أعلنت حركة طالبان الأفغانية، أمس الثلاثاء 7 من سبتمبر/أيلول 2021، قائمة حكومتها المؤقتة التي تضم 33 شخصًا، وذلك بعد 3 أسابيع فقط من سيطرتها على العاصمة الأفغانية كابل، وفق البيان الصادر عن الحركة الذي أشار إلى أن "الإمارة الإسلامية قررت تعيين حكومة تصريف أعمال"، دون الإشارة إلى فترة عمل تلك الحكومة ولا عن الموعد المحدد للتشكيل الدائم المفترض أن يقود البلاد في مرحلتها القادمة.

ورغم عدم اكتمال المناصب الوزارية في التشكيل الجديد، فإن الملامح العامة له كانت صادمة بالنسبة لكثير من المراقبين، كونه خالف بشكل واضح الوعود التي قطعتها الحركة على نفسها بشأن شمولية السلطة الجديدة وتعزيز مكانة المرأة وطمأنة الداخل باتساع نطاق التشاركية.

بعيدًا عن القراءة الأولية لمفردات هذا التشكيل وما يحمله من دلالات ترسم وبشكل كبير ملامح المرحلة الانتقالية القادمة، إلا أن هذا التحرك - غير المكتمل - يهدف في المقام الأول لملء الفراغ السياسي الناجم عن الانسحاب المفاجئ للقوات الأجنبية وتهاوي النظام السابق، في محاولة للحيلولة دون الانزلاق لمستنقع الفوضى حال استمر الوضع على ما كان عليه، حيث لا حكومة ولا سلطة محددة تدير شؤون البلاد.

تزامنت تلك الخطوة مع تأكيدات طالبان بإحكام سيطرتها على إقليم بنجشير، آخر معاقل المعارضة، بعد معارك ضارية شهدتها الأيام الماضية، رغم تأكيد جبهة المقاومة الوطنية بقيادة أحمد شاه مسعود، مواصلة القتال ضد الحركة، وأنها لم ترفع الراية البيضاء بعد.

الإعلان عن التشكيل الحكومي المؤقت قوبل ببعض التظاهرات - بعضها نسوية - في شوارع العاصة كابل، بالقرب من القصر الرئاسي وأمام السفارة الباكستانية، مطالبة بتعزيز حقوق المرأة وأن تكون الحكومة تشاركية، ما دفع عناصر طالبان لتفريقها بإطلاق النار في الهواء.

قراءة في الوجوه الجديدة

في أول مفاجأة تضمنها التشكيل الحكومي المؤقت، اختيار الملا محمد حسن أخواند، القادم من قندهار (جنوب)، رئيسًا للحكومة، فيما كانت تذهب معظم المؤشرات صوب الملا عبد الغني برادر، المؤسس المشارك لحركة "طالبان" مع الملا عمر الذي توفي عام 2013.

كان أخواند يتقلد منصب نائب وزير الخارجية ومحافظ لولاية قندهار في ولاية طالبان الأولى، ويتمتع بقدر كبير من الاحترام داخل الحركة، لا سيما لدى زعيمها هيبة الله زاده، فيما يعتبره آخرون رجل سياسة أكثر من كونه شخصية دينية، وأن قدرته على السيطرة على مجلس قيادة الحركة سيكون لها تداعياتها في إدارته للشؤون العسكرية للبلاد.

ورغم معضلة ورود اسم أخوند في قائمة عقوبات مجلس الأمن المرتبطة بـ"أعمال وأنشطة طالبان"، كونه أحد "أكثر قادة طالبان فاعلية" بحسب الأمم المتحدة، فقد استقرت الحركة عليه على رأس سلطة البلاد التنفيذية في خطوة تحمل الكثير من الرسائل والدلالات.

فيما جاء عبد الفني برادر، الذي كان يشغل منصب نائب وزير الدفاع خلال حكم "طالبان" السابق، وألقي القبض عليه عام 2010 في كراتشي بباكستان، وأطلق سراحه عام 2018 بضغط من واشنطن، نائبًا أول لرئيس الوزراء، فيما عُين عبد السلام حنفي، المدرج أيضًا على القائمة السوداء للأمم المتحدة، الذي كان نائب وزير التعليم في ظل الولاية الأولى للحركة، كنائب ثاني لرئيس الحكومة.

