عقد وزير الخارجية المصري سامح شكري، اجتماعًا قصيرًا مع نظيره بالنظام السوري فيصل المقداد، الجمعة 24 من سبتمبر/أيلول الحاليّ، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في نيويورك، فيما أفادت القاهرة أن اللقاء بحث "سبل إنهاء الأزمة في سوريا"، دون تفاصيل.

أهمية اللقاء تنبثق من كونه الأول من نوعه منذ تجميد عضوية سوريا بالجامعة العربية عام 2011، ليصبح شكري خامس وزير عربي يلتقي المقداد في الولايات المتحدة، بعد نظرائه من موريتانيا والأردن وعمان والعراق، فضلًا عن حزمة من الاتصالات التي أجراها ممثلو النظام السوري مع مسؤولين عرب على هامش القمة.

عمليًا.. اللقاء ليس الأول من نوعه بين القاهرة ودمشق، إذ سبقه لقاءات عدة بين مسؤولي البلدين منذ 2014 وحتى اليوم، فيما يُسرع نظام عبد الفتاح السيسي الخطى لتعزيز التقارب مع نظام بشار الأسد، في ظل العوامل المشتركة التي تجمع بينهما، فضلًا عن الميل نحو البرغماتية والميكافيللية في التوجهات لإرساء دعائم النظامين بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى.

اجتماع شكري - المقداد رغم أنه لم يحمل الجديد في مخرجاته، ولم يخرج كثيرًا عن السياقات العامة المحددة له، لكنه يشير إلى نقلة نوعية في منسوب الحوار بين البلدين، من مسؤولي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، إلى مستوى وزراء الخارجية، وهو التحول الذي يحمل الكثير من الدلالات عن تطبيع كامل محتمل بينهما خلال الفترة المقبلة في ضوء عدد من التقاربات.

قراءة مصرية تفاؤلية

اللقاء لاقى صدى كبيرًا من الأذرع الإعلامية والسياسية الداعمة لنظام السيسي، إذ تناولوا هذا الاجتماع الذي لم يتجاوز عدة دقائق على أنه إشارة واضحة لقرب تطبيع كامل بين الدولتين بعد سنوات من التطبيع الأمني العسكري، الذي كان سريًا في معظمه.

البرلماني والإعلامي مصطفى بكري، علق على اللقاء قائلًا إنه "يعكس حرص مصر على سوريا وأمنها واستقرارها ووحدة أراضيها، وهو موقف سبق أن أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة، فقد طالب بوقف أي تدخل في الشؤون الداخلية السورية".

وأضاف خلال تصريحاته لـ"روسيا اليوم" "اللقاء يؤكد أيضًا أن العلاقات بين البلدين تمضي إلى الأمام، مما يمهد الطريق لعودة سوريا لتتبوأ مقعدها في الجامعة العربية، ولا أحد يستطيع أن يشكك في شرعية نظامها الوطني الذي صمد ودافع عن سلامة أراضيه في مواجهة الإرهاب والتدخلات الخارجية".

وفي الجهة الأخرى أثار هذا اللقاء عدة تساؤلات لدى رئيس جميعة الصداقة المصرية السورية اللواء السيد خضر، بخصوص "عودة العلاقات بين القاهرة ودمشق كاملة رغم قانون قيصر الأمريكي والاختلاف المصري السعودي بشأن الموقف في سوريا وعودة الأخيرة لتتبوأ مقعدها في الجامعة العربية"، مضيفًا أن أهمية الاجتماع تأتي كونه جاء "بعد تصريحات الرئيس التركي طيب أردوغان التي اتهم فيها الولايات المتحدة بنقل الأسلحة والمعدات إلى جماعات إرهابية في سوريا وكذلك بعد انسحاب أمريكا وحلفائها من أفغانستان، وتأثير ذلك على تنامي نشاط الجماعات الإرهابية في المنطقة".

دعم مستمر

يأتي هذا الاجتماع الهامشي في إطار الموقف المصري الداعم على طول الخط للنظام السوري، وهو ما توثقه حزمة المساعدات التي قدمها نظام السيسي لنظيره الأسدي خلال السنوات الخمسة الماضية، لا سيما على المستوى العسكري، فمهما يتفنن المتحدثون باسم النظام المصري والممثلون له في الأوساط والمحافل الدولية عن حيادية الموقف المصري والنأي بالقاهرة عن حلبة الصراع في الداخل السوري تبقى الشواهد الموثقة أكبر دليل على كذب تلك الادعاءات.

عشرات الصور والمقاطع المرئية والشهادات والتقارير الإعلامية وثقت صورًا لصواريخ وذخائر وأسلحة مصرية الصنع استخدمها جيش الأسد في قصف المدنيين وقتل معارضيه، هذا بخلاف مشاركة طيارين مصريين في عمليات استهداف السوريين خلال عامي 2017/2018، رغم نفي القاهرة لذلك.

ويندرج في هذا السياق، سماح مصر للبواخر الإيرانية التي تنقل السلاح إلى النظام السوري بعبور قناة السويس، بحجة أن القناة ممر دولي مفتوح للجميع بصرف النظر عن الحمولة والوجهة، وهو المبرر الذي تسقطه العديد من الشواهد الأخرى التي عارضت فيها القاهرة مرور بعض السفن من ممرها المائي.

إضافة إلى ذلك الدعم اللوجستي والاستخباراتي التي قدمته القاهرة ولا تزال لنظام الأسد، بالتنسيق مع الجانب الروسي، وهو ما تترجمه الزيارات واللقاءات المتبادلة بين جهازي المخابرات في البلدين، التي يعلن عن بعضها فيما تبقى الغالبية منها في نطاق السرية، وكانت بعض المصادر قد أشارت إلى قرب لقاء بين رئيس المخابرات المصري ونظيره السوري في العراق الأيام الماضية، دون تفاصيل بشأن الموعد المحدد وجدول أعمال اللقاء المرتقب.

