لم تقترب جائحة كوفيد-19 من النهاية، وبدأت الحملة الانتخابية في المغرب وفق نمط جديد -على خلاف الحملات الانتخابية السابقة-، وجدت فيها الأحزاب السياسية نفسها ملزَمة بمراجعة وتكييف الأشكال الكلاسيكية للتواصل السياسي مع ظروف الوضعية الوبائية، لكن السياسيين لم يستوعبوا بعد على ما يبدو أن للفضاء الرقمي لغة تختلف عن لغة التواصل المباشر.

يستدعي يوم 8 سبتمبر/ أيلول ما يناهز 18 مليون مغربي لانتخاب نوّاب البرلمان للمرة الخامسة في عهد الملك محمد السادس (الجالس على العرش منذ عام 1999)، كما سينتخبون أعضاء المجالس البلدية والجهوية.    

تدابير وقيود احترازية

عشية انطلاق الحملة الانتخابية، في الساعة الأولى من يوم الخميس 26 أغسطس/ آب 2021، أعلنت وزارة الداخلية عن تدابير جديدة، من بينها منع تنظيم تجمُّعات في الفضاءات المفتوحة التي تعرفُ اكتظاظًا، كما لا يجب أن تتجاوز هذه التجمعات 25 شخصًا في الأماكن المغلقة والمفتوحة على حد سواء.

كما قامت الوزارة المشرفة على الانتخابات توزيع المنشورات على الناخبين في الشارع وأيضًا مقرّات السكن، لا ينبغي الجولات الميدانية أن يتجاوز عدد أفرادها 10 أشخاص، و5 سيارات كحدٍّ أقصى للقوافل، هذا مع إلزامية إشعار السلطة المحلية بتوقيت ومسار هذه الجولات والقوافل، علاوة على ذلك أضحى نصب الخيام وتنظيم الولائم ممنوعًا في سياق الوضعية الوبائية.

عمومًا لم تحترم الأحزاب السياسية كل هذه القيود التي وضعتها السلطة الصحية، وخرجت في جولات ميدانية تتجاوز العدد المحدَّد، بهدف التواصل المباشر مع الناخبين.

هذا الوضع الاستثنائي دفع الأحزاب الـ 33 المتنافسة إلى تطوير خارطة طريق مرنة، للانتقال من الشكل التقليدي للحملة الانتخابية إلى تبنّي استراتيجية تواصلية، عبر اللجوء إلى تقنيات التواصل الرقمي، مثل التناظر المرئي والمؤتمرات الهجينة والحضور الافتراضي.

عمومًا لم تحترم الأحزاب السياسية كل هذه القيود التي وضعتها السلطة الصحية، وخرجت في جولات ميدانية تتجاوز العدد المحدَّد، بهدف التواصل المباشر مع الناخبين وتوزيع المنشورات، حتى أنه في بعض الأرياف أقيمت الولائم كما جرت العادة.

"الديجيتال" ملاذ الأحزاب 

أبدت الأحزاب السياسية اهتمامًا كبيرًا بالوسائط الافتراضية، على رأسها موقع فيسبوك حيث يوجد ما يناهز 19 مليون مشترك مغربي، يتابع 1.5 مليون منهم صفحة حزب التجمع الوطني للأحرار، و1.1 مليون صفحة العدالة والتنمية، بينما يحظى الأصالة والمعاصرة بمتابعة تتجاوز قليلًا نصف المليون، والتقدم والاشتراكية 363 ألف، ويتابع الاتحاد الاشتراكي 130 ألف، مقابل 118 ألف لصفحة حزب الاستقلال، أما حزبا الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري فيقدَّر عدد متابعيهما بـ 72 ألف و69 ألف على التوالي.

في غضون أسبوع واحد أنفق حزب التجمع الوطني للأحرار 34396 دولارًا، على ترويج منشورات دعائية بواسطة صفحته الرسمية في موقع فيسبوك، بين 22 و28 أغسطس/ آب 2021، وبالرجوع إلى الإحصاءات الرسمية لموقع فيسبوك، فقد أنفق هذا الحزب لوحده ما مجموعه 206 آلاف دولار منذ 11 مارس/ آذار الماضي.

