وضعت طالبان يدها على السلطة، وأطاحت بأحلام الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان والنبتة التي زرعتها في هذه الأرض على مدار 20 عامًا، الدعم السري للحركة توقف وأصبح علنيًا من بعض القوى الإقليمية والدولية وحمل ذلك الكثير من المفاجآت، لكن أكثرها تعقيدًا موقف النظام الإيراني من الحركة، الذي ترك الخلافات الفكرية والعقائدية جانبًا، وخرج يعلن تأييده وترحيبه على الملأ. 

الكل يغادر إلا إيران

دخلت طالبان القصر الرئاسي وسارع الجميع بالهرب، أجلت البلدان الغربية والإقليمية آلاف الأشخاص من كابل على متن أكثر من 90 رحلةً جويةً، أغلبها لطائرات شحن عسكرية، بمعدل رحلة مغادرة واحدة كل 39 دقيقة.

تم إجلاء آلاف الأمريكان وعائلاتهم من أفغانستان، ولا يزال هناك عدة آلاف من الأمريكيين ينتظرون رحلات المغادرة، كما تواصل القوات المسلحة البريطانية المشاركة في إجلاء رعاياها والمتعاملين معها من الأفغان. 

عزز الجيش الأمريكي إلى جانب شركائه في التحالف رحلات الإجلاء الطارئة عبر الجسر الجوي الضخم، والكل يعمل لإنهاء الوجود الأجنبي وفق الاتفاق بين أمريكا وطالبان، ووفقًا لتعهدات جو بايدن لزعماء مجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن الولايات المتحدة ستسحب جيشها من أفغانستان بحلول نهاية الشهر الحاليّ. 

لكن إيران كان لها رأي آخر، فقد أبقت سفارتها في كابل مفتوحة ونشطة بكامل تشكيلاتها، وكذلك القنصلية العامة الإيرانية في مدينة هرات، ما شكل مفاجأة للكثير من المتابعين والمتخصصين، خاصة أن الكثير من المحللين يرون طالبان وإيران خصمان طبيعيان بناء على الإرث الصدامي بينهما.  

صورة

أحدهما شيعي والآخر سني، وكلاهما من أقصى اليمين الديني، واحتمالات الانشقاق والصدام أقوى بكثير من أي أمل في التفاهم والحوار، يجسد ذلك الطريقة الوحشية التي عاملت بها طالبان الأقلية الشيعية في أفغانستان خلال فترتها الأولى في الحكم، كما سبق لها قتل 11 دبلوماسيًا وصحفيًا من بعثة طهران في مزار شرف، وكادت الأحداث أن تشعل حربًا بين البلدين.

على الجانب الآخر ساعدت الحكومة الإيرانية وفيلق القدس تحديدًا القوات الأمريكية خلال الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2001، وهذه الصراعات المتبادلة سبب حالة الجفاء الشعبي ضد طالبان في إيران.

عبر الشارع عن غضبه من تزايد المحادثات العلنية مع طالبان وخاصة زيارة الملا عبد الغني برادر، أحد أبرز المسؤولين العسكريين في طالبان، لأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني ومجموعة من كبار القادة الأمنيين والسياسيين، وفجر اللقاء أزمة كبرى بين الأقطاب المتصارعة على السلطة بسبب تباين المواقف بشأن مستقبل العلاقة مع طالبان. 

مواصفات حلفاء إيران

التدقيق في علاقات إيران ينسف هذه المعادلة فورًا، فالنظام الإيراني يتحالف مع أي جماعة أو نظام ثوري، بغض النظر عن توجهه الديني، طالما يشترك في المصالح مع مبادئ طهران الأيديولوجية والثورية، فتتحالف طهران مع جماعات وأنظمة تتعارض كليًا في المبادئ والأسس الدينية والسياسية والأخلاقية، من فنزويلا وكوريا الشمالية، إلى حماس والقاعدة وطالبان. 

صورة

أيضًا إحدى المصالح الرئيسية المشتركة التي تختار إيران على أساسها تحالفاتها، المعارضة القوية للولايات المتحدة، وضربة مثل التي وجهتها طالبان لأمريكا في أفغانستان، تهز الوجود الأمريكي في المنطقة، وتعبر عن أحد مظاهر فشل سياسة واشنطن الخارجية، وهو أحد أهداف إيران. 

لهذا لم تبتعد طهران عن المشهد في أفغانستان، بل كانت تعرف جيدًا ما ستؤول إليه الأحداث، وهو ما يفك شفرة تخصيص مجموعة من أكبر قيادات النظام خلال الأشهر الأخيرة للتنسيق مع طالبان والدفاع عن مواقفها. 

 

 

مظاهر الدعم

العودة للماضي قليلًا تؤكد أن التنسيق كان قائمًا بين الطرفين وليس حديث العهد، فرغم الأسباب المتوافرة للعداء، فإن طهران نجحت في تذويب أسباب الخلاف وإقناع طالبان أن خوف إيران من الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة في الأشهر التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 سبب توفير الدعم الهامشي لضرب الحركة.

