رغم حصول قرارات سعيد على تأييد جزء من التونسيين الذين أرهقتهم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وعسر الانتقال الديمقراطي بفعل الصراع السياسي المزمن، إلا أن تواصل الحالة الاستثنائية التي فرضها دون إعلانه عن حكومة أو بديل للوضع القائم، خلقت قلقا محليًا ودوليًا بشأن مسار الديمقراطية والحرية في البلاد، خاصة أنها الدولة العربية الوحيدة التي حافظت على هذا المسار بعد ثورات الربيع العربي، وهو ما أفصحت عنه القوى الخارجية صراحة.

ضغوط خارجية

كعادته، يبعث الرئيس التونسي قيس سعيّد في كل خطاباته رسائل غامضة موجهة لكل الوجهات داخليا وخارجيا دون تبيين خطواته القادمة، في حركة يعتبرها البعض استراتيجية اتصالية هدفها ربح الوقت لتهيئة الظروف لإعلان مشروعه السياسي الجديد، فيما يعتبره البعض مؤشر قوي للضغوط المسلطة على ساكن قرطاج للعدول عن إجراءاته غير الدستورية.

الطرح الأخير أكده بيان الرئاسة التونسية أمس الجمعة، حيث نقل عن سعيد قوله: إن "بلاده لن تقبل أي تدخل أجنبي"، ما يعني أنه يواجه ضغوطا متزايدة من حكومات غربية لإعادة النظام الدستوري بعد سيطرته على السلطة في يوليو/تموز الماضي.

 البيان الذي أثارت طريقة صياغته سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي لغرابته، جاء فيه أن تونس لا تقبل أن تكون في مقعد التلميذ الذي يتلقى دروسا ثم ينتظر بعد ذلك العدد الذي سيتم إسناده إليه أو الملاحظة التي ستدون في بطاقة إعداده، مضيفا: "سيادة الدولة التونسية واختيارات شعبها لم تطرح أصلا في النقاش، ولن تكون موضوع مفاوضات مع أي جهة كانت".

 موقف سعيد الأخير يأتي عقب لقائه مسؤول السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، ودعوة الأخير إلى عودة البرلمان والحفاظ على المكتسبات الديمقراطية في البلاد.

 

بوريل قال أيضا في بيان أصدرته المفوضية الأوروبية: "نقلت إلى الرئيس المخاوف الأوروبية في ما يتعلق بالحفاظ على مكتسبات الديمقراطية في تونس، وهي السبيل الوحيد لضمان استقرار البلاد وازدهارها"، مضيفا أن الممارسة الحرة للسلطة التشريعية واستئناف النشاط البرلماني جزء من هذه المكتسبات، ويجب احترامها.

على صعيد متصل، يبدو أن موقف الاتحاد الأوروبي يتماهى إلى حد بعيد مع بيان مجموعة الدول السبع الذي أشار في وقت سابق بوضوح إلى انزعاج هذه القوى الخارجية من دخول تونس في حالة من عدم الاستقرار التي قد تُؤثر على مصالحها الحيوية المختلفة.

كما أنه متناسق مع الرؤية الأمريكية للأزمة التونسية والقائمة أساسا على العودة إلى الدستور الذي لا يمكن إيقاف العمل به أو تغييره إلا بناء على مشاركة واسعة وتعيين "حكومة مقتدرة" تمارس السلطة التنفيذية بالصلاحيات الموجودة في الدستور وبرلمان منتخب.

ضغوط الداخل

مع الضغوط الخارجية، يواجه قيس سعيد حراكا داخليا بسبب استمرار حالة الغموض وتأخر إعلان عن اسم رئيس الحكومة لمواجهة الأزمة الاقتصادية وغياب الأسس القانونية لإجراءات منع السفر والإقامة الجبرية التي لا يصفها الكثيرون بتصفية حسابات قديمة مع خصومه السياسيين.

