تصعيد عسكري وإعادة انتشار على خطوط التماسّ بين الجيش الوطني و"قسد" شرق الفرات.

تصعيد عسكري وإعادة انتشار على خطوط التماسّ بين الجيش الوطني و"قسد" شرق الفرات.

تشهدُ خطوط التماسّ بين الجيش الوطني السوري وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، محيط منطقة عمليات "نبع السلام" شرق الفرات، توتُّرات عسكرية جديدة، تنذرُ بإمكانية حدوث معركة في أي لحظة، ما دفع "قسد" إلى تعزيز نقاطها على طول خطوط التماسّ، تزامنًا مع إعادة انتشار عناصر فصائل الجيش الوطني قرب الخطوط الأولى.

من جانبها، نشرت القوات الروسية عدة نقاط بالقرب من طريق M4، الواصل بين محافظة حلب-الحسكة، حيث تخشى العديد من القوى الفاعلة على أرض شرق الفرات من عملية خلطٍ للأوراق من جديد يبعدها عن المنطقة، وسط غموض الموقف الأميركي ممّا يجري.

تصعيد عسكري

يواصلُ الجيش الوطني والقوات التركية قصفهما على مناطق سيطرة "قسد"، في ريف الرقة الشمالي وريف الحسكة الشمالي، بالتزامن مع تحليق طيران استطلاع تركي في سماء المنطقة، واستهدفت القوات التركية منذ منتصف أغسطس/ آب الحالي العديد من قادة "قسد" عبر الطائرات المسيّرة، وأبرز نقاط الاستهداف طالَت مجلس تل تمر العسكري الذي تسبَّب في مقتل العديد من قادة "قسد".

ويبدو أن وتيرة هذه العمليات ازدادت في الآونة الأخيرة، بالتزامن مع التصعيد في مناطق التماسّ بين الطرفَين بالحسكة والرقة، وهو ما لم يكن موجودًا خلال جميع عمليات التصعيد العسكرية السابقة والتوتر بين الطرفَين، منذ توقف المعارك في مدينتَي رأس العين شمال غرب الحسكة، وتل أبيض شمال الرقة، في أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

 

صورة
تصعيد عسكري وقصف مدفعي متبادل في شرق الفرات.

الناطق باسم الجيش الوطني، الرائد يوسف حمود، قال في حديثه لـ"نون بوست": "إن القوات التركية والجيش الوطني يستهدفان مراكز عمليات "قسد"، لأنها تواصل قصفها على مناطق المدنيين في ريف حلب ومنطقة نبع السلام، ومن الضروري التعامل مع مصادر القصف، وهذه التحركات العسكرية طبيعية".

وأضاف حمود: "الهدف من التصعيد هو الوصول إلى حلٍّ سياسي سلمي، أو بعمل عسكري، والاحتمالات جميعها قائمة، ولا وجود لأي مبرِّر يمنعنا طالما أن "قسد" هي من تبادر في القصف على منازل المدنيين في منطقتَي رأس العين وتل أبيض وريف حلب".

وشهدت خطوط التماسّ بين الجيش الوطني و"قسد" بريف حلب الشمالي، توترات أمنية مماثلة يتخلّلها قصف من قبل "قسد" على عدة مدن متاخمة لخطوط التماسّ، حيث ردّت القوات التركية على مصادر القصف، مع تحليق شبه يومي لطيران الاستطلاع التركي في سماء ريف حلب الشمالي.

تعزيزات عسكرية 

تدفع "قسد" بحشود عسكرية على خطوط التماسّ مع فصائل الجيش الوطني في ريف حلب الشمالي، ومنطقة نبع السلام شرق الفرات، مع حفر متواصل للأنفاق وزراعة الألغام، سعيًا منها لتثبيت وجودها العسكري وتعزيز دفاعاتها، في حال شهدت المنطقة عملية عسكرية لاحقة، في ظلّ غموض التصعيد العسكري الحاصل بينهما.

كما قال مصدر عسكري خاص لـ"نون بوست": "تزامنًا مع التعزيزات التي تدفع بها "قسد"، قام الجيش الوطني بترتيب صفوف قواته على طول خطوط التماسّ الأولى من تخوم مدينة منبج حتى عفرين، مع تعزيز النقاط العسكرية".

وأكّد المصدر أن "فصائل الجيش الوطني أعادت انتشارها فعليًّا على خطوط التماسّ في منطقة نبع السلام، من منطقة رأس العين حتى تل أبيض".