كانت واشنطن ستنظر إلى سلوك إيران حال عدم التعاون باعتباره عملًا عدائيًا خاصة بعد تصنيفها من الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ضمن محور الشر في المنطقة وما تلاه من غزو القوات الأمريكية للعراق.

غيرّت طهران إستراتيجيتها تجاه طالبان تدريجيًا، لدرجة أنها كانت توفر مأوى لأبرز قادة الحركة وهي لقاءات رصدتها المخابرات الأمريكية، واستهدفت بعض الذين ترددوا عليها، منهم الملا أختر منصور الذي قُتل في باكستان بطائرة أمريكية دون طيار بعد مغادرته إيران عام 2016. 

وجاء ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية خراسان بأفغانستان عام 2015 ليعطي طهران مبررًا قويًا وشرعيةً في التعاون العلني مع طالبان، وسوّقت لاحتواء جهاديي داعش الذين تعتبرهم تهديدًا لحدودها، وعلى هذا الأساس صرح المتحدث باسم طالبان ذبيح الله مجاهد في يوليو/تموز 2016 بأن الحركة في طور تأسيس علاقات جديدة مع طهران. 

في أواخر عام 2018 اعترفت إيران لأول مرة بأنها تستضيف مبعوثي طالبان لإجراء محادثات ثنائية، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الحكومة الأفغانية على علم بالاجتماع وأن الهدف من المحادثات حل المشاكل الأمنية في أفغانستان. 

نظمت إيران لاحقًا أكثر من زيارة رسمية، الأكثر تأثيرًا على المستوى العالمي، كان زيارة وفد من قادة طالبان في يوليو/تموز الماضي، للتباحث بخصوص مستقبل أفغانستان، وحضر المحادثات ثلاثة وفود أفغانية أخرى بما في ذلك عدد من المسؤولين في كابل من أتباع الرئيس السابق أشرف غني، وكان ذلك بتنسيق مع الإدارة الأمريكية وبموافقتها. 

خرج المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس داعمًا وقال: "ما تحاول إيران القيام به من خلال استضافة هذا الاجتماع قد يكون بناءً"، كما رحبت وزارة الخارجية الأفغانية بنتائج الاجتماع بين السياسيين الأفغان وممثلي طالبان في طهران.

ستؤدي تعميق العلاقات العسكرية بينهما إلى تشكيل حزام ممانعة ضد الغرب في المنطقة عبر تعظيم ديناميكيات القوة الأفغانية

لكن بعيدًا عما يحدث في العلن، أمدّت إيران طالبان بالسلاح على طول حدود بلادها، ورصدت أجهزت المخابرات الأمريكية أسلحة إيرانية منخفضة الدرجة نسبيًا مثل المدافع الرشاشة والذخيرة والقذائف الصاروخية بحوذة عناصر طالبان، كما أكد ذلك رحمة الله نبيل، رئيس الاستخبارات الأفغانية السابق. 

لم تتوقف طهران في دعمها لطالبان عند التسليح والمال وتوفير المأوى، بل ساندتها أيضًا بالقوة الناعمة، وسخرت لها بعض الصحف الكبرى مثل كيهان التي أفردت مساحات واسعة للدعاية لنظام طالبان الجديد، ومعروف أن كيهان على وجه التحديد يمولها مكتب المرشد الأعلى، وتعتبر لسان حال علي خامنئي، ما يعني أن طالبان مدعومة من أعلى مستويات السلطة في طهران. 

مستقبل العلاقة

بخلاف الأسباب التي ذكرت في التقرير عن أسباب العلاقة والتوحد الثوري في الأهداف، تريد إيران منع نزوح آخر مزعزع للاستقرار عبر الحدود التي يبلغ طولها 900 كيلومتر بين البلدين، واحتواء التهديد الذي يشكله جيل جديد من المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية، بجانب حماية تجارة طهران المتنامية مع أفغانستان، فلا يزال اقتصادها يخنقه الأمريكيون بالعقوبات القاسية. 

تدرك إيران أيضًا كما أدرك العالم كله الآن، أن طالبان جزء لا يتجزأ من الحقائق على الأرض، ما يعني أن انسحاب القوات الأمريكية فرصة لخلق نفوذ مباشر أكبر في أفغانستان من خلال التحالف مع طالبان وتشكيل تحالفات جديدة مع القوى الإقليمية الأخرى وخاصة الصين وروسيا.

كما ستؤدي تعميق العلاقات العسكرية بينهما إلى تشكيل حزام ممانعة ضد الغرب في المنطقة عبر تعظيم ديناميكيات القوة الأفغانية وتبادل المعلومات الاستخباراتية ما يدق مسمارًا جديدًا صلبًا في نعش الهيمنة الأمريكية في المنطقة.