لا بدّ جرّاء البُعد أن يجتاح الفلسطينيين، في غربتهم، شيء من حنين إلى نسمات الوطن وذكرياته، أو تعود بهم المشاعر إلى أزقّة المدن الفلسطينية وشوارعها، وقد تعبّقت برائحة الفلافل والحمّص الفلسطيني.

ولا يجد الفلسطيني حينها من مفرٍّ إلا التوجُّه إلى أقرب متجر عربي أو شرقي، لتبضُّع شيء من أكلات الوطن مثل الفلافل أو حلاوة السمسم أو دقّة الزعتر، وفي وسط فرحته باقتفاء بعضٍ من أثر وطنه، تواجهه الحقيقة المُرة وقد طُبعت على تراث وطنه بين يدَيه: "صُنِعَ في إسرائيل". 

لم يقتصر عام 1948 على احتلال الأرض الفلسطينية وتهجير أهلها، بل شمل أيضًا بدء احتلال التراث والذاكرة الفلسطينية، من نقشة ثوب الفلاحة الفلسطينية، إلى دندنة العود في أغنية شاعرية أو دبكة شعبية، وصولًا إلى الأكلات التي كانت زاد الفلسطيني في أرضه.. لكن ليس غريبًا لاحتلال سرق الأرض من صاحبها أن يسرق زوّادته.

تحتفي بالنباتية عالميًّا، وتقتلع أشجار فلسطين 

سرقة التراث الفلسطيني ونسبه إلى وهم "الذات الإسرائيلية"، رافقهما ترويج كبير في المحافل الدولية، والمهرجانات الثقافية العالمية، العام الماضي، حيث حصلت "إسرائيل" على المركز الثالث بين أكثر "الدول" نباتيةً ودعمًا للنباتيين.

ويفتخر الاحتلال أن جيشه الذي قتلَ الأطفال في غزة وارتكب المجازر على مرِّ وجوده، هو أكثر الجيوش نباتيةً في العالم، وفقًا لتقرير إذاعة جيش الاحتلال لعام 2018، وقد تصدّر الكيان الصهيوني هذا المركز عالميًّا من خلال "الفلافل"، زاعمًا أنه "الأكلة الإسرائيلية" الأكثر تناولًا بين الإسرائيليين. 

في حديثها لـ"نون بوست"، تعزي منسقة حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية الفلسطينية، ندى حسين، مصادرة نظام الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ومواردها الطبيعية، وكذلك أجزاء هامة من التراث والثقافة العربية، بما فيها الأكلات الشعبية، إلى كونه مثل أي احتلال "يفتقد الجذور في هذه الأرض ويحقد على السكان الأصليين لانتمائهم العميق لها".

وبينما يتّخذ الاحتلال من النباتية كعنوان لترويج صورته ككيان رقيق يهتم بالبيئة والحيوان، تشيرُ حسين إلى ما تسعى إليه حركة المقاطعة BDS في فضح هذه الادّعاءات، من خلال تسليط الضوء على التدمير الممنهَج للبيئة الفلسطينية الذي تقوم به "إسرائيل" منذ تأسيسها على أنقاض فلسطين.

وعندما يشاهد العالم اقتلاع الاحتلال لأشجار الزيتون المعمِّرة، وإبادته للمحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة بُغية التطهير العرقي، خصوصًا في القدس والنقب والأغوار، يفهم مدى التناقض بين ادّعاءات "إسرائيل" وواقعها الإجرامي على الأرض.

بريشة "دولة الحريات"، يرسمُ الكيان الصهيوني نفسه في الأوساط الغربية، طارقًا عدة أبواب منها المثلية الجنسية.

في سياق مواجهة الادّعاءات، تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، اقتلعوا خلال شهر يناير/ كانون الثاني 2021 أكثر من 15 ألف شجرة بالضفة الغربية المحتلة، تحت عدة حجج، كوجودها في مناطق تدريبات عسكرية أو طرق التفافية، وأخرى راحت ضحية حقد المستوطنين وعربدتهم. 

المثلية الجنسية: الاحتلال دولة "الحريات" عالميًّا

لا يدّخر الاحتلال جهدًا في ملاحقة الفلسطينيين بسبب تطلُّعهم للحرية، وسواء أقدم الفلسطيني على فكرة التحرر أو سار مسلكها بفعل مقاوم، يجدُ السجون الإسرائيلية تنتظره لتغتالَ نور الحرية فيه، ويقبع حاليًّا ما يزيد عن 5300 أسير فلسطيني وراء قضبان الاحتلال.

