يبدو أن القارة الإفريقية وخاصة شمالها لن تتخلص من العقدة التاريخية لموقعها الاستراتيجي، فعلى مرِّ العقود كانت هذه الرقعة محطة لصراع القوى الاستعمارية العظمى، على اعتبار أنها مركز للتجاذب الدولي اقتصاديًّا وسياسيًّا، وها هو الصراع والتنافس يتجدّدان اليوم بعودة روسيا للنشاط الدبلوماسي المتعدِّد الأوجُه، مستغلّة التحولات الجيوستراتيجية التي يشهدها العالم.

تاريخ العلاقات

تاريخيًّا، لم يكن الحضور الروسي في إفريقيا وليد العقود الأخيرة، فهو متأصِّل وله جذور تعود إلى القرون الماضية بفعل العلاقات الدينية التي كانت تربط بين الأرثوذكس والمسيحيين وكذلك مسلمي المنطقتَين.

ثم تطوّر الوجود الروسي بعد أن حطّت مجموعة من البحّارة والمستكشفين في عدد من البلدان الإفريقية، منها الكونغو الديمقراطية ومصر والمغرب، وسيتعزّز هذا الحضور بعد ذلك بافتتاح روسيا القيصرية لقنصليتَين في مصر نهاية القرن الـ 18، الأولى في القاهرة والثانية في الإسكندرية، وفي عام 1898 ستتمكّن من إقامة علاقات دبلوماسية مع كل من إثيوبيا وجنوب إفريقيا، كما ستقوم بتثبيت قنصلية عامة في المغرب بمدينة طنجة.

بعد قيام الثورة البلشفية، عمّقت روسيا اتصالاتها مع الدول الإفريقية عبر القنوات السياسية وروابط الفكر الاشتراكي الجديد، لتصبح بعد ذلك، خاصة عام 1950، أكبر داعم للدول الإفريقية المستقلة حديثًا ولحركات التحرُّر المناهضة للاستعمار عبر تقديم الدعم المادي والسياسي.

تجلّى هذا الدعم بشكل واضح في إعلانها التاريخي داخل أروقة الأمم المتحدة عام 1960، والذي أعلنت فيه عن مبادرة منح الاستقلال للبُلدان والشعوب المستعمرة، صوتت عليها 89 دولة مقابل اعتراض 9 كان من بينهم فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

أما في فترة الحرب الباردة، اتّجهت روسيا لتعزيز اهتمامها بدول العالم الثالث، بما فيها الدول الإفريقية، لمواجهة تزايُد التأثير الأميركي في النظام الدولي، وتخلّصت تدريجيًّا من عوائق السياسة الستالينية الموجّهة لأوروبا لتثبيت تأثيرها وقدراتها في إفريقيا، من خلال إنشاء علاقات اقتصادية كانت أغلبها مع مصر والجزائر.

دعمت روسيا أيضًا عسكريًّا الأنظمة العسكرية في القاهرة والجزائر وكذلك نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، مقابل الحصول على منافذ بحرية وجوّية في تلك الدول تسهّل على الاتحاد السوفيتي الاستعانة بها في حالة حدوث أي توتر مع الغرب وخاصة أميركا.

 

بعد ذلك التاريخ، استمرَّ الاتحاد السوفيتي في تطوير علاقاته بإفريقيا، حيث وقّع في ثمانينيات القرن الماضي 37 اتفاقية للمساعدة التقنية شملت تدريب 2500 إفريقي في الجامعات وتخريج الآلاف من الأكاديميات العسكرية بينهم نخب وقيادات، بالإضافة إلى حوالي 42 اتفاقية تجارية.  

كاد الدور الروسي في المنطقة أن يتلاشى منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، خاصة بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكُّكه إلى دويلات (عام 1991)، إلا أن صعود الصين في العقدَين الأخيرَين وتركيزها على السوق الإفريقية لتصبح الشريك التجاري الأول لدول القارّة، دفع روسيا من جديد إلى السعي من أجل تحصيل موقع في المنطقة.

العودة

أيقنت روسيا في وقت متأخّر أن وجودها في المنطقة الإفريقية لم يكن مدروسًا وفق خطط مستقبلية ومحددات اقتصادية قادرة على النهوض بمكانتها عالميًّا، بل كان وجودًا فرضته الخيارات السياسية والمنافسة مع أميركا على قيادة العالم وفق صراع الأقطاب، هذا الأمر أكّدته تصريحات المسؤول بوزارة الخارجية ألكسندر مكارينكو، الذي اعتبر أن مسار التبادلات بين روسيا وإفريقيا كانت قائمة بالأساس على المساعدات والديون ولم تشمل التجارة والاستثمار.

يُبيّن التصريح أن صراع القوى على النفوذ في العالم أرهقَ روسيا وأثقلَ اقتصادها الوطني واستنزفَ مقدراتها المحلية، ما جعلها تُعاني من أزمات داخلية أدّت في وقت لاحق إلى تغيير نظامها السياسي عن طريق بوريس يلتسن الذي خيّر التقارب مع أميركا على مواصلة المنافسة.

