أعلنت الحكومة الجزائرية لأول مرة بشكل صريح وعلني أنها ستلجأ إلى مصالحة اقتصادية مع رجال الأعمال المتّهمين بقضايا فساد في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، بهدف استرجاع الأموال المنهوبة التي قُدِّرَت بأكثر من 200 مليار دولار حسب جهات غير رسمية.. فهل سيكون ذلك سهلًا أم أنه يحتاج إلى تحركات قانونية ودبلوماسية على جميع الجبهات، خاصة أن التجربة لم تحقِّقْ نتائج كبيرة في دول عربية أخرى كمصر وتونس؟

شكّلَ موضوع استرجاع الأموال المنهوبة المهرَّبة إلى الخارج إحدى أهم النقاط التي تضمّنها برنامج الرئيس عبد المجيد تبون، خلال حملته الانتخابية للترشح لرئاسيات 12 ديسمبر/ كانون الأول 2019، والتي جعلت الكفّة تميلُ إليه في الحصول على أصوات الناخبين مقارنةً بباقي المرشَّحين، لذلك يمثّل تحقيق هذا الهدف أولوية له مهما كانت الطرق المتاحة، وقد تكون المصالحة الاقتصادية أهم مشروع لتبون بعدما كانت المصالحة الوطنية ربما الحسنة الوحيدة التي يتذكر بها الجزائريون الرئيس السابق بوتفليقة.

يدٌ ممدودة

لأول مرة تصرّح الحكومة الجزائرية بالإجراءات التي ستتّخذها لاستعادة الأموال المنهوبة في الخارج، وذلك بتضمينها في مخطط عمل حكومة الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمان الذي يتولى أيضًا إدارة وزارة المالية، ما يعني أنه سيكون المتابع الأول لهذه العملية، وستمكّنه هذه الصفة من متابعة الملف بكل جوانبه وتعقيداته.

وجاء في مخطط عمل الحكومة أنه "سيتم اعتماد طرق تسوية ودّية تضمن استرداد الأملاك المختلسة، وسيتمّ وضع الآليات القانونية المتعلقة بالهيئة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، وكذا فيما يخصُّ حقّ المواطن في الولوج إلى المعلومات المتعلقة بمكافحة الفساد، ومراجعة الإطار التشريعي المتعلق بتبييض الأموال ومكافحة الإرهاب وتمويله، وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج وتفضيل التسوية الودّية عن الإجراءات الجزائية لتعزيز القدرات المالية للدولة".

ستباشر الحكومة في إعداد النصوص القانونية المتعلقة بالمصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال.

وأوضحَ مخطط عمل الحكومة أن لجوءها إلى التسوية أو المصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال الفاسدين، لا يعني مطلقًا التخلي عن سياسة مكافحة الفساد التي باشرها القضاء بعد حراك 22 فبراير/ شباط 2019، التي أطاحت برموز نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الفاسدين من رؤساء حكومات ووزراء ورجال أعمال.

وتعدّ الحكومة الجديدة بمواصلة مكافحة الفساد والمحاباة والمحسوبية، لا سيما من خلال إصلاح قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، بهدف تشديد العقوبات فيما يخص جرائم الفساد، وتعزيز الجهاز الذي تمّ وضعه لتسيير الأملاك المحجوزة، مع إدراج أحكام خاصة لتسيير الشركات محلّ المتابعات القضائية.

ويُفهَم ممّا ورد في مخطط عمل الحكومة، أنه فور المصادقة عليه من قبل البرلمان الذي عُرضَ عليه المشروع يوم الاثنين من قبل الوزير الأول، ستباشر الحكومة في إعداد النصوص القانونية المتعلقة بالمصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال الذين سيستفيدون من تخفيضات في عقوباتهم التي تتعدّى جُلّها 10 سنوات، مقابل إرجاعهم وديًّا لهذه الأموال إلى خزينة الدولة، خاصة تلك المهرَّبة للخارج، بالنظر إلى ان الأملاك الموجودة في الجزائر قد صدرت بشأنها أحكام مصادرة من قبل العدالة، ولا حاجة للحكومة إلى تسوية ودّية لاسترجاعها.

أموال ضخمة

لا يوجد رقم نهائي يحدِّد حجم أموال الجزائريين المنهوبة من قبل نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، سواء الموجودة في الداخل أو المُودَعة في البنوك الأجنبية، خاصة السويسرية منها، إضافة إلى عدة عقارات تقدَّر قيمتها بملايين الدولارات، بينما تقارير سياسية واقتصادية أكّدت أنها تفوق على الأقل الـ 100 مليار دولار، بل إن رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة، وهو مرشح سابق للرئاسيات ووزير سابق في عهد بوتفليقة، قال سابقًا إن حجم الأموال المنهوبة يقدَّر بـ 200 مليار دولار.

