تراجع العدالة والتنمية للمرتبة الثامنة

تراجع العدالة والتنمية للمرتبة الثامنة

كشفت انتخابات المغرب فجر اليوم أوراقها، إذ أظهرت النتائج الأولية لها فوز حزب "التجمّع الوطني للأحرار"، برئاسة صديق الملك ورجل الأعمال عزيز أخنوش بأغلبية المقاعد، فيما تذيل العدالة والتنمية، قائد الائتلاف الحكومي، القائمة بعد حصوله على 12 مقعدًا فقط مقارنة بـ125 مقعدًا خلال انتخابات سنة 2016، فما الذي يفسر هذا التراجع المدوي لنتائج الحزب الإسلامي؟

الارتماء في حضن الملك

يبدو أن حزب العدالة والتنمية حصد في الانتخابات المغربية الأخيرة خيباته طيلة 10 سنوات مضت، إذ تلقى في السنوات الأخيرة ضربات موجعة، نتيجة تخليه عن العديد من أفكاره ومبادئه، فقد قدم العديد من التنازلات في المسائل الإستراتيجية المتعلقة بالسيادة، وأيضًا في المواضيع الداخلية كالصحة والتعليم والتشغيل، عكس ما كان عليه الوضع زمن كان الحزب في المعارضة.

ما إن تم انتخابه بالأغلبية سنة 2011، حتى ارتمى الحزب في حضن الملك، فقد كانت قيادات العدالة والتنمية مستعدة للقيام بأي شيء من أجل البقاء فقط في الحكومة، فلا ولاء لهم إلا للملك الذي يسيطر على كل شيء في المملكة أما الشعب فلا فائدة منه إلا يوم الانتخابات، وبذلك بات الحزب الإسلمي يشتغل داخل منظومة النظام لا إرادة سياسية له ولا قرار مستقل، كما كان الحال مع حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي.

كان العدالة والتنمية مستعدًا للقيام بأي شيء من أجل البقاء فقط في الحكومة

ققد وضع النظام لهم - كبقية الأحزاب - خطوطًا محددةً لا يسمح لهم بتجاوزها، بناء على ذلك، وجد حزب العدالة والتنمية نفسه، خارج الحكم وخارج الإرادة الشعبية، فالشعب اختاره ليحكم وليس ليلمه إخطبوط النظام ويبرر سياسات خاطئة اتخذها الملك، في حق البلاد والشعب.

التمسك بالسلطة والامتيازات

كان شعار العدالة والتنمية في بداية دخوله العمل في صلب مؤسسات النظام الحاكم "الإصلاح من الداخل"، واعدًا الشعب بإصلاح النظام وإسقاط الفساد، لكن فور نجاحه في الانتخابات، تلاشت كل الوعود، فأصبح التمسك بالسلطة والامتيازات أهم من النظر في مطالب الشعب، وهو ما يفسر تنكرهم لناخبيهم والوعود التي قطعوها عامي 2011 و2016.

خلال فترة حكمه التي امتدت 10 سنوات، وجد العدالة والتنمية نفسه أمام مفترق طرق، مسلك أول يتمسك فيه بمبادئه التي عبر عنها مرارًا وتكرارًا "لفظًا فقط" مهما كلفه الأمر، وآخر يُفضي إلى تغيير مبادئه وقبوله بالخيارات الخاطئة للمخزن، مفضلًا المسار الأقل ضررًا والانسياق في ركاب رؤية الملك.

 

على سبيل المثال، في عام 2015، صادق رئيس الحكومة آنذاك والأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران على اتفاقية سيداو المتناقضة مع قيم الشريعة الإسلامية وطلب من نواب حزبه الإسلامي في البرلمان المصادقة عليها رغم تحفظهم على محتواها، كل ذلك في سبيل البقاء في الحكم.

التطبيع

ارتماء الحزب في حضن الملك، ظهر جليًا في تأييده اتفاقية التطبيع بين المملكة والكيان الصهيوني، ليس هذا فقط بل توقيع أمينه العام سعد الدين العثماني الذي يشغل أيضًا منصب رئيس الحكومة على اتفاقية التطبيع وتصدر المنابر الإعلامية لتبرير ذلك، فالملك قرر أن يطبع وما على العدالة والتنمية إلا أن يطيع دون سؤال، فهو مجرد حزب وظيفي لا قرار له. 

أغلب قيادات الحزب بدءًا بالعثماني وبنكيران كانوا يؤكدون قبل تقلدهم السلطة على دعم القضية الفلسطينية وضرورة بل واجب الدفاع عنها بشتى الطرق المتاح منها وغير المتاح، منتقدين الأنظمة العربية الرسمية المطبعة - ما دام الكلام دون مقابل -، فكانوا يؤكدون دائمًا ألا سبيل للتطبيع مع الكيان الصهيوني مهما كلفهم الأمر.

لكن عند أول اختبار حقيقي لهم، سقطوا فيه وبانت خيبتهم التي ستلاحقهم طوال حياتهم وبعد مماتهم أيضًا، سقطت قيادات العدالة والتنمية في حلبة التطبيع طواعية وقد كان لهم أن يرفضوا ذلك ويخرجوا من الحكومة عوضًا عن أن يضربوا بالمبادئ الثابتة للإسلاميين عرض الحائط.