في سياق متّصل، ومنذ أن تولّى بوتين زمام السلطة، وضعَ ضمن أولوياته استعادة صورة روسيا كقوّة عظمى والعودة إلى المناطق التي اعتادت أن تكون فيها موسكو جهة فاعلة أساسية، لذلك كان شمال إفريقيا على رأس قائمة جدول أعمال السياسة الخارجية الجديدة.

الاهتمام الروسي الجديد بإفريقيا برزَ بوضوح بعد أزمة أوكرانيا عام 2014 التي تسبّبت في شرخ خطير في العلاقات الروسية-الغربية، وما تلاها في العام نفسه من ضمِّ إقليم شبه جزيرة القرم إلى الاتحاد الروسي، وتدخُّلها في سبتمبر/ أيلول 2015 عسكريًّا في سوريا، وهي السنة نفسها التي أعلنت فيها استراتيجيتها الجديدة لاختراق القارة الإفريقية.

أمّا الاختراق الحقيقي فتجلّى في التدخُّل العسكري المباشر في جمهورية إفريقيا الوسطى عام 2018، وفي الساحة الليبية في الفترة نفسها من خلال الشركة الأمنية الخاصة "فاغنر" الداعمة لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وفي تسارُع وتيرة الاتصالات والاتفاقيات، فما بين عامَي 2014 و2019 زارَ 12 زعيمًا إفريقيًّا روسيا، ووُقِّعت 19 اتفاقية عسكرية ما بين روسيا والدول الإفريقية، كان أهمها القمة الروسية الإفريقية المشتركة في مدينة سوتشي في أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

 

أهمية شمال إفريقيا

المعلوم أن إفريقيا باتت تشكِّل سوقًا تجاريًّا مفتوحًا ومجالًا فسيحًا للاستثمار، إضافة إلى كونها مصدرًا هامًّا للخامات والمعادن والمواد الأولية، لذلك ترى موسكو أن الوصول إلى البحر المتوسط قد يحوّلها إلى جهة فاعلة أساسية في منطقة النفوذ الأوروبي، وقد يقلّل أيضًا من قدرات منافستَيها الصين والولايات المتحدة في تلك الرقعة.

فزيادة نفوذها في شمال إفريقيا سيُمكّنها من تأمين منافذ إضافية إلى المرافئ على طول البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي توسيع مجال تحرُّكها ونقله من الجو إلى المياه بما يسمح لها فكّ الحصارَين الأميركي والأوروبي المفروضَين عليها.

أمّا الجانب العسكري، ستحاول روسيا تدعيم علاقاتها مع دول شمال إفريقيا التي تُعدّ سوقًا مربحًا نظرًا إلى قيمة الصفقات المبرَمة مع بعض دول المنطقة، على رأسها الجزائر ومصر وبدرجة أقل ليبيا، كما ستعمل على مقايضة خبرتها وصناعتها العسكرية بمزايا استثمارية وتجارية في القطاعات الحيوية في إفريقيا، من معادن ونفط وغاز، مع تعزيز حضور شركاتها ومؤسساتها الاقتصادية في تلك الأسواق (إعادة إعمار ليبيا).

فروسيا تتحكم حاليًّا بنسبة 37.6% من سوق السلاح في إفريقيا، مقابل 16% للولايات المتحدة و14% لفرنسا و9% للصين، وهي المزوِّد الرئيسي للجزائر التي تعدّ من الشارين الـ 5 الأوائل للأسلحة الروسية، حيث تتلقّى منها أكثر من 80% من معدّاتها.

حصة المعدّات العسكرية بين الجزائر وموسكو بلغت ثلثَي التجارة بين البلدَين، التي ارتفعت قيمتها من 700 مليون دولار في العام 2007 إلى 4 مليارات دولار في العام 2016، أي أن البلد الإفريقي استحوذ على 10% من صادرات الأسلحة الروسية.

 

يجدر بالذكر أن موسكو أعفت عام 2006 الجزائر من سداد 4.7 مليارات كانت تدين بها للاتحاد السوفيتي، ما أتاح للدولتَين تحسين علاقاتهما وتوطيد روابطهما السياسية والاقتصادية، حيث وقّعا في العام نفسه اتفاقيات لتزويد الجزائر بدبابات ومقاتلات ومنظومة صاروخية ومعدّات أخرى بقيمة 7.5 مليارات دولار.

كما تُقيم مع مصر أيضًا تعاونًا عسكريًّا هامًّا، خاصة بعد صعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، ففي عام 2014 اشترت القاهرة معدات عسكرية روسية بقيمة 3.5 مليارات دولار، وعام 2015 أنشأت مصر وروسيا لجنة مشتركة للتعاون العسكري-التقني، لتنفّذا بعد عام تدريبات مشتركة لمكافحة الإرهاب تحت عنوان "المدافعون عن الصداقة - 2016"، أمّا عام 2017 وقّعتا اتفاقًا أوليًّا يُسمَح بموجبه للطائرات العسكرية الروسية بدخول المجال الجوي المصري واستخدام قواعدها العسكرية.