وبينما يتغنّى الاحتلال بأنه "دولة حريات"، تنتظرُ الأسيرة أنهار الديك أن تضع مولودها في السجن، وتكون "إسرائيل" بذلك قد أسرت حرية الطفل قبل ميلاده. 

بريشة "دولة الحريات"، يرسمُ الكيان الصهيوني نفسه في الأوساط الغربية، طارقًا عدة أبواب منها المثلية الجنسية، إذ بحسب التقارير الأخيرة، تعتبَر مدينة تل أبيب المحتلة "عاصمة المثليين في الشرق الأوسط"، ويدّعي الاحتلال أن المثليين والمتحوِّلين جنسيًّا يستطيعون العيش دون خوف من الاضطهاد، وفي سبيل ذلك أقرّ بشكل كاملٍ بحقوق الإنسان الخاصة بالمثليين الجنسيين. 

 

على الجهة الأخرى من الوجه الذي تحاول الحكومة الإسرائيلية إخفاءه عن العالم، تضطهد السلطات الإسرائيلية الفلسطينيين العرب في الداخل المحتل، بسبب هويتهم العرقية والدينية، وتلجأ حكومة الاحتلال إلى التمييز العنصري بين العرب واليهود في كل مناحي الحياة.

وفي عام 2018 بدأت حكومة الاحتلال محاولة فرض قانون القومية اليهودية، الذي يعتبِر الديانة اليهودية أساسًا لمنح الجنسية والمواطنة في "إسرائيل"، ما يرفع من مستوى الفصل العنصري إلى مستوى دستوري غير قابل للاستئناف. 

"يسعى نظام الاستعمار والأبارتايد الإسرائيلي لاستغلال العديد من المجالات الحياتية، بما فيها النباتية والمثلية، كما يستغل الأكاديميا والثقافة، في محاولة يائسة لتحسين صورته المتضررة حول العالم والتغطية على جرائمه اليومية والممنهجة بحق الشعب الفلسطينيّ في كافة أماكن تواجده"، تقول حسين.

وتنوِّه منسقة حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية إلى وجود العديد من الأصوات التي تنادي بضرورة فصل هذه المجالات عن السياسة، لكنّ واقع استغلال العدوّ الإسرائيلي لها ضمن سياسات ممنهجة، تندرج ضمن خطط استراتيجية واضحة ومعلنة، مثل Brand Israel سابقًا وTel Aviv Global، التي تسخَّر ضمنها كل مكوِّنات هذا النظام المترابِطة طاقاتها، للوصول إلى هدفٍ واحد يجعلها موضوعًا سياسيًّا بحتًا. 

وتؤكد حسين على تفهُّم الحركات الاجتماعية المنادية بحقوق أي فئة كانت على أنها حركات مترابطة، ترفض جميع أشكال الاضطهاد والقمع للبشرية جمعاء، لكن في الوقت ذاته ترى أن "تماهي بعض مناصري النباتية وحقوق المثليين مع ممارسات نظام الاستعمار العنصرية، وعدم رفضهم للأبارتايد وللعنصرية بأشكالها كافة، بما يشمل الصهيونية، هو استغلال لهذه الحركات وتفريغها من محتواها الحقوقي الأصيل".

كيف نواجه ادّعاءات الاحتلال؟ 

لمواجهة ادّعاءات الاحتلال ومزاعمه، ترى حسين بضرورة التمسُّك بتراثنا وهويتنا الفلسطينيَّين في وجه محاولات السرقة والمحو، وتعزيز التمسُّك بهما بشكل إبداعي يوفّق بين الأصالة والمعاصرة، خصوصًا في أوساط الأطفال والشباب.

لكي يكون لخطوات تفنيد الادّعاءات وقعها القوي، لا بدّ من مناهضة التطبيع بجميع أشكاله، ودعم حملات المقاطعة المحلية والعالمية.

وتشير إلى العمل على قطع الطريق على "ماكينة البروباغاندا الإسرائيلية، وتعزيز الحملات الرامية إلى كشف وجه إسرائيل الحقيقي بعيدًا عن كل محاولات التلميع، مثل حملة الغسيل الوردي الساعية إلى كشف محاولات الاحتلال استغلال المثلية الجنسية في تلميع جرائمه". 

بالتزامن مع ذلك، ولكي يكون لخطوات تفنيد الادّعاءات وقعها القوي، لا بدّ من مناهضة التطبيع بجميع أشكاله، ودعم حملات المقاطعة المحلية والعالمية، لنمنع منظومة الاحتلال من استغلال "مباركة التطبيع في حال وجوده" في تثبيط جهود النشطاء والمتضامنين الدوليين، مستخدمة شعار "لا تكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم".