قضت محكمة عسكرية يمنية، الأربعاء 28 من أغسطس/آب 2021، بإعدام زعيم ميليشيا الحوثي عبد الملك بدر الدين الحوثي و173 من قيادات الجماعة والقيادي بالحرس الثوري الإيراني حسن إيرلو مندوب إيران لدى الميليشيا، رميًا بالرصاص لثبوت التهم المنسوبة لهم بالانقلاب على الدولة، إضافة إلى تصنيف الجماعة إرهابية وحلها، وسحب سلاحها وتسليمه للدولة.

وألزمت المحكمة التابعة للمنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب (شمال شرق)، النيابة العامة بمواصلة التحقيق مع بقية الأشخاص المشتركين في الجرائم محل الادعاء، كما ألزمت الحكومة بمقاضاة إيران أمام القضاء الجنائي الدولي لثبوت اشتراكها مع مليشيا الحوثي في الجرائم محل الدعوى.

منطوق الحكم الجديد ضد الحوثيين وآخرين وبما فيهم السفير الإيراني لدى الحوثيين بتهمة دخوله متنكرًا الجمهورية اليمنية، والاشتراك بجرائم قتل، ضد أبناء اليمن، يأتي بالتزامن مع ضغط دولي بهدف إجبار الحكومة اليمنية والحوثيين للجلوس على طاولة الحوار لإنهاء الحرب في اليمن.
 

دستورية الحكم

بالنظر إلى الأسماء المكونة من 174 اسمًا من ضمنهم الإيراني حسن إيرلو وزعيم جماعة الحوثيين في اليمن عبد الملك الحوثي، فإن أغلبية من تم الحكم عليهم، مدنيون ليس لهم علاقة بالجيش اليمني، إضافة إلى أن الدستور اليمني يخلو من الحديث عن أي بند يخص عمليات الانقلاب على السلطة داخل الجمهورية اليمنية، غير أن هناك قانونًا نشرته الجريدة الرسمية بعددها رقم 14 لسنة 1998، تحت اسم جرائم وعقوبات عسكرية، ينظم المحاكمة العسكرية.

تنص المادة الثالثة من الفصل الثاني للقانون العسكري في اليمن، أن يخضع لهذا القانون كل من: ضباط وضباط صف وجنود القوات المسلحة ومجندي خدمة الدفاع الوطني الإلزامية وطلبة الكليات والمعاهد والمدارس العسكرية والعاملين في القوات المسلحة وأسرى الحرب.

وتنص المادة السادسة من القانون ذاته، على أن أحكام الإعدام والرجم حتى الموت والقصاص والصلب والقطع والجلد والحبس والدية والأرش والغرامة والعمل الإلزامي، تكون في غير الدعاوى الشخصية والمدنية، وهو ما خالفه قرار المحكمة العسكرية في مأرب.

ويعد عبد الملك الحوثي وعدد من القيادات الحوثية، شخصيات غير اعتبارية وليست عسكرية، وإنما مجموعة مدنية خارجة عن القانون، خرجت من داخل الكهوف في 2003 لتقاتل الدولة، بتسهيلات من شخصيات ودول وصلت في أواخر سبتمبر/أيلول 2014 إلى الحكم وانقلبت على الدولة، واستطاع رئيس البلاد النجاة من ذلك واستعادة حكمه المعترف به دوليًا، غير أنه لم يحسم الأمر عسكريًا لاستعادة كامل تراب الدولة اليمنية.

الحكم الصادر من المحكمة العسكرية التابعة للمنطقة الثالثة بمحافظة مأرب، بالحكم على زعيم المليشيا والعديد من الشخصيات المدنية، غير دستوري، إلا أنه حكم ملزم للدولة اليمنية وخصوصًا وزارة الدفاع، فيما يخص جماعة الحوثي منظمة إرهابية، ونزع جميع الأسلحة والذخائر والعتاد العسكري منها.

فلو كانت الدولة اليمنية أو الحكومة الشرعية، قاضت قيادة الحوثيين الخارجين عن القانون بمحاكم يمنية مدنية مستقلة، والخروج بأحكام عقابية لمعاقبة عبد الملك الحوثي وحل جماعته، وخصصت المحكمة العسكرية بمحاكمة العسكريين الذين انضموا إلى المليشيا الحوثية، لكان ذلك أهم من أن تخصص محكمة فرعية تابعة لمنطقة عسكرية، بالخروج بمثل هذه الأحكام.

دلالات الحكم

عادة ما تكون المحاكمة العسكرية لأي عمل انقلابي على الدولة من قيادات عسكرية، سريعة العمل بها، لكن هذه المحاكمة بدأت عام 2020، أي بعد خمس سنوات من انقلاب الحوثيين على السلطة، وهو ما يجعل تصنيف هذا الحكم من باب الحروب المضادة، لا سيما أن الحوثيين، سبق لهم أن أصدروا حكمًا في ديسمبر/كانون الأول 2019، بإعدام الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والكثير من قيادات الحكومة الشرعية.

وقبل ذلك، حكمت محكمة في صنعاء يوم السبت 25 من مارس/آذار 2017 على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي بالإعدام، بعد إدانته بـ"الخيانة العظمى"، كان ذلك بداية إدخال القضاء في المعركة السياسية بين الحكومة اليمنية والحوثيين المتحالفين مع إيران.

يبدو أن الحكم جاء ردًا على حكم سابق للحوثي ضد رموز الدولة اليمنية، لكن ذلك يشير إلى أن الطرفين، يناورون سياسيًا بالقضاء، ودخلوا مرحلة جديدة من الحرب والحرب المضادة بعد الحروب العسكرية والسياسية والاقتصادية وحاليًّا القضائية، وهذا يعني أن جميعها ستزول حينما تتم التسوية السياسية بين الأطراف في اليمن، إلا في استثناءات.

يأتي قرار المحكمة العسكرية في محافظة مأرب، بالتزامن مع الحراك الدولي الضاغط على الأطراف في اليمن، للعودة إلى طاولة الحوار بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ سبع سنوات، وسط رفض حوثي لكل المبادرات التي قدمت من التحالف العربي أو المبعوث الأممي السابق إلى اليمن، أو حتى من الولايات المتحدة الأمريكية، غير أنهم قابلوا كل ذلك بمبادرة وضعوا فيها الشروط لتسليم الحكم لهم مقابل وقف الحرب في البلاد.

قد يكون ذلك من باب الضغط الدولي على الحوثيين، لإجبارهم على المساومة السياسية، لا سيما أن وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، قال إن الحكم يعقبه العديد من الإجراءات التي تستعد الحكومة اليمنية لتنفيذها، كمقاضاة إيران أمام القضاء الجنائي الدولي لثبوت اشتراكها مع مليشيا الحوثي في الجرائم محل الدعوى، إضافة إلى خطوات لملاحقة المتهمين المحكوم عليهم، والتعميم عليهم في المنافذ البرية والبحرية والجوية، وعبر الإنتربول الدولي للموجودين منهم خارج البلاد، والحجز على أموال المتهمين في الداخل والخارج.

الحديث عن مقاضاة إيران في المحاكم الدولية، سيكون له بالغ الأثر حينما يتم اتهام قيادات سياسية وعسكرية إيرانية، لا سيما أن هناك الكثير من الأدلة تثبت تورط إيران بارتكاب جرائم كبيرة وتزويد الحوثيين بالسلاح لقتال الدولة وارتكاب الجرائم والانتهاكات بحق أبناء اليمن، وهو ما قد يساهم في الضغط على الحوثيين من ممولهم الرئيسي للقبول بالتسوية السياسية أقلها الجلوس على طاولة الحوار برعاية دولية.