 

خلت الأسماء المعلنة في التشكيل الجديد من أي تمثيل من خارج الحركة، كما غابت المرأة بصورة كاملة عن المشهد، رغم الوعود المتكررة بشأن اتساع رقعة المشاركة بحيث تشمل كل الأطياف

أما وزير الثقافة والإعلام في حكومة طالبان السابقة، المولوي أمير خان متقي، عضو لجنة السلام وفريق المفاوضات الذي أجرى المحادثات مع الولايات المتحدة في العاصمة القطرية، فقد اختير لحقيبة الخارجية في التشكيل الجديد، وتشير بعض الأصوات إلى أنه رجل معتدل غير متشدد، رغم رئاسته للجنة الدعوة والإرشاد بالحركة التي قادت خلال فترة التمرد جهود حث المسؤولين الحكوميين والشخصيات الرئيسة في النظام على ترك مواقعهم.

فيما منحت حقيبة الداخلية لسراج الدين حقاني، نجل القيادي المناهض للسوفييت، جلال الدين حقاني، رئيس شبكة حقاني القوية، التي تعد واحدة من أخطر الفصائل التي قاتلت القوات الأفغانية والقوات الأجنبية في البلاد طيلة العقدين الماضيين، وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي قد رصد مكافأة تصل إلى خمسة ملايين دولار مقابل أي معلومات قد تؤدي إلى اعتقال سراج الدين، الذي بات اليوم وزيرًا للداخلية.

وزارة الدفاع، بكل ما تحمله من مكانة وما يلقى عليها من دور خلال المرحلة المقبلة، فقد اختير لها الملا محمد يعقوب، نجل الملا محمد عمر، ورغم عدم تمتعه بالخبرات القتالية الكافية لإدارة تلك الحقيبة، فإن ولاءه للحركة ومكانته كونه نجل مؤسسها كان السبب الأبرز وراء اختياره. 

وكما كان متوقعًا، فقد عُين المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، وزيرًا للإعلام، فعلى مدار أكثر من عشر سنوات تقريبًا كان قناة المعلومات المتنقلة عن الحركة وأنشطتها، كما أن حضوره على منصات السوشيال ميديا خلال الآونة الأخيرة كان مؤشرًا لتقلده هذا المنصب يومًا ما.

سيطرة طالبانية

سيطر قادة طالبان على مفاصل الحكومة الجديدة، ففي المجال السياسي الملا برادر والمولوي أمير خان متقي والمولوي عبد السلام حنفي وشير عباس إستانكزي نائب وزير الخارجية، أما على الجانب العسكري فهناك المولوي محمد يعقوب وزير الدفاع والملا سراج الدين حقاني وزير الداخلية والمولوي فصيح الدين رئيس قيادة أركان الجيش.

خلت الأسماء المعلنة في التشكيل الجديد من أي تمثيل من خارج الحركة، كما غابت المرأة بصورة كاملة عن المشهد، رغم الوعود المتكررة بشأن اتساع رقعة المشاركة بحيث تشمل كل الأطياف، بخلاف التأكيد على الاستفادة من دروس الماضي خلال الولاية الأولى، وهو ما لم يتضح بشكل أو بآخر من خلال الحكومة المعلنة.

ومن صور السيطرة الطالبانية على التوليفة الحكومية أن الأغلبية العظمى من أعضائها من عرقية البشتون التي ينتمي إليها معظم أعضاء الحركة، فرئيس الوزراء ونائبه ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والإعلام والكهرباء والمياه والتعليم العالي وشؤون المهاجرين ورئيس جهاز الاستخبارات ورئيس البنك المركزي كلهم من البشتون.

 

التشكيلة الوزارة الجديدة لا ترتقي لمستوى الطموحات، سواء في الداخل أم الخارج، كونها تفتقد لترجمة وعود الطمأنة التي قدمها قادة الحركة خلال الأيام الماضية

وبخلاف إستانكزي نائب وزير الخارجية، لوحظ أن جميع الأسماء المعلنة من دارسي العلوم الشرعية في المعاهد التقليدية، فأغلبهم يحمل لقب ملا وبعضهم مولوي، وكلها ألقاب دينية وليست سياسية، هذا بخلاف افتقار التشكيلة الجديدة للشهادات العلمية كالماجستير والدكتوراة في التخصصات المختلفة.

