يبدو أن مستقبل الديمقراطية التونسية على كفّ الرئيس قيس سعيّد، فبعد إلقائه لخطاب أمام أنصاره في سيدي بوزيد التي انطلقت منها شرارة الثورة، أقسم فيه بألّا يدير ظهره للقرارات التي أعلنها في 25 يوليو/ تموز؛ أصدر مؤخرًا جملة من التدابير والقرارات الاستثنائية التي تعزز هيمنته على السلطة التشريعية والتنفيذية والدستورية في البلاد، وذلك في وقت تصاعدت فيه الدعوات للنزول إلى الشارع رفضًا للانقلاب.

 

إجراءات جديدة

صدرت في الجريدة الرسمية التونسية قوانين التدابير الاستثنائية الجديدة والأوامر التي سيستند عليها الرئيس قيس سعيّد لتوسيع صلاحياته، بتولّيه السلطتَين التنفيذية والتشريعية لإدارة الشأن العام للدولة وضبط سياساتها في الفترة المقبلة، والتي ألغى بموجبها أبوابًا كاملة من دستور البلاد المعتمد منذ عام 2014.

نصّت التدابير الجديدة على مواصلة تعليق جميع اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه، إلى جانب وضع حدٍّ لكافة المنح والامتيازات المسندة لرئيس البرلمان راشد الغنوشي ونوابه.

شملت الإجراءات أيضًا مواصلة العمل بتوطئة الدستور وبالبابَين الأول والثاني منه، وبجميع الأحكام الدستورية التي لا تتعارض مع هذه التدابير الاستثنائية، إضافة إلى إلغاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين.

 

كما جاء في الأمر الصادر بالجريدة الرسمية أن رئيس الجمهورية التونسية يمارسُ السلطة التنفيذية بمساعدة حكومة يرأسها رئيس حكومة، فيما تضمّن القسم الثاني من هذا الباب الأحكام المتعلقة بصلاحيات تلك الحكومة نفسها.

ونصَّ الأمر على أن الحكومة تتكون من رئيس ووزراء وكتّاب دولة، على أن يعيّنهم رئيس الجمهورية بنفسه، ويؤدّون اليمين، المنصوص عليها في الفقرة الأخيرة من الفصل 89 من الدستور، أمامه، في وقت تقوم الحكومة المؤلفة بتنفيذ السياسة العامة للدولة، وفقًا للتوجيهات والاختيارات التي يضبطها الرئيس، وهي مسؤولة عن تصرفها أمام رئيس الجمهورية نفسه.

رئيس الحكومة التونسية مكلَّف بتسيير أعمال الحكومة، وينسّق أعمالها، ويتصرف في دواليب الإدارة الخاصة بها، بغرض تنفيذ التوجهات والاختيارات التي يضبطها رئيس الجمهورية، على أن ينوب عند الاقتضاء رئيس الجمهورية في رئاسة مجلس الوزراء أو أي مجلس آخر.

التعديلات ستعطي الرئيس المهام والوظائف التالية: القيادة العليا للقوات المسلحة، إشهار الحرب وإبرام السلم بعد مداولة مجلس الوزراء، إحداث وتعديل وحذف الوزارات وكتابات الدولة وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها، إحداث وتعديل وحذف المؤسسات والمنشآت العمومية والمصالح الإدارية وضبط اختصاصاتها وصلاحياتها، إقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة أو بتّ استقالته، اعتماد الدبلوماسيين للدولة في الخارج وقبول اعتماد ممثّلي الدول الأجنبية لديه، التعيين والإعفاء في جميع الوظائف العليا، المصادقة على المعاهدات، إلى جانب العفو الخاص.

ستشمل التدابير أيضًا إقرار مراسيم النصوص المتعلقة بالموافقة على المعاهدات وتنظيم العدالة والقضاء وتنظيم الإعلام والصحافة والنشر، إضافة إلى تنظيم الأحزاب والنقابات والجمعيات والهيئات الدستورية، إلى جانب تنظيم الجيش الوطني والقانون الانتخابي والحقوق والحريات، والقانون الأساسي للميزانية ومراسيم أخرى تمسُّ المؤسسات العمومية والوظائف العليا.

