المعابر للسماح بدخول الحالات المرضية وسيارات الإسعاف، للحد من المعاناة الإنسانية الناتجة عن إغلاق البوابات طوال الشهر الماضي، لا تزال حالة غلق الحدود بين البلدين قائمة.

ومع أن حكومة الوحدة الوطنية الليبية قررت فتح منفذ رأس جدير أمام حركة العبور، إلا أن الجانب التونسي أبقى حالة الإغلاق مستمرة إلى الآن مرجعًا سبب قراره إلى "الوضع الوبائي".

إغلاق الحدود

في 8 من يوليو/تموز الماضي، أعلنت ليبيا إغلاق المنافذ البرية والجوية مع تونس لمدة أسبوع جرى تمديده لاحقًا، وقالت السلطات في طرابلس إن القرار جاء كخطوة احترازية لما وصفته "تدهور الوضع وانهيار النظام الصحي"، فضلًا عن تزايد عدد حالات الإصابة بسلالة دلتا من فيروس كورونا في تونس.

أثار القرار موجة واسعة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد وُصفت الخطوة بضربٍ للعلاقات الأخوية بين الشعبين، ونكران وجحود لما قدمته تونس من دعم لليبيا ومواطنيها فترة الأزمتين السياسية والصحية التي كانت تمر بهما.

 

لاحقًا، أعلنت الحكومة الليبية في 17 من أغسطس/آب الحاليّ بشكل أحادي، إعادة فتح المنافذ البرية وحركة الملاحة الجوية بينها وبين تونس، بعد إغلاق استمر أكثر من شهر، لكن الحركة البرية والجوية لم تعد إلى سالف نشاطها إلى الآن، وذلك بعد قرار تونس الإبقاء على معبري رأس جدير وذهيبة-وازن الحدوديين مع ليبيا مغلقين.

تبريرات الجانب التونسي في روايته الرسمية، تركزت بالأساس على الجانب الصحي والوضع الوبائي في البلاد، وأرجعت قرار مواصلة الغلق إلى توصيات اللجنة الصحية التي نصحت بضرورة الاستمرار في سياسة الاتقاء والمراقبة للمنافذ الحدودية.

أسباب الغلق

رغم مباحثات وفد ليبي رفيع المستوى، ضم وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش ووزير الداخلية خالد مازن، في تونس مؤخرًا، لعدد من القضايا التي تهم البلدين، وفي مقدمتها فتح المنافذ البرية وعودة الرحلات الجوية بين الجارتين، فإن الطرفين لم يُعلنا إعادة فتح المعابر، بل اقتصر اللقاء على توصيات تعزيز التنسيق والتشاور بين الجانبين.

 

الزيارة الأخيرة للمسؤولين الليبيين إلى تونس، تأتي بعد أسبوع على مكالمتين هاتفيتين بين وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش، ونظيرها التونسي عثمان الجرندي، الذي أكد أن القرار أملته الظروف الصحية والوبائية في تونس، التي تطلبت اتخاذ إجراءات احترازية والمزيد من الحيطة واليقظة، للاتقاء من احتمال دخول سلالات جديدة متحورة وسريعة العدوى من فيروس كورونا إلى البلاد.

من هذا الجانب، توحي الاتصالات المتكررة بين الجانبين بوجود أزمة دبلوماسية خفية لم تظهر بعد إلى السطح بشكل واضح، وأن مواصلة إغلاق المعابر الحدودية لا يعود في الأصل إلى جائحة كورونا والوضع الصحي في تونس، فالأخيرة خففت من البروتوكول الصحي داخليًا، إذ قلصت ساعات حظر التجول إلى 5 ساعات تقريبًا.

في السياق ذاته، فإن زيارة الوفد الليبي إلى تونس توحي أيضًا بأن الحديث لم يقتصر على المعابر وجائحة كورونا، بل طال مسائل أهم وأعمق، في مقدمتها المخاطر الأمنية والتهديدات الإرهابية على الحدود بين البلدين وضرورة عدم التدخُل في الشأن الداخلي التونسي.