التخلي عن الشارع

تخلى العدالة والتنمية عن الشارع والفئات التي دعمته وصوتت له بكثافة خلال الانتخابات، فلم يقدم أي إضافة له بل العكس ساهم في تهميشها أكثر وساهم في تراجع العديد من القطاعات كالتعليم والصحة والتشغيل.

 

لم يستجب الحزب لمطالب الأساتذة المتواصلة منذ سنوات ما جعل احتجاجاتهم متكررة، أيضًا لم يستجب لمهنيي الصحة الذين عانوا الكثير خلال الأزمة الصحية التي تعرفها البلاد نتيجة تواصل انتشار فيروس كورونا في المملكة.

كما لم يستجب لتطلعات سكان الريف وأغلب مناطق البلاد التي تعرف تفاوتًا اجتماعيًا كبيرًا، حتى إن العديد من المناطق التي صوت أهلها للعدالة والتنمية لم يصلها الماء الصالح للشراب بعد، فقد أصبح العطش قدره كحال وجدة.

هادن الفساد

لم يفشل الإسلاميون في الاستجابة لتطلعات المغاربة وتنفيذ الشعارات التي رددوها في حملاتهم الانتخابية فقط، بل أيضًا طبعوا مع الفساد الذي ينخر المجتمع، بعد أن أطلق عبد الإله بنكيران جملته الشهيرة في لقاء تليفزيوني: "عفا الله عما سلف"، ملخصًا بذلك فلسفته في محاربة الفساد، ولم يتردد في إقحام الدين هذه المرة مدافعًا عن فلسفته قائلًا: "هذا كلام الله"!

منح المغاربة ثقتهم لهذا الحزب مرتين متتالتين، لكن خاب ظنهم، فالحزب كرس عمله للتغطية على الفساد وفسح المجال أمامه، وظهر ذلك جليًا في دعم ما يعرف باقتصاد الريع واستفادة ما يطلق عليهم "خدام الدولة" من امتيازات استثنائية خولت لهم التحكم في الاقتصاد وتطويعه خدمة لهم، ما أثر سلبًا على المجتمع المغربي.

يعني مفهوم "خدام الدولة" كبار القوم، أي هؤلاء الموظفون السامون الذين يقدمون للدولة "خدمات عليا واستثنائية"، كالمستشارين الملكيين والوزراء والعمال وقادة الجيش الكبار ورؤساء الأحزاب السياسية وغيرهم، غير أن مفهوم الخدمة في المغرب يرتبط بـ"المخزن" والمهمات الخاصة، فليس كل مسؤول يحق له أن يقوم بمهمة خاصة تستحق نعمة الملك.

حاول العدالة والتنمية أن يتعامل بروح براغماتية ما بين معادلة البقاء في السلطة والمحافظة على الكتلة الانتخابية للحزب، لكن خسر الرهان

 

أضاع العدالة والتنمية الوقت خلال الولاية السابقة والحاليّة، وأظهر عدم الجدية في ترجمة إسقاط الفساد في سياسة عمومية فعلية، تجعل مواجهة الفساد مواجهة شعبية في شتى المجالات، عبر تنزيل شفاف للقوانين التنظيمية.

نتيجة ذلك، تجلت سياسة المحاباة وبرز مبدأ الإفلات من العقاب في تعاطي وزارة العدل والحريات في عهد العدالة والتنمية مع تقارير المجلس الأعلى للحسابات بمنطق التوصيات، إذ عملت الوزارة على حفظ الملفات التي تثبت فساد جماعة المخزن في مقابل توجيه ملفات من يعارض الحكومة سياسيًا.

التخلي عن مبادئه

قبل أن يتولى الحكم، كان للعدالة والتنمية بعض المبادئ التي أكد أنه لن يتخلى عنها وسيعمل على تجسيدها على أرض الواقع إن وصل للسلطة، تحقق له ذلك سنة 2011 وترأس الحكومة، لكن مباشرة تخلى عن المبادئ والقيم التي نادى بها.

ترقب الجميع تحول الوعود بالإصلاحات التي رددها العدالة والتنمية إلى واقع، لكن خيبات الأمل توالت واحدة تلو الأخرى، بعدما كانت هذه الإصلاحات ضد الطبقات الوسطى والفقيرة، بدءًا مما أسمته الحكومة "إصلاح صندوق المقاصة"، الذي يتولى دعم أثمان المواد الأولية المسوقة في المغرب.

 

عوضًا عن دعم المحتاجين، توجه العدالة والتنمية وفريقه الحكومي إلى رفع الدعم التدريجي عن بعض المواد الاستهلاكية كغاز الطهو والدقيق والسكر، وهو ما أدى إلى غلاء الأسعار في السوق وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

ما زاد من نقمة الشارع ضد العدالة والتنمية مصادقته على تقنين استخدام القنب الهندي الذي يزرع في مناطق متفرقة بجهة طنجة تطوان الحسيمة (شمال المغرب)، ما اعتبره المغاربة تشريعًا للمخدرات وفتح الباب أمام الفساد في البلاد.

حاول العدالة والتنمية أن يتعامل بروح براغماتية ما بين معادلة البقاء في السلطة والمحافظة على الكتلة الانتخابية للحزب، لكن نتائج الانتخابات الأخيرة وحلوله في المرتبة الثامنة أكد خسارته الرهان وفشله في التوفيق بين الارتماء في السلطة وعمقه الشعبي.