أمّا في ليبيا، عزّزت موسكو حضورها بقوة، ورغم تعاونها مع الشرق الغني بالنفط بقيادة اللواء المتقاعد ودعمه لوجستيًّا وفنيًّا عن طريق مرتزقة "فاغنر"، بنَت علاقات قوية مع حكومة السرّاج كجزء من سياسة أصدقاء للجميع التي يعتمدها بوتين في المنطقة، مستغلًّا غياب الولايات المتحدة لممارسة نفوذها الجديد.

 

من الناحية الاقتصادية، يوفّر شمال إفريقيا فرصًا حقيقية للشركات الروسية في قطاع الطاقة (غازبروم ووكويل وروستيك وروساتوم) وللاستثمارات في تطوير البنى التحتية، كما يمثّل نقطة انطلاق لأعماق إفريقيا أي جنوب الصحراء الكبرى، حيث أصبحت موسكو ناشطة بشكل متزايد في مجال الطاقة والمعادن، فقد صرّح نائب المدير العام لشركة ألروسا لاستخراج الألماس، فلاديمير مارتشينكو، أن "أكثر من 47% من احتياطي الألماس في العالم يتركّز في إفريقيا".

سيعزّز الروس تأمين إمدادات الحبوب إلى عدة دول إفريقية، مثل مصر، التي تعتبَر من أكبر مستوردي الحبوب الروسية (11.2 مليون طن عام 2017)، عبر منافسة دول منتِجة رائدة، مثل أوكرانيا وأستراليا وكندا، فمن المتوقّع أن ترفع روسيا حجم تصدير الحبوب إلى شمال إفريقيا ودول الشرق الأوسط عام 2020 بنسبة 10%.

 

الآفاق والحدود

يبدو أن العلاقات الروسية الإفريقية محدَّدة في مجالات بعينها وتتحكم فيها طبيعة أهداف الجانبَين، فإذا كانت روسيا تسعى من خلال شراكاتها مع الدول الإفريقية إلى استعادة دورها في العالم، وفكّ حصار حلف شمال الأطلسي والدول الغربية الذي يطوّقها من جهة شرق أوروبا، فإن بعض الدول الإفريقية ترى في روسيا شريكًا فعّالًا في حروب الإرهاب وفي دعم أنظمتها الاستبدادية غير الديمقراطية.

موسكو تعلم جيدًا أن أغلب الدول الإفريقية تعوّل على قدرة موسكو في استغلال وضعها، باعتبارها إحدى الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن، القادرة على تأييد قرار العقوبات على بعض الدول أو رفعها، لذلك من المرجّح أن تستغلَّ هذه الورقة جيدًا.

من جهة أخرى، ستراهن روسيا كعادتها على حالة عدم الاستقرار والصراعات الحدودية والملفات العالقة في هذه المنطقة، وستحاول من خلال براغماتيتها الجديدة، التي لا تقيم وزنًا للاعتبارات الأيديولوجية القديمة، تطويعَ التحولات السياسية لصالحها، والشاهد أنها رغم الدعم التاريخي لجبهة البوليساريو، عملَت على تعزيز علاقاتها بالرباط التي تبحث عن داعم دولي في هذه القضية من خلال الزيارة التي أداها محمد السادس عام 2016، وتوقيعه لاتفاقيات تحسين العلاقات الاقتصادية.

كما ستعزِّز روسيا تعاونها مع تونس في مجال السياحة، وهو القطاع الوحيد الذي يجمع البلدَين نظرًا إلى السياسة التي اعتمدها الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وخياره التمترُس إلى جانب أميركا وفرنسا في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وستعمل تدريجيًّا على توسيع دائرة تعاونها في مجالات أخرى كالفضاء، وقد بدأتها بإطلاقها للقمر التونسي "تشالنج وان".

 

أمّا حدود النفوذ الروسي في شمال إفريقيا فهي كثيرة، ويعود أهمها إلى ضعف القدرات الاقتصادية والتقنية غير العسكرية لدى موسكو مقارنةً بالصين، التي تحولت إلى الشريك التجاري الأول لإفريقيا والشركاء الأوروبيين التقليديين للقارّة.

إضافة إلى ذلك، إن غياب تقاليد دبلوماسية واستراتيجية روسية فعّالة في منطقة شمال إفريقيا، قد يؤدي إلى اصطدامها القوي بالمصالح الغربية المتمثلة في الولايات المتحدة وفرنسا على وجه أدقّ، ما يعني أن ورقة الاختراق الروسي للقارة لن تتجاوز الكلاشنيكوف.

السيناريو الأقرب لملامح العلاقة بين الدول الواقعة في شرق أوروبا بشمال إفريقيا، هو أن تواصل روسيا الاستفادة من ارتفاع الطلب على معدّاتها العسكرية المتأتّي أساسًا من المنافسة المغربية الجزائرية في سباق التسلُّح، ما يعني أن الدور الروسي في المنطقة لا يرتقي إلى التهديد الحقيقي للمصالح الاستراتيجية للقوى التقليدية، أو لتمدُّد التنين الصيني.