 

فالاتفاق على وضع بروتوكول صحي مشترك وفق معطيات علمية لوضع حد لانتشار فيروس كورونا، يمهد لعودة حركة المسافرين والبضائع، ما يتطلب اجتماع لمسؤولين على أعلى مستوى للتنسيق بين اللجان العلمية والأجهزة المكلفة، والاتفاق على أن الحل ليس في الغلق، بل في الفتح مع تأمين الرقابة واشتراط التحليل، وإقامة مستشفى ميداني لتقديم العلاج والقيام بالتحليل للعابرين، وهو أمر لم يحدث في الزيارة الأخيرة.

على خلاف ذلك، فإن الأسباب الحقيقية لاستمرار غلق المنافذ الحدودية بين البلدين، تحمل طابعًا سياسيًا وأمنيًا، وهي في مجملها ردة فعل على إشارات دبلوماسية خاطئة من الجانبين، فاستمرار غلق تونس لحدودها مع ليبيا يأتي ردًا على الإجراء ذاته الذي اتخذته طرابلس من جانب واحد دون التشاور معها.

 

كما يأتي القرار التونسي في صيغة تحفُظ مكتوم على اصطفاف مسؤولين ليبيين مع تيار الإسلام السياسي (حركة النهضة)، ووصفهم لقرارات الرئيس التونسي قيس سعيد بحل البرلمان وفرض حالة الاستثناء بـ"الانقلاب"، أي أن السلطات الجديدة في تونس تعتبر تصريحات رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، خالد المشري، تدخلًا في الشأن الداخلي.

 

هذا الطرح أكدته تصريحات المنقوش خلال زيارتها لتونس، فقد أعربت وزيرة الخارجية الليبية عن "مساندة السلطات الليبية لتونس في كل ما تختاره من قرارات، لما تمثله تونس من مثال يحتذى به في مجال الانتقال الديمقراطي، ووقوفها الدائم إلى جانب ليبيا".

الإمارات وحفتر

بالبحث عن الأسباب الكامنة وراء توتر العلاقات بين البلدين مؤخرًا، يتكشف الدور الإماراتي والإعلام الليبي الموالي للواء المتقاعد خليفة حفتر، في تأزيم وتعقيد الوضع القائم من خلال بث الإشاعات قصد إرباك مسؤولي البلدين، خاصة الجانب التونسي الذي يعرف عدم الاستقرار في أدائه بعد انقلاب 25 من يوليو/تموز.

 

فالإمارات وأذرعها الإعلامية عملت منذ الانقلاب الدستوري، الذي قام به سعيد، على ربط الأزمة السياسية التي تعيشها تونس بالملف الليبي، من خلال خلق سيناريوهات تذكر بالعشرية السوداء في الجزائر، على شاكلة استنجاد إخوان تونس بميليشيات في ليبيا.

والهدف من هذا الربط حشر الإسلام السياسي في زاوية، تمهيدًا لاستئصاله من تونس كما فعلت في مصر، وكذلك ضرب إخوان ليبيا (غرب) بمقتل، وترجيح كفة الشرق عن طريق إعادة الروح في جسد حليفهم المنهار (خليفة حفتر).

ففي الأيام السابقة، انتشرت شائعات عن وجود خطر تسلُل لإرهابيين من ليبيا إلى تونس، إذ نشرت صحيفة ليبية داعمة لحفتر، أخبارًا تفيد بأن الإنتربول التونسي يؤكد وجود "عناصر إرهابية في قاعدة الوطية"، وقالت إن مصدرًا في وزارة الداخلية أكد محاولة 100 عنصر إرهابي التسلل إلى منطقة بنقردان في تونس، انطلاقًا من قاعدة الجوية.

هذه الرواية، رغم نفيها رسميًا من الجانبين التونسي والليبي، يصر الموالون لحفتر ومن ورائهم الإعلام الإماراتي على الترويج لها بقوة، رغم درايتهم الجيدة بالوضع الأمني في المنطقة الغربية من ليبيا، حيث تسيطر حكومة الوحدة الوطنية بشكل فعلي على كل المدن والمناطق الحدودية، ما اعتبره رواد مواقع التواصل الاجتماعي محاولة جديدة لتوتير الأجواء بين البلدين الشقيقين، ضمن إستراتيجية كبرى تهدف لتغيير الوضع السياسي في المنطقة.

 

راهنًا، من المستبعد أن تُقدِم الجماعات الإرهابية على التسلل إلى تونس، التي تعمل منذ وصول الرئيس قيس سعيد إلى الرئاسة على دعم المؤسسة العسكرية ومجهودها في ضبط الحدود البرية بشكل كامل، بالإضافة إلى استحالة دخول المجموعات الإرهابية بهذا العدد الكبير (100)، وذلك بسبب تجربة تونس في أحداث بنقردان في مارس/آذار 2016.