قراءة في الإجراءات

موضوعيًّا، لم يفاجِئ قيس سعيّد المراقبين بقراراته الجديدة، فمنذ إعلانه عن حالة الاستثناء في 25 يوليو/ تموز ثم تمديدها حتى "إشعار آخر"، كان التونسيون على علم بأن الخطوات القادمة ستتعلق أساسًا بتعليق العمل بدستور 2014 وتعويضه بقوانين تنظيم السلطة العمومية، ما يعني أنه سيحرق باكرًا كل قوارب العودة إلى المسار الديمقراطي.

الملاحظة الأولى تتلخّص في كون هذه الإجراءات جاءت لتقوية موقف قيس سعيّد وتحييد خصومه السياسيين، خاصة حركة النهضة الحزب الأقوى في تونس، وذلك بمواصلة تعليق اختصاصات البرلمان ووقف الامتيازات والمنح المخصَّصة لهذه المؤسسة، وإلغاء الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين.

تمكّن القرارات والإجراءات الأخيرة الرئيس قيس سعيّد من إحكام قبضته على السلطة التشريعية والتنفيذية، فعملية الفرز القانوني لبنود دستور 2014 والاستئناس بفصول مقابل طرح أخرى لا تتماشى مع مساره، توحي بأن الخطوة القادمة ستكون تفصيل نظام سياسي وانتخابي على المقاس.

لذلك يمكن القول إن الإجراءات الأخيرة للرئيس التونسي، كقرار اختيار الحكومة وأعضائها واللجان ومهامها، تأتي في إطار رسم ملامح صلاحياته الموسَّعة الجديدة، عبر أُطُر قانونية ومراسيم رئاسية لا تقبل الطعن، فيما تبقى آراء اللجان ضمن التوصيات غير الملزمة لقيس سعيّد.

جمع السلطات التنفيذية والتشريعية بيد سعيّد في الوقت الراهن، سيمكّنه من تهيئة الأرضية لتفعيل مشروعه الذي أعلنَ عنه منذ صعوده إلى الحكم وفوزه بانتخابات 2019، والمتمثل في تغيير النظام السياسي، وبفضل المراسيم والإجراءات سيختار سعيّد القانون الانتخابي على مقاسه والهياكل الرقابية التي ستقوم بالإشراف على العملية الانتخابية.

من جهة أخرى، إن قرارات الرئيس الأخيرة المتعلقة بالحقوق والحريات، تتعارض مع تطميناته ووعوده السابقة بضرورة إجراء مشاورات ولقاءات مع الجمعيات والمنظمات مرجع النظر وفق مقاربة تشاركية، ما يعني أن الغموض وعدم الوضوح في الرؤية قد يفتحا مجال التساؤلات حول مسار ومستقبل حماية الحقوق ويعزز فرضية نشأة ديكتاتورية جديدة.

الأمر ذاته ينطبق على الإعلام، فالرئيس قيس سعيّد أكّد في أكثر من مناسبة أنه لا مجال للمسّ بهذا المكسب، في مقابل ذلك يعطي لنفسه الحق في إصدار مراسيم تُنظِّم عمل الصحافة والنشر، وهي خطوة كانت منتظرة نظرًا إلى علاقة سعيّد المتوتِّرة بالإعلام التونسي منذ ما قبل 25 يوليو/ تموز، فالرئيس عُرف عنه تجاهله لوسائل الإعلام المحلية وتعويله على الإعلام الأجنبي وخاصة الإماراتي.

تثير هذه العلاقة مخاوف حقيقية وجادّة من العودة إلى مربّع التضييق على حرية التعبير، فالرئيس ينظر إلى الإعلام التونسي كجزء من منظومة الفساد التي يرغب في اجتثاثها، ويعتقد أنها مرتهنة للمنظومة القديمة التي تمثّلها الأحزاب السياسية.

 

ردود فعل معارِضة

باستثناء حركة الشعب التي أعلنت مباركتها لخطوة سعيّد الأخيرة، تسارعت الدعوات الصريحة لرفض التدابير الاستثنائية وقرارات الرئيس التونسي، على اعتبار أنها تكرِّس الحكم الفردي وتهدِّد بعودة الاستبداد والديكتاتورية.