بعيدا عن حركة النهضة الإسلامية التي يرجح أن تكون الجهة الأولى المستهدفة بإجراءات قيس سعيد (إقصاء الإسلام السياسي من الحكم) والتي وصفتها بالانقلاب على المسار الديمقراطي رغم بطئه، فإن عددا من الأحزاب أعلنت مخاوفها صراحة من أن سعيد يرنو بسياسته إلى إعادة حكم الفرد بعد تعليق العمل بالدستور، مثلما أعلن عنه مستشاره وليد حجام.

الأحزاب والشخصيات السياسية لم تتقبل تصريحات مستشار الرئيس التونسي التي عبّر فيها عن نية قيس سعيد تعليق العمل بدستور عام 2014 وتغيير النظام السياسي بأريحية بل عبرت عن هواجسها وشكوكها في خطوات الرئيس القادمة، حيث أعلن حزب التيار الديمقراطي الذي يعد من الحزام السياسي للرئيس، في بيان أصدره، أن على رئيس الجمهورية توضيح موقفه بهذا الشأن، واحترام الدستور، رافضًا ما وصفها بالمحاولات الفردية لتغيير العقد الاجتماعي واستغلال غضب التونسيين لفرض خيارات سياسية.

تغير موقف حزب التيار من سياسات قيس سعيد، أكدته تصريحات أمينه العام السابق محمد عبو الذي عرف عنه دفعه الرئيس لتفعيل المادة 80، وذلك بعد أن أعلن معارضته لتعليق العمل بالدستور، مشترطا أن يتم في ظل برلمان منتخب مقبل.

تصريحات محمد عبو الأخيرة توحي بما لا يدع للشك أن الرئيس حاد عمّا اتفق عليه مع أحزاب الحزام السياسي الداعم له، خاصة أن محمد عبو أشار إلى أن الهدف من اللجوء إلى الفصل 80 كان تفكيك ما وصفها بمنظومة الفساد السياسي، وليس تعديل الدستور والذهاب نحو نظام رئاسي.

من جانبه، اعتبر حزب "حراك تونس الإرادة" أن تصريحات مستشار الرئيس تثبت ما سماه "المنحى الانقلابي" الذي اتبعته رئاسة الجمهورية منذ 25 يوليو/تموز الماضي، فيما أوضح الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي إن مستقبل النظام السياسي شأن وطني ولا يجوز لرئيس الجمهورية الاستفراد به وتحويره ليتماهى مع قناعاته.

في سياق ذي صلة، فإن اتحاد الشغل الذي أكد في وقت سابق أنه لا مجال للرجوع إلى ما قبل 25 يوليو، دعا بدوره الرئيس التونسي قيس سعيد إلى توضيح الرؤية والبرامج المستقبلية حتى يبقى الشارع على بينة من أمره.

منظمة الشغل التونسية أعلنت أيضا ما قالت إنها "خارطة طريق" أعدها خبراؤها لإدارة المرحلة الاستثنائية التي تعيشها تونس، تقوم على الإسراع في تشكيل حكومة كفاءات وطنية مصغرة بالتشاور بين رئاسة الجمهورية والمنظمات المدنية، بالإضافة إلى تشكيل هيئة استشارية تكون مهمتها وضع تصور قانوني لإصلاح النظامين السياسي والانتخابي والدستور، مع ضرورة وضع سقف زمني للإجراءات الاستثنائية والحسم في مصير البرلمان الحالي.

وكان الأمين العام لاتحاد الشغل التونسي ذي التأثير القوي نور الدين الطبوبي قال إنه يدعو إلى انتخابات برلمانية مبكرة تفضي إلى برلمان يناقش الدستور وتغيير النظام السياسي، وهو تصريح يعد أول إشارة إلى رفض أي خطط محتملة من قيس سعيد لتعليق الدستور.

