طالَ أمد "الحرب المُعلنة على الفساد" دون نتيجة، وطالَ معها انتظار الشارع التونسي للقبض على الفاسدين وتحسُّن واقعه المعيشي، كما وعدَ الرئيس قيس سعيّد وتوعّد خلال انقلابه على الدستور في 25 يوليو/تموز الماضي، الانقلاب الذي لم يكن ضرورةً لإصلاح الوضع الاقتصادي، أو حتى ترميم النظام الانتخابي ببعض الإصلاحات التي لا تضرُّ بالنظام السياسي ككُلّ، درءًا لتفجير الوضع من الداخل باستغلال القوى الأجنبية المعادية للربيع التونسي، ببثِّ الفوضى في مؤسسات سيادية كالبرلمان والرئاسة، والانحراف بهما بعيدًا عن الشرعية الدستورية في انقلاب بدا واضحًا عبر إعلان إجراءات أحادية استثنائية حتى تجاوزت المهلة القانونية.

ولم تجد تأويلات إضافية غير المناورة المكشوفة بإبقاء الحبل على الغارب (إطالة العمل بالتدابير الاستثنائية "إلى أجل غير مسمّى")، لتوفير مزيد من الوقت للتفكير في مخرجات أكثر واقعية وقابلية للداخل والخارج، وقد يفسِّر هذا المأزق تغيُّر النبرة الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيّد في 4 أيام فقط من النقيض إلى النقيض.

لقد تغيّرت بحسب قول الناطق باسم الرئيس سعيّد، وليد الحجام، من الحاجة إلى تعليق العمل بالدستور وإصدار نظام مؤقّت للسلطات وتغيير النظام السياسي برمّته، إلى الحاجة إلى تنقيح الدستور، وهو ما يعكس تخبّطًا كبيرًا في تمشّي منظّري "العهد الجديد".. فهل وراء هذا التخبُّط عجز عن تنفيذ مخطَّط أم مناورة جديدة في المسار "غير المسمّى"؟

حجر عثرة.. وتخبُّط

مباشرةً بعد زيارات ماراثونية مناهضة بقوة لانقلاب قيس سعيّد الدستوري، قال وليد الحجام، الناطق باسم الرئاسة، إن هناك نيةً لتغيير النظام السياسي قد يكون عبر استفتاء مع تعليق الدستور والعمل بنظام مؤقت للسُّلَط بديلًا عن الدستور، وهذا الموقف المعلَن يبدو أنه جاء لجسّ نبض الداخل بعد المواقف الدولية المتصلِّبة، فنِيّة الرئيس في الانقلاب على الدستور قديمة ومؤكّدة في أكثر من مناسبة، وذلك بإحداث تغيير جذري في تحويل النظام السياسي الحالي إلى نظام رئاسي ما قد يعيد إنتاج الدكتاتورية.

يبدو أن الانقلاب الدستوري في تونس، والذي يسير على مراحل، قد اتّخذَ هذه المرة من التخبُّط سمةً بارزة، نتيجة 3 ضغوط خارجية غربية كبيرة تعرّض لها الرئيس التونسي قيس سعيّد من قوى واتحادات فاعلة على المستوى الدولي، حيث جاءت تلك الدعوات متلاحقة زمنيًّا ومتقاربة مضمونًا ورفيعة على مستوى الحجم والزخم الدوليَّين.

ففي خطوة هي الثانية من نوعها بعد اتصالات هاتفية رفيعة المستوى من وزراء أميركيين، على رأسهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن، وبعد زيارة أولى لوفد الكونغرس برئاسة مستشار الأمن القومي جون فاينر؛ زار وفد من الكونغرس الأميركي تونس وطالب رئيسها بسرعة العودة إلى المسار الديمقراطي وإنهاء الطوارئ ووجوب قيام حكومة ديمقراطية، وهو التأكيد نفسه الذي جاءَ في بلاغ السفارة الأميركية بتونس.

لم يجد قيس سعيّد سوى التراجُع في مشهد يحيل إلى الارتباك في الأداء وعدم وجود مخطَّط واضح المعالم للبناء عليه.

بعد يوم فقط على تلك الزيارة، وجّه سفراء مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى بتونس، بما فيها الولايات المتحدة، بيانًا واضحًا يدعو بصريح العبارة إلى التسريع في العودة إلى المسار الديمقراطي والعمل بالنظام الدستوري، وعلى رأسه عودة البرلمان أي رفع التجميد عنه والحصانة عن نوّابه، وذلك مقدمة لإفساح الطريق لحوار شامل حول الإصلاحات الدستورية والانتخابية، وهو الحوار الذي ظلَّ يرفضه قيس سعيّد.

ومعلوم ما لهذه الدول من تأثير عملي، ولسنا هنا في صدد استدعاء أو استقراء الخارج كما يدّعي البعض، بل في صدد تشخيص واقع، فلا يمكن إنكار دور تلك الدول كقوى مانحة ساعدت تونس طوال العقد الأخير على تجاوز الأزمات، كما ساعدت أكثر من دولة وفي أكثر من قارة أخرى.

تلك الزيارات ختمَها الأيام الأخيرة الممثِّل الأعلى للاتحاد الأوروبي نائب رئيسة المفوضية، جوزيب بوريل، بزيارة لقصر قرطاج، ليؤكّد مرة أخرى على حجم المخاوف الأوروبية من انهيار المنظومة الديمقراطية، وضروة استعادة عمل المؤسسات والدستور وأهمية الحوار.