 

 

ومن الدلالات لهذا الحكم، أن الأسماء الواردة في منطوق الحكم، تشمل أيضًا رئيس وفدهم التفاوضي محمد عبد السلام فليتة الموجود في سلطنة عمان مع أعضاء فريقه، الذين يتحركون دوليًا دون عوائق، سيقيد من تحركاتهم إذا أوفت الحكومة اليمنية بما تحدث به الإرياني، وهو ما سيشكل ضغطًا إضافيًا على الحركة الحوثية والخوف على مصالحها، والأموال الكثيرة التي تدخل اليمن عن طريق أعضاء الوفد، ما قد يجعلها تقبل أن تجلس على طاولة الحوار للتفاوض فقط على هذه الأحكام، والأحكام التي أصدرتها بحق الحكومة اليمنية ومعارضين داخل اليمن.

أهمية الحكم

الحكم  بحد ذاته مهمًا كونه ألزم الحكومة اليمنية، بتصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، وهو يعني أن الحكومة اليمنية أو وزارة الدفاع اليمنية ستعلنان التزامها بذلك، والبدء في العمل على تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية.

والالتزام بذلك وتنفيذ الحكم على أرض الواقع، يقطع الطريق أمام تجار الحروب الذين يسعون لإطالة أمد الحرب أكثر من وقتها الحاليّ، من خلال إلزام الحكومة اليمنية بعدم التفاوض مع جماعة إرهابية، وفي نفس الوقت إلزام وزارة الدفاع اليمنية بمهمة القضاء على هذه الجماعة الإرهابية في وقت وجيز، ومن سيتقاعس عن ذلك سيتعرض لمساءلة قانونية ومحاكمة عسكرية.

فالتحرك العسكري عبر قيادات عسكرية وطنية ليس لها أجندات داخلية وخارجية، وهمها الأول استعادة الدولة والحفاظ على الوطن اليمني، سوف يساهم كثيرًا في إنهاء الحرب، من خلال حسمها عسكريًا، وإجبار الحوثيين على تنفيذ القرارات الدولية. 

فبعد سبع سنوات من الحرب واللاحرب في اليمن، زادت معاناة الإنسان اليمني، فالحوثي يتخذ إجراءات اقتصادية وسياسية وعسكرية ومناطقية وتعليمية، بشكل مستمر، دون أن تتخذ الحكومة اليمنية إجراءات لوقف التصرفات الحوثية، وهو ما يزيد الوضع الإنساني تفاقمًا.

فلا الحوثيون قادرون على الحسم العسكري، ولا الحكومة اليمنية تريد أن تنهي الوضع في اليمن عسكريًا، فهي قادرة على ذلك، لكن تجار حروب وكذلك الأمم المتحدة لها مصالح في إطالة أمد الحرب في اليمن، فبإنهاء الحرب، تنتهي تلك المصالح.

المعاناة الإنسانية تتفاقم يوميًا، وتفاقمها ليس في صالح الحكومة اليمنية، لأن الضغوط الدولية ستزداد عليها، لتقديم تنازلات إضافية للحوثيين، والحكم الجديد، يجعل مليشيا الحوثي بنظر المؤسسات العسكرية اليمنية جماعة إرهابية، ويجب إنهاء خطرها، وتنفيذ ذلك، ينهي الحرب وكذلك الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

تنفيذ الحكم من الحكومة اليمنية، قد يؤثر على الدعوات الدولية لإحلال السلام، لكن عدم انزعاج المجتمع الدولي من هذا حتى الآن، يشير إلى أن هناك ضوءًا أخضر دوليًا، ليكون أحد أدوات الضغط على الحوثيين للقبول بوقف الحرب على مأرب والدخول في مفاوضات ترعاها الأمم المتحدة.

لكن الحوثيين لا يبدو لديهم اهتمام بهذا الحكم حتى ساعة كتابة هذا الموضوع، كونهم لا يشعرون بخطورته، لذلك سيستمرون في نهجهم القديم، والضغط على الحكومة اليمنية عسكريًا لحين تحقيق مآربهم، ولن يدركوا قيمة هذا القرار إلا حينما تتهاوى مليشياتهم على الأرض، ويشترط ذلك أن يتم على أرض الواقع معاقبة كل من شملهم الحكم.