رغم أن الإمارات والبحرين كانتا سباقتين في التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، بتوقيعهما في 15 من سبتمبر/أيلول 2020 على إعلان إبراهام بالبيت الأبيض برعاية أمريكية، فإن المغرب الذي انضم إلى القائمة في 10 من ديسمبر/كانون الأول 2020 يعد أكثر الدول التي تأخذ علاقاتها مع الكيان الصهيوني منحى تصاعديًا.

تسارع وتيرة الزيارات والاتفاقات المبرمة يثير الأسئلة عن مستوى العلاقات التي قد يصل إليه الجانبان، وإمكانية أن تفرز صفقات أسلحة أو صناعة عسكرية مشتركة في الفترات القادمة، خاصة بعد التصريح السابق لوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، الذي أكد فيه أن بلاده "ستذهب إلى أقصى حد ممكن في تطوير العلاقات الثنائية".

 

المغرب والاحتلال

من المعلوم أن المغرب يضم أكبر جالية يهودية في شمال إفريقيا، فيبلغ عددها نحو 3 آلاف شخص، فيما يعيش نحو 700 ألف يهودي من أصل مغربي في "إسرائيل".

تاريخ العلاقات بين الرباط وتل أبيب بدأ على مستوى منخفض عام 1993، وذلك بعد توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وتل أبيب، لكن الرباط جمدت تلك العلاقات عام 2002 في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

في 22 من سبتمبر/أيلول 2000، زار المغرب رجال أعمال إسرائيليون، يمثلون 24 شركة متخصصة في التقنيات الزراعية، بدعوة من غرفة التجارة والصناعة والخدمات (حكومية) بمدينة الدار البيضاء.

بعد ذلك التاريخ، ظل مناهضو التطبيع في المغرب يتهمون بلادهم بربط علاقات سرية مع الاحتلال الإسرائيلي وإقامة علاقات تجارية واقتصادية بطرق متحايلة مطالبين بإيقافها، وهو الأمر الذي ظلت الرباط تنفيه إلى حين إعلانها التطبيع.

في عام 2018، برز المغرب ضمن قائمة الدول العربية المرشحة لتوقيع اتفاقات تطبيع مع "إسرائيل"، في إطار خطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التي كان مستشاره وصهره جاريد كوشنير عرابًا لها، لتنتهي مساعي واشنطن باستئناف العلاقات بينهما في 10 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، ووقع رئيس الوزراء المغربي سعد الدين العثماني في 22 من الشهر ذاته "إعلانًا مشتركًا" بين بلاده و"إسرائيل" والولايات المتحدة.

 

اتفاقيات بالجملة

على هامش استئناف العلاقات، وقعت المملكة المغربية والاحتلال الإسرائيلي 4 اتفاقيات تشمل المجالات الاقتصادية والتجارية والسياحية، إذ ترتبط الاتفاقية الأولى بالإعفاء من التأشيرة بالنسبة لحاملي الجوازات الدبلوماسية وجوازات الخدمة، بينما الثانية مذكرة تفاهم في مجال الطيران المدني.

أما الاتفاقية الثالثة فهي مذكرة تفاهم عن "الابتكار وتطوير الموارد المائية"، فيما نصت الاتفاقية الرابعة على إنعاش العلاقات الاقتصادية من خلال التجارة والاستثمار، إضافة إلى التفاوض بشأن اتفاقيات أخرى تؤطر هذه العلاقة.

في 28 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، دشنت الرباط وتل أبيب مباحثاتهما لدراسة آفاق التعاون الصناعي والشراكة في 5 قطاعات صناعية أجراها مولاي الحفيظ العلمي وزير الصناعة المغربي مع نظيره الإسرائيلي عمير بيرتس، عبر تقنية الاتصال المرئي، من بينها قطاعات النسيج والصناعات الغذائية والبحث التطبيقي في الصناعة والتكنولوجيات الخضراء وصناعة الطاقات المتجددة.