وبداية شهر مايو/ أيار الماضي، أعلنت وزارة العدل الجزائرية عن استرجاع ما قيمته مليار دولار من الأموال والعقارات المنهوبة في عهد الرئيس السابق، وحسب وزارة العدل فإنه قد تمَّ حجز 52.73 مليار دينار (400 مليون دولار)، منها 39 مليار دينار (300 مليون دولار) صدرت بشأنها أحكام بالمصادرة، كما حجزت الجهات المختصة 1.95 مليون يورو، منها 678 ألف يورو تمّت مصادرتها، فضلًا عن حجز 213 مليون دولار، منها 198 مليون دولار تمّت مصادرتها.

لا يستبعَد أن يكون حجم الأموال المنهوبة أكثر ممّا يتوقعه الخبراء والمتابعون.

وأشارت الوزارة ذاتها إلى أنه "تمَّ حجز عملات أخرى بمبالغ مالية أقل، علمًا أن المبالغ المذكورة تأخذُ شكلًا إمّا سيولة وإمّا مبالغ موضوعة في الحسابات البنكية"، مضيفًا أنه "تمَّ وضع تحت يد القضاء 4766 مركبة، منها 4689 تمّت مصادرتها و6 سفن كلها موضوعة بالمصادرة".

وفيما يتصل بالعقارات، فقد "وُضعت 301 قطعة أرضية عادية وفلاحية تحت يد القضاء، منها 214 تمّت مصادرتها"، كما تمَّ وضع "119 سكنًا و27 محلًّا تجاريًّا تحت يد القضاء، صودرت منها 87 سكنًا و23 محلًّا تجاريًّا، بالإضافة إلى 21 بناية أخرى محجوزة أو مصادرة''.

وفي السياق ذاته، استطاعت السفارة الجزائرية في فرنسا، التي فرَّ إليها عدد من المسؤولين المتابَعين في قضايا فساد، مثل وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب، أن تسترجع 46 من الأملاك العقارية، حيث في شهر أغسطس/ آب 2020 جاء في مقال لصحيفة "لوبوان" الفرنسية أن القضاء الفرنسي تلقّى إنابة من نظيره الجزائري، تدعو لضبط ممتلكات مئات الجزائريين الذين لديهم أملاك في فرنسا.

وبالنظرإلى حجم الأموال التي صُرفت خلال 20 سنة من حكم بوتفليقة، والتي تعدّت الرسمية والمعلنة منها ألف مليار دولار، لا يستبعَد أن يكون حجم الأموال المنهوبة أكثر ممّا يتوقعه الخبراء والمتابعون، لأن خلال العقدَين الماضيَين كان كل شيء مباحًا ومتاحًا من أجل نهب أموال الخزينة العمومية، لتبقى التحقيقات وإجراءات التسوية المالية وحدها الكفيلة بتحديد قيمته الحقيقية.

تحدٍّ رئاسي

لا يتعلّق استرجاع الأموال المنهوبة فقط بضرورة عمل الحكومة على استعادة ما تمَّ نهبه من أموال الشعب، إنما أيضًا برهان شخصي للرئيس تبون حتى إن كان في منصب تزول فيه كل التحديات الذاتية، وذلك بالنظر إلى أنه حرصَ على جعل هذا الملف ضمن أهم محاور برنامجه الانتخابي.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، قال تبون خلال تجمُّع انتخابي إنه "سيسترجع الأموال المنهوبة دون أدنى شك، ولو لم يستطع استرجاعها كليًّا فسيسترجع أغلبها".

وأكّد تبون وقتها أنه "يعرف تمامًا أماكن تواجد هذه الأموال" التي ستسمح، بعد استرجاعها "المؤكّد"، بتغطية جزء كبير من النفقات المبرمَجة في إطار برنامجه الانتخابي.

وظلَّ تبون يصرُّ على رفض الكشف عن "أماكن الأموال المنهوبة"، وعن كيفية استرجاع هذه الأموال، باعتبار مثل هذه التفاصيل "أمور سرّية" وأن "كشفها سيسمح للمعنيين بأخذ احتياطاتهم"، والقيام بخطة مضادة لإفشال عملية إرجاعها.

سيكون من الصعب استرجاع كل الأموال المحوَّلة إلى الخارج، لأن العملية تخضع لاتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة الفساد المصادق عليها عام 2005.