مخاوف "قسد".. وموقف أميركي غير واضح

رغم وجود قوات التحالف الدولي في منطقة شرق الفرات بقيادة واشنطن، واستمرار وصول المعدّات اللوجستية لقواتها الموجودة في المنطقة، إلا أن "قسد" تخشى تخلّي واشنطن عنها بشكل مفاجئ.

وقال الصحفي فراس علاوي، مدير موقع "الشرق نيوز"، الذي يتابع أخبار المنطقة الشرقية، في حديثه لـ"نون بوست": إن "قسد" متخوِّفة من تخلي واشنطن عنها في شرق الفرات كما حدث في أفغانستان، وهناك أسباب أخرى تزيد من المخاوف هي وجودها في منطقة عدوّة لها لأن الحاضنة الشعبية لم تتقبّل وجودها، إضافة إلى قُرب فصائل الجيش الوطني المدعوم من تركيا من أبناء المنطقة الشرقية في منطقة نبع السلام".

وأكّد الصحفي فراس علاوي أن "الموقف الأميركي غير واضح، والحديث عن انسحاب واشنطن من شرق الفرات أمر غير متوقّع، لأن من مصلحتها البقاء في المنطقة، مع ذلك لا يمكن نفي مخاوف "قسد"".

وقد اعتبر تصريحات التحالف الدولي مكرَّرة، لأن واشنطن تدرك أهمية وجود تركيا في سوريا، بسبب الحدود والنفوذ التركي على القوى السورية من الفصائل العسكرية والمعارضة السياسية.

مقاتلون من قسد

وفي 28 أغسطس/ آب الجاري، قال المتحدث الرسمي باسم التحالف الدولي الكولونيل واين ماراتوا: "مهمة قواتنا في شرق الفرات تنحصر في محاربة "داعش" وليس تركيا الحليفة معنا بالتحالف الدولي وحلف الناتو".

قال من جانبه المتحدث باسم "قسد"، نوري محمود، تعليقًا على تصريح التحالف الدولي: "نشعر بخيبة أمل لأن الناطق باسم التحالف الدولي لا يرى نفسه مسؤولًا اتجاه هجمات الجيش التركي".

أعربت "قسد" عن ترحيبها بالدخول الروسي وعناصر نظام الأسد إلى شرق الفرات، لمساندتها عسكريًّا دون التدخل في إدارة المنطقة.

ويبدو "قسد" أنها تخشى من خسارة حليفتها واشنطن، لأنها مدركة الانهيار العسكري الذي ستواجهه في حال عدم تمكُّنها من تثبيت قواعد وجودها بعدة حلفاء دوليين، ما يبرِّر تنسيقها المستمر مع دول الاتحاد الأوروبي، خاصة ألمانيا وفرنسا لضمان وجودها كقوة أمر واقع في المنطقة.

نقاط روسية على خطوط التماسّ.. ما الهدف منها؟

نشطت القوات الروسية في شرق الفرات، بالتزامن مع اندلاع عملية نبع السلام خلال عام 2019، التي قادتها تركيا بعد تفاهمات أميركية تركية من أجل الحفاظ على أمن حدودها، إلا أن تلك التحركات دفعت روسيا إلى الدخول لشرق الفرات، لعلّها تتمكّن من الحفاظ على مصالحها في المنطقة، باعتبارها من أهم المناطق الاقتصادية في سوريا.

وأعلن قائد "قسد" مظلوم عبدي، في مقابلة نشرتها مجلة "فورين بوليسي" مؤخرًا أن تنظيمه استقبل الروس في شرق الفرات "ليس لأننا أردنا ذلك، إنما بسبب الانسحاب الأمريكي من المنطقة"، معتبرًا أن ""قسد لاتزال لها اليد العليا في المنطقة والروس ليسوا إلا ضيوفًا يختبرون الحدود ونحن نرافقهم في دورياتهم".

وجرى قبل أيام قليلة اجتماع بين ممثلين عن "قسد" وممثلين عن القوات الروسية، في مقرّ العمليات العسكرية بمنطقة عين عيسى شمالي الرقة، من أجل الحديث عن التصعيد العسكري الأخير الذي جرى من قبل القوات التركية وتوضيح أهداف تركيا من هذه الحملة، إلا أن الاجتماع لم يخرج بأي نتائج، لكن طلبت روسيا من "قسد" منح قوات نظام الأسد مساحة جيدة على خطوط النار الأولى مع منطقة نبع السلام.