في 26 من يناير/كانون الثاني الماضي، حل السفير ديفيد غوفرين بالرباط لتولي منصب رئيس البعثة الإسرائيلية بالمغرب، وذلك للعمل من أجل "التقدم المستمر للعلاقات الثنائية بجميع المجالات، بما في ذلك كل ما يتعلق بالحوار السياسي والسياحة والاقتصاد والعلاقات الثقافية"، حسب ما أعلنت تل أبيب آنذاك.

ومنتصف فبراير/شباط الماضي، اتفق وزيرا التعليم المغربي سعيد أمزازي والإسرائيلي يوآف غالانت، على إطلاق برامج لتبادل الطلاب و"توأمة مدارس ثانوية"، وهو الأمر الذي دفع هيئات مدنية إلى رفض الخطوة والتحذير من اختراق "إسرائيل" للمنظومة التربوية والتعليمية بالمغرب.

في 10 من أبريل/نيسان الماضي، أعلن الاتحاد المغربي للكاراتيه انطلاق التنسيق مع نظيره في "إسرائيل" لوضع الترتيبات والآليات اللازمة لتطوير رياضة الكاراتيه، واعتبر الخطوة بداية لـ"علاقة شراكة وصداقة".

 

في 23 من مارس/آذار الماضي، وقع المغرب و"إسرائيل" اتفاقية شراكة إستراتيجية بين رجال الأعمال المغاربة والإسرائيليين العاملين بالقطاع الخاص، لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية وإقامة حوار مفتوح ودائم بين الاتحاد العام لمقاولات المغرب والهيئة الإسرائيلية للمشغلين وأرباب الأعمال، لخلق نوع من الانسجام بين مجتمعات الأعمال المعنية الفاعلة في القطاعات الرئيسية.

في 17 من يوليو/تموز الماضي، وقع البلدان أول اتفاقية تعاون في مجال الحرب الإلكترونية، إذ أوضح رئيس بعثة تل أبيب الدبلوماسية لدى الرباط غوفرين، أن الاتفاقية تقضي بإقامة تعاون في "البحث والتطوير ومجالات عملياتية في السايبر".

في الـ26 من الشهر ذاته، وقعت الرباط وتل أبيب اتفاقية للشروع في الترويج للسياحة بالمغرب، والتسويق المشترك من كلا الطرفين لتعزيز حركة السفر والسياحة الوافدة وتنشيط الرحلات الترفيهية، وذلك بعد ساعات من هبوط طائرتين سياحيتين قادمتين من "إسرائيل" إلى مدينة مراكش السياحية بالمغرب.

بعد هذا الاتفاق مباشرة، بدأت شركة "إل عال" للطيران الإسرائيلية منذ 10 من أغسطس/آب بتنظيم 3 رحلات أسبوعية نحو مطار محمد الخامس، إذ يُتوقع ارتفاع عدد السياح الإسرائيليين للمغرب إلى 200 ألف سنويًا، فيما رجح وزير الخارجية ناصر بوريطة أن يصل عدد السياح الإسرائيليين الوافدين إلى المملكة نحو مليون سائح خلال السنة الحاليّة، وأن ترتفع المبادلات التجارية بين الرباط وتل أبيب بـ50%.

التطبيع والأسلحة

لم يتجاوز التطبيع إلى حد الآن الأبعاد التجارية والاقتصادية، غير أنه من المرجح وبقوة الانتقال قريبًا إلى الخطوة التالية وهي إقامة نوع من التحالف الأمني الإقليمي الإسرائيلي-العربي، وذلك بدفع من الإمارات والحليف الأمريكي الذي أعلن مؤخرًا على لسان وزير خارجيته أنتوني بلينكن أنه سيعمل على توسيع دائرة "الدبلوماسية السلمية".

المصادر الإسرائيلية رجحت هي الأخرى أن تدفع اتفاقيات التطبيع الأخيرة مع البحرين والإمارات والسودان والمغرب، و"العلاقات السرية" مع دول عربية أخرى، قطاع تجارة السلاح في المنطقة، مراهنة على القدرات المالية للدول المطبعة ومساعيها لترقية جيوشها، وعلى انخراطها في سباق التفوق الأمني والعسكري إقليميًا (المغرب والجزائر).