في أول تعليق على القرارات الجديدة لسعيّد، قال رئيس البرلمان التونسي وحزب النهضة راشد الغنوشي إنَّ "الإعلانات التي أصدرها الرئيس قيس سعيّد هي إلغاءٌ للدستور"، مضيفًا أنّ الحركة "لا توافق على قرارات رئيس الجمهورية".

بدوره قال الأمين العام للتيار الديمقراطي، غازي الشواشي، إن "من ينقلب على الدستور يفقد شرعيته وتستوجب مقاومته"، فيما أكّد النائب عن الحزب نبيل الحجي أنّ الرئيس خرج خروجًا صارخًا جليًّا عن الدستور، مشدِّدًا على أنه لا يمكن للتدابير الاستثنائية أن تلغي أبوابًا من الدستور وأن كل الانقلابات تقع بتعلة إقرار تدابير استثنائية.

 

من جانبه أوضح الأمين العام السابق للحزب ذاته، محمد عبو، أن رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وبدل ضرب منظومة الفساد التي عجز أمامها، أعلنَ سيطرته على الدولة لخدمة مشروع تافه موجَّه لجزء من التونسيين القابلين للاستغباء.

أضاف عبو في تدوينة له على فيسبوك، أن هذا الجزء من التونسيين سيكتشف أنه كان ضحية وأنه السبب في تجرُّؤ قيس سعيّد على دستور البلاد وديمقراطيتها الوليدة التي كانت تحتاج تخليصها من الفساد لا توجيهها لمشروع غامض لشخص غامض لا مشروع له إلا البحث عن شعبية عبر بثّ الوهم.

أما القيادي في حزب قلب تونس، أسامة الخليفي، فقد دعا إلى "اصطفاف وطني ضد الانقلاب وضد رئيس الجمهورية"، وأضاف: "لن نعترف بأي قرار خارج الدستور بعد اليوم".

على الصعيد ذاته، وفي أول تحرُّك سياسي واضح، أعلنت أحزاب الاتحاد الشعبي الجمهوري وحراك تونس الإرادة والإرادة الشعبية وحركة وفاء عن تأسيس "الجبهة الديمقراطية"، تهدف لتنسيق العمل لمواجهة انقلاب قيس سعيّد، مشيرة إلى أنها "مفتوحة لجميع القوى السياسية والشخصيات الوطنية التي تعارض الانقلاب في إطار الدستور والقانون وبالوسائل السلمية وحدها لا غير".

 

قالت الجبهة الجديدة في بيان أصدرته إن "شاغل منصب رئاسة الجمهورية التونسية أصبح فاقدًا للشرعية بعد الإجراءات الجديدة التي أعلنها وتأكد بها خروجه عن الدستور وتمرده على القانون"، داعية إلى عزله.

وكان الأمناء العامون لأحزاب التيار الديمقراطي وآفاق تونس والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات والجمهوري عبّروا، في بيان، عن "قلقهم البالغ إزاء استمرار الغموض والدفع بالأوضاع نحو مزيد التصعيد والتشنج"، رافضين "كل الدعوات الصريحة والمقنعة لتعليق العمل بالدستور أو لتمديد العمل بالتدابير الاستثنائية دون أفق"، محذِّرين من أن هذا الوضع "يكرّس الحكم الفردي ويهدد بعودة الاستبداد".

الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي دعا بدوره إلى "عزل الرئيس الحالي قيس سعيّد وإحالته إلى المحاكمة، ثم الذهاب لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة"، قائلًا في كلمة بثّتها صفحته الرسمية على فيسبوك: "حديث سعيّد عن وضع الأحكام الانتقالية يعني إلغاء الدستور وهو ما يعني الذهاب في سن قوانين على المقاس، وحالما تصدر هذه الأحكام سيتحكم في مصيرنا، وسيكون ذلك اعترافًا صريحًا بموت الدستور".

 

قد يبحث التونسيون، يأسًا، عن قشة يتعلقون بها للنجاة من عواصف الأزمات السياسية والاقتصادية التي تتقاذفهم يمينًا وشمالًا، ولكن الحل لن يكون كما يُخيّل إليهم، فالديكتاتورية العادلة هي إحدى الأساطير العربية الحديثة المشوَّهة والمستنسخة عن أساطير الإغريق، وسعيّد لن يكون المشرِّع ليكرجوس الإسبرطي ولن تحمل إصلاحاته الفضائل الثلاث.