جغرافيًا.. احتلت ولايات الجنوب، مثل قندهار وهلمند، نصيب الأسد في التشكيل الجديد، فرئيس الوزراء ونائبه الأول ووزير الدفاع قندهاري الأصل، تليها الولايات الشرقية، بكتيا وخوست، في المرتبة الثانية، ومنها وزير الخارجية والداخلية وشؤون المهاجرين والكهرباء والمياه، فيما تم تهميش بقية الولايات.

من الأمور اللافتة للنظر في هذا التشكيل، غياب الشخصيات القيادية داخل الحركة، التي تتمتع بسمعة طيبة وشعبية كبيرة، مثل الملا عبد السلام ضعيف السفير الأفغاني السابق في باكستان، والمولوي شهاب الدين دلاور السفير السابق لحكومة طالبان في باكستان ثم السعودية.

الغريب أيضًا أن الحركة لم تعلن مرجعية لها فوق السلطة التنفيذية، على غرار النظام الإيراني مثلًا، كما أنها لم تعلن تشكيل هيئة استشارية لمساعدة الحكومة وتقديم الدعم لها، في توجه ربما يكون إيجابيًا إلى حد ما، يبعد طالبان نسبيًا عن مستنقع الملالي والدولة الثيوقراطية.

قلق وترقب

بحسب مراقبين، فإن التشكيلة الوزارة الجديدة لا ترتقي لمستوى الطموحات، سواء في الداخل أم الخارج، كونها تفتقد لترجمة وعود الطمأنة التي قدمها قادة الحركة خلال الأيام الماضية، ما قد يعيد للأذهان سيناريو الولاية الأولى بسمعتها السيئة، وهو ما انعكس بشكل أو بآخر على ردود فعل المجتمع الدولي التي جاءت جميعها متأرجحة بين القلق والترقب.

الأمم المتحدة وعلى لسان نائب المتحدث باسم الأمين العام، فرحان حق، قالت إن المنظمة لا تشارك في أعمال الاعتراف بالحكومات، كون هذا القرار خاص بالدول الأعضاء وليس بالكيان الأممي، مضيفًا "لا تزال الأمم المتحدة ملتزمة بالمساهمة في حل سلمي، وتعزيز حقوق الإنسان لجميع الأفغان - لا سيما النساء والفتيات - وتعزيز التنمية المستدامة، بما يتماشى مع جدول أعمال 2030، وتقديم المساعدة الإنسانية المنقذة للحياة والدعم الحيوي للمدنيين المحتاجين".

الولايات المتحدة بدورها أعلنت قلقها إزاء التشكيلة الوزارية المعلنة، وهو ما ألمح إليه المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، خلال تصريحاته التي أدلى بها في الدوحة، حيث يجري الوزير أنتوني بلينكن، محادثات تتمحور حول الوضع في أفغانستان، إذ قال: "نلاحظ أن قائمة الأسماء التي أُعلنت تتكون حصرًا من أفراد ينتمون إلى طالبان أو شركاء مقرّبين منهم ولا تضم أي امرأة. نحن نشعر بالقلق أيضًا إزاء انتماءات بعض الأفراد وسوابقهم".

وأضاف "نشعر بقلق من انتماءات وسجلات بعض أفراد الحكومة الجديدة التي أعلنتها طالبان.. نحن نقيم الحكومة المكونة من أفراد ينتمون للحركة ومقربين منها وتخلو من نساء"، لكن في الوقت ذاته قال: "ندرك أن طالبان قدمت هذه التشكيلة على أنها حكومة انتقالية. ومع ذلك، فإننا سنحكم على طالبان من خلال أفعالها وليس من خلال أقوالها".

الموقف التركي هو الآخر جاء حذرًا، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، فقد علق الرئيس رجب طيب أردوغان قائلًا: "كما علمتم للتو، من الصعب تسميتها دائمة، تم الإعلان عن حكومة موقتة"، وتابع "لا نعرف إلى متى ستستمر هذه الحكومة الموقتة. واجبنا الآن هو متابعة هذا المسار عن كثب".