الترجيحات لا تعني بالضرورة أن التطبيع بين المغرب و"إسرائيل" أساس العلاقة بين الجانبين وأنه الجسر الوحيد لإرساء اتفاقيات عسكرية، ففي الواقع يرتبط المغرب مع الاحتلال بعلاقة وثيقة وقديمة وجمعتهما صفقات أسلحة منذ السبعينيات لم تكشفها القنوات الرسمية.

ففي تقرير نشرته "هآرتس"، كشف الباحث المختص في الصادرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية جوناثان هيمبل، أن الصادرات العسكرية الإسرائيلية للمغرب ظلت سرية في معظمها، مضيفًا أن "إسرائيل" شحنت في السبعينيات دبابات إلى المغرب، ومن عام 2000 حتى عام 2020 قام مسؤولون من كلا البلدين بعدد من الزيارات السرية وغير السرية.

 

أكد الباحث الإسرائيلي في التقرير أن تل أبيب باعت المغرب أنظمة عسكرية وأنظمة اتصالات عسكرية وأنظمة مراقبة (مثل أنظمة رادار الطائرات المقاتلة) عبر طرف ثالث، مشيرًا إلى أن القوات الجوية المغربية اشترت عام 2013 ثلاث طائرات من دون طيار من نوع "هيرون" من صنع شركة صناعات الطيران الإسرائيلية بتكلفة 50 مليون دولار، وحصل المغرب على هذه الطائرات عبر فرنسا.

كشف هيمبل أيضًا أن "إسرائيل" قدمت مساعدات عسكرية للمغرب ضد "المتمردين" من الصحراء الكبرى، وفي مجال المراقبة الرقمية، ونقل عن منظمة العفو الدولية أنه في عام 2017 بدأ المغرب باستخدام برامج تجسس من صنع شركة NSO Group الإسرائيلية لتتبع وجمع المعلومات عن الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان.

صفقات قادمة

من المنتظر أن تكثف الرباط وتل أبيب من نسق زيارات مسؤوليها في الأيام المقبلة، ومن المرجح أيضًا أن تشمل الاتفاقيات إلى جانب الاقتصاد والاستثمار في قطاعات الفلاحة والسياحة والتكنولوجيا، صفقات أسلحة وأنظمة عسكرية تسعى الرباط للحصول عليها، وما يؤكد ذلك تصريحات وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، التي أعلن فيها أن الرباط تنتظر زيارات مهمة لمسؤولين إسرائيليين، بينهم وزيرا الاقتصاد والدفاع.

 

زيارة وزير الدفاع إلى الرباط تأتي بعد نشر موقع "أفريكا إنتلجينس" تقريرًا، أفاد بأن المغرب يجري مفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي على مشروع يهدف إلى إنشاء قطاع خاص بتطوير وإنتاج طائرات مسيرة انتحارية في أراضي المملكة.

كشف الموقع أن المفاوضات انطلقت منذ عدة أشهر بين المغرب وشركة صناعات الفضاء الإسرائيلية (IAI)، بشأن إمكانية إنشاء "حاضنة أعمال تجارية" ستعمل على تطوير ذخائر طائرة وطائرات مسيرة انتحارية، أي آليات ذات تكلفة منخفضة ولا تتطلب إلا تكنولوجيات محدودة لبنائها.

من جهة أخرى، أعلنت صحيفة "إسبانيول" أن طائرات "الكاميكاز" من دون طيار تعد نوعًا جديدًا من الأسلحة تعمل كقنابل دون الحاجة إلى وجود من يقودها في الجبهة، ويمكن لهذه الطائرات قطع نحو 150 كيلومترًا في الساعة والبقاء ساعة في الجو وحمل رأس متفجر ينفجر من تلقاء نفسه عند اصطدامه بهدفه الذي يتم التعرُف إليه من خلال كاميرا استطلاع.

 

يبدو أن المغرب رفع عنه غطاء الحرج الذي كان يتدثر به في التسعينيات، مستغلًا التحولات الإقليمية وعدم التوافق العربي وتشتت الإجماع على أي قرارات أو مواقف مناهضة للتطبيع، وعجز الدبلوماسية الجزائرية غير المتحركة عن ترويض هذا الواقع.