 

 

كل ذلك الحراك مثّل حجر عثرة في الانقلاب التام على دستور 2014، بالتالي لم يجد قيس سعيّد سوى التراجُع في مشهد يحيل إلى الارتباك في الأداء وعدم وجود مخطط واضح المعالم للبناء عليه في تنفيذ مشروعه السياسي، ما قد يضطره إلى العودة إلى الوراء.

تراجع على وقع الشارع

بعد مرور شهر ونصف الشهر على تدابير سعيّد الاستثنائية لما بعد انقلاب 25 يوليو/ تموز، لم تتقدم الأمور قيد أنملة بل زاد الوضع حيرة بالنسبة إلى المواطن وأي مراقب للوضع، عدا بعض الزيارات الرئاسية التي لم تفضِ إلى أي تغيير ملموس لحياة الناس أو محاكمة رموز فساد فعليًّا، سوى الزجّ بالنشطاء السلميين في محاكمات مخلّة بالحريات ومع المنع من السفر.

وغداة التملمُل في الشارع وحالة الرفض الواسعة، مع اتّساع قاعدة داخلية مناوئة لقرارات سعيّد بما يروجه هو ومستشاره وليد الحجام، ما زاد في حجم عزلته داخليًّا وخارجيًّا؛ على وقع عملية حرق مواطن لنفسه هي الثانية خلال أسبوع واحد، تحرّكَ الشارع من خلال وقفة احتجاجية في شارع بورقيبة للمطالبة بإطلاق سراح النائب ياسين العياري، وضد محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.

 

 

أعرب الرئيس التونسي قيس سعيّد مساء الوقفة الاحتجاجية، ولأوّل مرّة، عن احترامه للدستور واختار الحديث عن تعديله، بل شفع بتشديده على الحفاظ على الشرعية، قائلًا إنه ليس من دعاة الفوضى، عبر تصريحات خاصة مع قناة إماراتية، ما يطرحُ أسئلةً عن التصريح لتلك القنوات دون غيرها من وسائل الإعلام التونسية الرسمية حتى، بينما لا تزال مكاتب وسائل إعلام عربية أخرى مغلقة منذ مداهمتها بعد الانقلاب، رغم توجيه دعوات للتصريح بحقّها في إعادة العمل مجددًا.

ورغم إشارته المباشرة على خلاف العادة إلى احترام الدستور، الذي كان غالبًا ما ينتقده ويشير إلى صياغته على مقاس أولئك المتآمرين وضرورة تعليق العمل به؛ كيف سيحترمه ولماذا الآن؟ فما الذي تغيّر؟ وما الذي سيعدّله في الدستور وقد أشار إلى أن التونسيين سئموه، فكيف سيحترمون ما سئموا؟

كل تلك الوعود الرئاسية جاءت كالعادة محاطة بهالة من الغموض، مهاجمًا الأشباح دون ذكر أسمائهم، قارنًا عدم اتجاهه لإلغاء الدستور بقرب الإعلان عن تشكيلة الحكومة التي طالَ انتظارها، حتى أن الجميع بدأ يشعر بالقلق.

ومن غريب الصدف أن تأتي تصريحات قيس سعيّد بعد تصريحات مستشاره وليد الحجام على القناة نفسها، التي قال فيها إن الرئيس سيلغي الدستور ويقدّم نظامًا مؤقّتًا للسُّلَط مع تكليف لجنة لكتابة دستور جديد، وذلك في لقاء معدّ له مسبقًا بعيدًا عن المدافعين عن منطق الصدفة كما حدث في جولة سعيّد في شارع بورقيبة، ما جعلَ البعض يعدّه مسًّا للسيادة الوطنية التي غالبًا ما يتحدث عنها الرئيس.

خطوة غير كافية ورصيد يتآكل

تعدّ خطوة قيس سعيّد، وإن كانت تحت الضغط ونتاج تردده، غير كافية بحيث لم يعطِ نقاطًا واضحة وخارطة طريق أوضح، كما ظلت تطالبه مختلف الأطياف السياسية وحتى أقرب المقرّبين إليه من الأحزاب، كحزب التيار الديمقراطي. 

فلم يقدّم سعيّد معالم لآلية إصلاح الدستور، ولم يوضِّح الفصول المعنية بالإصلاح، ما سيعطي مزيدًا من الغموض في مشروعه ويزيد في التخوف والشكوك حول دقّة هذا التمشّي؛ هل هو مجرد بالون اختبار جديد وجسّ نبض وامتصاص غضب نحو مزيد من الهروب إلى الأمام، ربما، لكن مقرِّر الدستور الحبيب خضر حاول إيجاد تكييف قانوني لرؤية قيس سعيّد بشكل يتمّ من خلاله استرجاع مؤسسات الدولة المجمّدة، ويسمح للمتجاوزين بحفظ ماء الوجه.

وسواء تراجع قيس سعيّد أو بقيَ يناور في ظل التكلفة الصعبة التي قد تنتج عن إعادة كتابة دستور جديد، ليس من حيث الزمن المستغرق لإتمامه فحسب، بل من حيث الرفض الواسع لتلك التصريحات من مختلف القوى السياسية التونسية، ما قد يكون وراء تراجع قيس سعيّد ونفي تصريحات مستشاره؛ سيأكل هذا من رصيد أنصاره الذي يتضعضع بمرور الأيام، خاصة مع فشل وعوده بالضرب على رؤوس الفاسدين وملاحقتهم، وهو ما لم يحدث بعد.