يأتي حزب الاستقلال في المرتبة الثانية، حيث أنفقَ ما مجموعه 20206 دولارات في ظرف 6 أشهر على الدعاية والترويج في فيسبوك، وفي أسبوع من الحملة الانتخابية بلغ مجموع المصاريف 2315 دولارًا.

كما أن حزب التقدم والاشتراكية أنفقَ خلال الأسبوع المذكور 1147 دولارًا، في حين أنفق الاتحاد الاشتراكي 316 دولارًا، أما العدالة والتنمية فقد أنفق 285 دولارًا، ولم يصرف حزب الأصالة والمعاصرة شيئًا على الدعاية عبر فيسبوك منذ بداية الحملة الانتخابية.

خطاب من دون جدوى

حتى إن كانت الممارسة السياسية تعتمدُ أساسًا على التواصل المباشر، فإن الوسائط الرقمية تعدّ خيارًا ملحًّا في سياق الأزمة الصحية، لهذا قامت بعض الأحزاب بالتعاقد مع شركات متخصِّصة من أجل تعزيز حضورها في العالم الرقمي.

في ظرف قياسي أغرقت الحملة الانتخابية صفحات الأحزاب بعدد هائل من المنشورات، معظمها عبارة عن صور المرشحين ومقاطع فيديو مسجّلة تستعرض الإنجازات والبرامج الانتخابية، ولقاءات مباشرة ومهرجانات خطابية هنا وهناك، يعرضها البث الحي ولا يتابعها سوى عشرات المشاهدين، أما الأنفوغرافيك فيكاد يكون غائبًا.

لم تكن الأحزاب واعية مسبقًا بأهمية الوسائط الرقمية، لهذا ليس غريبًا أن تنقل خطابها التقليدي إلى فضاء يعتمدُ بالضرورة على لغة بصرية جميلة وجذّابة يصاحبها تعليق قوي ومختصر، لأن صورة أو فيديو توضيحيًّا أكثر فعالية من هذه الخطابات الطويلة أو حتى المختصرة منها، حيث يظهر فيها المتحدث داخل إطار ثابت ومُمِّل.

هكذا يتم عرض المعطيات وإقناع المنتخبين على نحو فعّال، فلا مكان للخطابات التقليدية في العالم الرقمي، لأنها لا تروق المتابع الذي يملك حلًّا سريعًا بالانتقال عبر المنصات الرقمية بنقرة واحدة، ذلك أن مُتصفّحي الإنترنت سريعو الملل، داخل شبكة معقدة تتدفّق فيها المعلومات بوتيرة سريعة.

التحدي الصعب

أضحى التواصل السياسي الرقمي جسرًا يربط بين الأحزاب والمواطنين، خاصة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي توفِّر فضاءً رحبًا للنقاش، لكن توظيف هذه الوسائل ما زال يخضع للمنطق نفسه الذي يخضع له التواصل المباشر.

لهذا يتحتّم على الأحزاب أن تعيد إنتاج خطابها السياسي، وفق منظور تسويقي يستهدف كل فئة وفقًا لانتظاراتها، لا أن تكتفي بنقل المعلومة كما جرت العادة في التواصل المباشر، لأنه من الصعب منح العمل السياسي والحزبي تلك الجاذبية، كي يصل إلى فئة واسعة من الجمهور عبر الفضاء الرقمي.

هل سينجح السياسيون باستدعاء عدد كبير من الناخبين يوم الاقتراع من خلال حملة رقمية؟ علمًا أن الانتخابات السابقة كانت شاهدًا على نسبة مشاركة متواضعة، إذ يميل أغلب الناخبين إلى المقاطعة تعبيرًا عن فقدان الأمل والثقة في الأحزاب السياسية.

هذا هو التحدي الصعب في ظروف لم تكن في الحسبان، وبما أن الوقت يمرُّ بسرعة وموعد الاقتراع سيحلُّ بعد أيام، بدأت الأحزاب شيئًا فشيئًا تعطي لنفسها الحق في خرق القيود الاحترازية، ويومًا بعد يوم يزداد عدد المشاركين في الجولات الميدانية، فلا فرق بين الحملات السابقة وهذه سوى أن هؤلاء الآن يرتدون الكمامات الواقية.