وفي منتصف أغسطس/ آب الجاري، أنشأت القوات الروسية العديد من النقاط العسكرية بمحاذاة انتشار فصائل الجيش الوطني المدعوم تركيًّا، في ريفَي الرقة والحسكة الشماليَّين، واتخذت القوات الروسية نقاطًا في قرية رنين جنوب بلدة سلوك، وفي الشركراك وجنوب مدينة تل أبيض بالإضافة إلى التروازية، ومحيط صوامع العالية وأخرى محيط قرية المبروكة في مدينة رأس العين شمال الحسكة.

وبحسب مصادر محلية، فإن التحركات الروسية التي جرت في الآونة الأخيرة في شرق الفرات، جاءت جرّاء عملية التصعيد العسكري من قبل تركيا وفصائل الجيش الوطني.

وقال نائب مسؤول المكتب السياسي في لواء السلام التابع للجيش الوطني، هشام سكيف، لـ"نون بوست" إنّ "روسيا وضعت نقاطها بالقرب من طريق M4، الواصل بين حلب والحسكة، محاولةً الحفاظ على وجودها في الأماكن الاستراتيجية، لا سيما أنها متخوِّفة من إعادة خلط الأوراق".

وأضاف: "تخشى روسيا من عملية انسحاب مفاجئ للقوات الأميركية في إطار تفاهمات أميركية-تركية، تمكِّن فصائل الجيش الوطني والقوات التركية من السيطرة على مناطق جديدة تقع تحت سيطرة "قسد" في الوقت الحالي، وانتشار النقاط الجديدة هو استعداد لملء الفراغ في حال سحبت واشنطن قواتها".

ولفت إلى أن روسيا ستحافظ بشتى السُّبل على وجود لها شرق الفرات، لأنها تحتاج إلى موارد النفط والغاز التي ستساهم في تحسين وضع نظام الأسد الاقتصادي.

هل هي بوادر معركة؟

أثارت التحركات العسكرية الأخيرة على خطوط التماسّ الأولى في منطقة نبع السلام شرق الفرات الكثير من الجدل، وفتحت الباب أمام التوقعات والتخمينات في ظلّ غموض تامّ عن الهدف الرئيسي من التصعيد العسكري.. فهل هو ينذر باقتراب المعركة؟ أم أنه مجرد تحركات عسكرية روتينية فقط؟

التصعيد واحتمالية حدوث معركة أمر موضوع على الطاولة، قد يحدث بأي وقت، مع فقدان واشنطن الأمل في إدارة "قسد" لمنطقة شرق الفرات.

لا يرى فراس علاوي أن ثمة تفاهمات جديدة بين أنقرة وواشنطن بخصوص ملف شرق الفرات، بعد استلام جو بايدن الحكم، مشيرًا إلى أن "آخر اتفاق هو اتفاق أضنة، الذي حدّد الدخول التركي لمناطق شرق الفرات بعملية نبع السلام، وتمّ خلالها رسم خرائط وحدود التدخل التركي، ولا أعتقد حدوث أي تفاهمات جديدة إلا إذا كانت هناك تفاهمات سرّية لا نعلم عنها".

واستبعدَ أيضًا وجود معركة واسعة، لكن ربما تجري عمليات عسكرية محدودة النطاق تقتصر على مناطق معيّنة، وأما التحركات العسكرية على المدى المنظور فهي عمليات تسخين للجبهات لا أكثر.

بينما قال نائب مسؤول المكتب السياسي في لواء السلام لـ"نون بوست": "إن دخول الطيران المسيّر على خط التصعيد العسكري، واستهدافه مناطق نفوذ واشنطن، أمر غير اعتيادي، وهذا يعني أن هناك تفهُّمًا أميركيًّا للأهداف التركية، لا سيما أن واشنطن تحاول الضغط على "قسد" للجلوس على طاولة الحوار الكردي الكردي المتعثِّر".

وأضاف "أن التصعيد واحتمالية حدوث معركة أمر موضوع على الطاولة، قد يحدث بأي وقت، مع فقدان واشنطن الأمل في إدارة "قسد" لمنطقة شرق الفرات، والرفض الشعبي سواء لوجودها أو سياستها الخدمية والعسكرية وغيرهما".

وتشير العديد من المعطيات إلى أن الوضع في شرق الفرات لن يبقى على ما هو عليه، في ظل بحث واشنطن عن بديل آخر يدير المنطقة ويطيح بـ"قسد"، التي فشلت في إدارة العديد من الملفات، ولم يحظ بالقبول المجتمعي المطلوب.