أما وزير الخارجية، مولود أوغلو، الذي كان قد أكد في وقت سابق أنه "لا حاجة للمسارعة إلى الاعتراف بحكومة طالبان"، في مقابلة تليفزيونية له قال: "نأمل أن تكون الحكومة الأفغانية القادمة حكومة شاملة تضم الجميع، وألا تقتصر على طالبان والبشتون فقط، يجب أن تشمل أعراقًا أخرى مثل الطاجيك والهزارة والتركمان والأوزبك، ويجب أن تضم النساء أيضًا، وكما تعلمون فإن النساء ينظمن مظاهرات في هرات وكابل وغيرهما كي يأخذن موقعهن ويحصلن على حقوقهن، وهن محقات".

الاختبار الأول لطالبان.. هل تنجح؟

تحاول الحركة تخفيف حدة رد الفعل إزاء التشكيل المعلن الذي خالف لتوقعات كافة، عبر تصريحات دبلوماسية تغازل بها المجتمع الدولي، كما جاء على لسان المتحدث باسمها سهيل شاهين حين قال إن طالبان تسعى لعلاقات جيدة مع جميع الدول بما فيها أمريكا التي احتلت أفغانستان لمدة 20 عامًا.

شاهين وخلال حوار مع وكالة "سبوتنيك" الروسية قال: "نريد علاقات مع جميع دول العالم، ونود أن تكون لدينا علاقات مع جميع دول المنطقة والدول المجاورة وكذلك الدول الآسيوية. "إسرائيل" ليست من بين هذه الدول، وبالطبع لن تكون لنا أي علاقة معها"، مؤكدًا في الوقت ذاته تعزيز قيم حرية التعبير وعدم فرض أي قيود على وسائل التواصل الاجتماعي.

أما ذبيح الله مجاهد، وزير الإعلام في الحكومة الجديدة، فأكد أن الحكومة ستكون مؤقتة، وأنها غير متكملة، لافتًا إلى أن الحركة التي وعدت بحكومة "جامعة" ستحاول "ضم أشخاص آخرين من مناطق أخرى في البلاد" إلى الحكومة، خلال الفترة المقبلة.

التشكيل الحاليّ كما أشار مجاهد يتعلق بالوزارت التي كانت البلاد في أمس الحاجة إليها، في محاولة لتبرير الانتقادات الموجهة للحركة خلال الساعات الماضية، وأن هناك وزارات أخرى لم يتم إعلان الأسماء الخاصة بها، ما يُفهم منه أن الأسماء القادمة ربما تلبي طموحات التشاركية والشمولية ومشاركة المرأة.

 

يمكن القول إن طالبان نجحت كسلطة جديدة من خلال التشكيل الحكومي المؤقت في مل الفراغ الحالي، سياسيًا على الأقل، بعد الأنباء الواردة بشأن إحكام سيطرتها بشكل كامل على المشهد عسكريًا

تحاول السلطة الجديدة "السيطرة على شؤون البلاد وتسييرها في أقرب وقت ممكن" للخروج من حالة الفوضى والفراغ السياسي الذي تعاني منه البلاد قرابة شهر تقريبًا، بحسب الزعيم الطالباني هبة الله آخوند زاده، الذي أعلن في بيان له أمس، أن الحكومة ستعمل أيضًا على "حماية المصالح العليا للبلاد وتأمين الحدود وضمان السلام الدائم والازدهار والتنمية"، وأنها سوف تتخذ خطوات جدية نحو "حماية حقوق الإنسان وحقوق الأقليات في إطار الدين الإسلامي".

يمكن القول إن طالبان نجحت كسلطة جديدة من خلال التشكيل الحكومي المؤقت في مل الفراغ الحالي، سياسيًا على الأقل، بعد الأنباء الواردة بشأن إحكام سيطرتها بشكل كامل على المشهد عسكريًا، رغم المناوشات من أنصار شاه مسعود، لكنه النجاح المنقوص، كونه مشروطًا بعدة محددات ترسم ملامح معركة الاعتراف الدولي بالحركة كسلطة رسمية للبلاد.

المرحلة المقبلة ستحسم الجدل في هذه المسألة، وإطالة الأمد ليس في صالح الحركة التي بات عليها اليوم قبل الغد إرسال رسائل طمأنة عبر ضم أسماء جديدة من أطياف سياسية وعرقية متباينة، هذا بخلاف أن يكون للمرأة دور محتمل، ليس شرطًا على المستوى الوزاري.. فهل تنجح طالبان في الاختبار الأول لها؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.