على الجانب الآخر، تحرص ليبيا الممثلة في حكومة الوحدة الوطنية، على بسط نفوذها الكامل على الحدود البرية وتعزيز قدراتها الفنية لمراقبة المنافذ والمعابر بدعم لوجستي وفني تركي، أي أن ليبيا في جانبها الغربي لم تعد كالسابق زمن حكومة الوفاق، التي أرهقتها حرب العاصمة واقتتال الميليشيات الخارجة عن القانون.

الأهم من خبر المجموعات الإرهابية هو طريقة تعامل السلطات التونسية، التي تجنبت التواصل مع نظيرتها الليبية واختارت التواصل مع الشرطة الدولية للاستعلام، والحال أنها لا تحتاج إلى وسيط لمزيد من الاستفسار عنه، وذلك لوجود اتفاقية أمنية بينهما منذ عام 1985، وهي إشارة تُدلِل على أن التيار لا يمر بين البلدين، وتهدف أيضًا لإحراج السلطات الليبية بدعوتها إلى الإجابة عن مخاوفها.

أهمية المعابر

يمثل رأس جدير، المعبر الحدودي بين تونس وليبيا، البوابة الرئيسية المشتركة بين البلدين إلى جانب معبر الذهيبة-وازن، ويشكل، إضافة إلى دوره في تنشيط الحركة التجارية والاقتصادية، نقطة اتصال اجتماعي ورافد ثقافي مهم لسكان البلدين، الذين تجمعهم علاقات ضاربة في التاريخ متأصِلة في القرابة والمصاهرة.

البوابتان الحدوديتان هما معبر ذهيبة-وازن، في مدينة ذهيبة بمحافظة تطاوين، ومعبر رأس جدير بمدينة بنقردان التابعة لمحافظة مدنين، يبعد نحو 30 كيلومترًا عن مركز المدينة، وقرابة 180 كيلومترًا عن العاصمة الليبية طرابس، وهو شريان الحياة لسكان تلك المناطق الحدودية.

ففي حالة الاستقرار يُقبل الليبيون على العلاج في تونس، نظرًا إلى سوء أوضاع القطاع الصحي الحكومي في ليبيا وارتفاع التكاليف في القطاع الخاص، وبحسب بيانات رسمية تونسية، فإن عدد الليبيين الذين يقصدون تونس لتلقي العلاج يبلغ 320 ألف ليبي سنويًا، وذلك بالإضافة إلى السياحة والاستجمام.

وعادة ما يقضي عشرات الليبيين أيامهم في العراء قرب معبر رأس جدير الحدودي، آملين أن يُسمح لهم بالمرور للسفر قصد العلاج، حيث تنتشر عربات الإسعاف والسيارات الخاصة أمام البوابات، في انتظار أن يُفتح المعبر أمام حركة العبور.

 

في المقابل، فإن التونسيين، وخاصة سكان المناطق الحدودية، يقتاتون من المعابر من خلال تجارة البنزين والسلع البسيطة، وفي حال إغلاقه فإن ما بين 40 و50% من أهالي مدينة بنقردان يُحالون إلى البطالة بشكل مباشر.

وعلى مدار السنوات التي تلت ثورة البلدين، تعثرت التجارة البينية بين تونس وجارتها الجنوبية ليبيا في مناسبات عديدة، لأسباب أمنية واجتماعية وآخرها صحية، ما سبب إغلاق المعبر الحدودي برأس جدير في أكثر من مناسبة.

يبدو أن ماكينة الثورة المضادة للربيع العربي، التي تحركت مؤخرًا لدعم انقلاب الرئيس قيس سعيد بكل إمكاناتها، تشتغل الآن على إحداث شرخ في العلاقة التاريخية بين تونس وليبيا، وما الحدود إلا حلقة ضمن سلسلة من مشروع هدم بدأته منذ زيارة سعيد إلى طرابلس في مارس/آذار الماضي، عبر إشاعات وأخبار زائفة تكرس القطيعة بين الحكومة الشرعية في طرابلس وقرطاج، من خلال تصنيف إحداهما للأتراك والأخرى للفرنسيين.