وصار هذا الملف يطرَح من قبل معارضي تبون لتذكيره بعدم تنفيذ وعده، الذي جعله يخرج منتصرًا من المناظرة التلفزيونية بين المرشَّحين للرئاسة قبل يوم الاقتراع، وكان أول ردّ له على هذا التساؤل في أبريل/ نيسان الماضي، لمّا تحدث في مقابلة تلفزيونية مع وسائل الإعلام المحلية عن سماع "أخبار مفرحة" بشأن ملف استرجاع الأموال المنهوبة في الأيام المقبلة، وهو ما تمَّ في الشهر الموالي لمّا كشفت وزارة العدل عن عودة ما قيمته مليار دولار لخزينة الدولة.

مهمة صعبة

يتّفق خبراء قانونيين واقتصاديين على صعوبة تحقيق المصالحة الاقتصادية، حتى إن كانت الأوجاع التي تحمّلوها لتحقيق المصالحة الوطنية أقسى وأصعب، إلا أن استرجاع الأموال المنهوبة، خاصة المُودَعة في الخارج، مهمّة معقّدة، بالنظر إلى غياب اتفاقات دولية للجزائر بهذا الشأن مع بعض الدول، أو لعدم تضمّن تشريعات هذه الدول بتحويل الأموال المنهوبة لخارج بلدها، كما هو الحال في فرنسا التي ينص القانون فيها على أن تعود الأموال للخزينة العمومية الفرنسية.

وما يزيد في هذه الصعوبة، بحسب الرئيس تبون، أن أغلب الأموال المهرَّبة كانت وجهتها أوروبا، ولعلّ أبرزها سويسرا المعروفة بكونها جنةً آمنة لإيداع الأموال مهما كان مصدرها. 

لكن رغم ذلك، سبق للرئيس تبون أن صرّح بأن أغلب دول الاتحاد الأوروبي أبدت استعدادها للمساعدة في تسهيل استعادة تلك الأموال، مبيّنًا أن عملية استرجاعها تتمّ وفق خطوات قانونية معقّدة، وأن عملية التفاوض بشأنها لن تتم إلا بعد صدور الأحكام النهائية للقضاء في ملفات الفساد، كما تمّ تكليف السفراء الجزائريين في مختلف الدول بمباشرة اتصالات لاسترجاع الأموال المهرَّبة، وحتى العقارات منها.

وفي فبراير/ شباط 2020، قال وزير الاتصال عمار بلحيمر في تصريح للإذاعة الجزائرية الحكومية: "سيكون من الصعب استرجاع كل الأموال المحوَّلة إلى الخارج"، لأن العملية تخضع لاتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة الفساد المصادَق عليها عام 2005، والتي يختلف تطبيقها من بلد إلى آخر.

وأشار بلحيمر إلى أن هناك بلدانًا مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وألمانيا تكون بشكل عام مستعدّة للتعاون من أجل إعادة الأموال المحوَّلة، لكن في الوقت ذاته بعض الدول مثل فرنسا التي توجد بها "معظم الأموال الجزائرية، كون هذا البلد أكثر تساهلًا مع مثل هذه الأموال"، ترفض إعادة المبالغ المالية إلى بلدانها الأصلية.

ووفق عمار بلحيمر، فإن القوانين الفرنسية "تشير إلى إمكانية استرجاع الأموال المحوَّلة، ولكن ليس بإعادتها إلى البلدان الأصلية، وإنما لضخّها في الخزينة العمومية الفرنسية أو في صندوق مخصَّص لتمويل وكالة التعاون والمساعدة على التنمية".

وفي انتظار ما ستسفر عنه التشريعات المنتظرة بشأن استرجاع الأموال المنهوبة، تجدُ الجزائر نفسها قبل أيام من الذكرى الـ 22 للوئام المدني، والـ 17 لمشروع المصالحة الوطنية الذي طوى عشرية الدم السوداء التي عاشتها البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي؛ أمام مصالحة جديدة تتعلق بالاقتصاد سيكون فيها الشعب مطالبًا للصفح عن من نهبوا أمواله وخزينة بلده، مقابل استرجاعها على أمل أن تصرَف لتحسين أحواله من قدرة شرائية وتعليم وصحّة.

لكن الأكيد أنه لمّا يتعلق الأمر بالمال، فإن المهمة ستكون صعبة حتى إن كانت الحكومة صادقة في خطوتها، لأنه ليس من السهل على من سيقضون أقل من 20 عامًا في السجن التفريط في مليارات الدولارات مقابل العيش في بلد لم يشعروا يومًا أنهم ينتمون إليه، إنما اعتبروه على الدوام بلدًا يغتنون منه فقط.