 

أما في الجانب الاقتصادي الذي يعرف إشكالات عميقة، يقترح الاتحاد القيام بإصلاحات عاجلة وإعداد موازنة تكميلية للسنة الحالية، إضافة إلى ضرورة التدقيق في الوضع المالي الحالي للبلاد، وفي طرق التصرف بالقروض التي حصلت عليها تونس.

رهان سعيد

قيس سعيد الذي لا يبدي أي تأثرا بالضغوط الدولية والداخلية التي تقودها الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني إضافة إلى صوت الشارع، يبدو أنه ماض في برنامجه السياسي الذي مهد له بانقلاب 25 يوليو، لاعبًا أوراق تمتص ضغط الداخل ومطالب الخارج في آن واحد.

الظاهر أن الرئيس التونسي قيس سعيد يُراهن أولاً على فشل الأحزاب السياسية في صياغة موقف موحد تُجاه الإجراءات الاستثنائية التي أقرها في 25 يوليو/تموز، وعجزهم عن إيجاد كتلة وازنة تواجه زخم الشعبوية التي يحظى بها والتي تُعد من محددات المرحلة القادمة.

أمّا على مستوى الإجراءات القادمة، سيعمل على اختيار شخصية لتقلد منصب رئاسة الحكومة تحظى باحترام واسع وتأييد أغلب القوى السياسية، الدليل أنّه إلى اليوم لم يعين شخصية مقربة منه كما كشفت تقارير إعلامية سابقة، لأنه يعرف تبعات ذلك على المستوى الاجتماعي والسياسي.

سعيّد الذي تراجع عن تعيين محافظ البنك المركزي رئيسا للحكومة أراد ربح الوقت حتى لا يكرر مغامرته القديمة ولا يضطر بعد أشهر لتفعيل البند 80 من جديد لإقالة رئيس الحكومة، وبالتالي يسقط في العبثية وينهار مشروعه، وذلك إلى جانب حرصه على اختيار شخصية يسيطر من خلالها على السلطة التنفيذية.

سيُحاول الرئيس التونسي أيضًا تجنب التصادم مع النخب والفاعلين الاقتصاديين والمنظمات الممثلة لها كمنظمتي اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف، وهو ما كشفت عنه تصريحاته الأخيرة الموجهة لرجال الأعمال بأنه لا يكن لهه العداء وأن الإجراءات التي سيتخذها تجاه المورطين في قضايا مالية سيتم حلها بعيدا عن القضاء.

أما على الصعيد الخارجي، فسعيد يراهن على المحور الذي أثبت مبكرًا دعمه للحالة الاستثنائية وعلى رأسها الإمارات ومصر وفرنسا، كما سيحاول استثمار المخاوف الجزائرية من جر هذا الحلف إلى منطقة شمال إفريقيا، كما سيحاول استغلال تراجع الدعم الغربي للتجارب الديمقراطية العربية وحالة الصراع الإقليمي في المنطقة المتوترة خاصة في الملف الليبي.

فسعيد يعرف جيدًا أن الأوساط الليبرالية في واشنطن بدأت تُعدل في سياستها الخارجية على قاعدة أنّ الاستقرار في المنطقة هشّ للغاية وأنّ الأنظمة السلطوية قد تكون خيارًا قادرًا على ضبط الأوضاع، وأن تونس ليست أرضًا لبناء توازنات مستدامة في المنطقة، وبالتالي سيحرص على تقديم وعود خاصة للفرنسيين بأنه الضامن الوحيد لمصالحها المهددة من قوى منافسة.

أدخل الرئيس قيس سيعيد بإجراءاته الاستثنائية البلاد في حالة عطب سياسي واقتصادي، وألقى بها في مغامرة شخصية غير مضمونة العواقب نظرًا لعدم توفر المقومات الأساسية لنجاح خطته ومشروعه المستقبلي، فالتعويل على الدعم الخليجي المرتبط بأجندة سياسية في المنطقة قد يعود بالوبال على التجربة الرائدة رغم هناتها.