ثم جاء الاتفاق الأخير على إيصال الغاز الطبيعي المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، على هامش اجتماع وزراء طاقة الدول الأربعة الذي عقد في عمان 8 من سبتمبر/أيلول الحاليّ، كمحاولة لإنقاذ الوضع المتدني لبنانيًا، ليعكس حجم التنسيق والتفاهم بين القاهرة ودمشق، والسير نحو التطبيع.

براغماتية مصرية

التحول المصري الواضح في الموقف تجاه الأزمة السورية، من التحفظ ابتداءً لدعم المعارضة لاحقًا ثم الانقلاب الفج للميل نحو دعم نظام الأسد بدعوى الاستقرار وصولًا إلى الانخراط في الملف من المستويات العليا للقيادة المصرية، يعكس رغبة واضحة لدى نظام السيسي للبحث عن موطئ قدم لبلاده مع تصاعد المؤشرات على اتفاق دولي لإنهاء الأزمة دوليًا.

تستند قاهرة السيسي في دعم نظام الأسد إلى عدد من المرتكزات التي تسير في النهاية في إطار برغماتية واضحة لتوسيع دائرة النفوذ المصري على حساب خصومه في المنطقة، وفي المقدمة منهم تركيا، وعليه جاء التحرك المصري الداعم للأسد تصديًا للموقف التركي من جانب، وخشية نمو فصائل المعارضة والتيارات الإسلامية التي ربما تصدر عدوى انتصاراتها للخارج بما يهدد الأنظمة المنقلبة على ثورات الربيع العربي من جانب آخر.

هناك العديد من المؤشرات التي شجعت نظام السيسي لحث الخطى في اتجاه التطبيع مع نظام الأسد، فبجانب التشابه الكبير بين النظامين كونهما ينتهجان نموذج الحكم العسكري القمعي، هناك العديد من التحركات الإقليمية التي تأتي في هذا السياق، منها افتتاح الإمارات سفارة لها في دمشق، بجانب إعلان ولي عهدها محمد بن زايد الإفراج عن مبلغ ثلاثة مليارات دولار لصالح النظام السوري تحت يافطة مواجهة وباء كورونا.

الخطوة ذاتها أقدم عليها اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، حين افتتح سفارة ليبية هناك، وأعاد العلاقات الدافئة بين البلدين، بجانب تحركات أخرى في المسار ذاته وإن كانت من تحت الطاولة كما يفعل الأردن والجزائر أو عبر طهران كما الحال مع سلطنة عمان، فضلًا عن تبريد الخطاب العدائي السعودي حيال نظام الأسد في الأشهر الأخيرة.

هذا التكالب الواضح على التطبيع مع نظام الأسد ربما أعطى القاهرة انطباعًا أوليًا باحتمالية استمرار هذا النظام خلال المرحلة المقبلة، وعليه كان هذا التوجه، وبعيدًا عن تباين الآراء بشأن إستراتيجية التعامل مع تلك المؤشرات، سواء الإبقاء على بشار على رأس النظام أم استبداله بشخصية توافقية أخرى مع استمرار بقية الرموز، فإن الأمور تذهب إلى انفتاح عربي لافت على النظام السوري رغم جرائمه المرتبكة والموثقة أمميًا.

يتفق هذا الطرح شكلًا ومضمونًا مع تصريحات رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة، في 19 من أغسطس/آب 2021، التي أكد خلالها أن الأردن ومصر تدفعان إلى إعادة دمج سوريا في جامعة الدول العربية، مضيفًا في حديثه لـ"الإندبندنت" البريطانية، بأن "الأردن وحكومة مصر ودولًا شقيقة أخرى ترغب في استعادة سوريا مقعدها بجامعة الدول العربية".

رويدًا رويدًا تنحل العقد التي حالت دون التطبيع المصري السوري رسميًا، التي على رأسها الموقف السعودي، أحد أبرز حلفاء السيسي في المنطقة في السنوات الأخيرة، فرغم عدم اتخاذ الرياض أي خطوة علنية للتقرب من بشار، فإن الأجواء تعكس حالة من تخفيف حدة الخصومة مع نظامه، وهو ما قد يكون قد استشعرته القاهرة مؤخرًا، ما أعطاها الضوء الأخضر نحو السير في هذا الاتجاه وإن كان بخطوات حثيثة ومتوازنة.

الموقف المصري.. 3 محطات رئيسية

مر الموقف المصري حيال الأزمة السورية منذ اندلاعها في 2011 بثلاث محطات رئيسية، الأولى خلال فترة المجلس العسكري الذي تولى البلاد عقب تنحي حسني مبارك في فبراير/شباط 2011، إذ تبنى سياسة مسك العصا من المنتصف، رافضًا منذ الوهلة الأولى تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية، وهو القرار الذي اتخذته الجامعة ردًا على الانتهاكات التي مارسها نظام بشار الأسد ضد المدنيين من أبناء شعبه الثائرين ضد فساد حكمه.

كما أيد المجلس وقتها دعوة الجامعة للأسد ببدء مرحلة الإصلاحات السياسية وإيقاف العمليات العسكرية للحيلولة دون تدويل الأزمة، هذا بخلاف قبول المبادرة العربية الأولى التي دعت لسحب جيش بشار من المدن ووقف العنف وفتح حوار مع فصائل المعارضة.

وفي يناير/كانون الثاني 2012 قبل المجلس العسكري المصري اقتراح الجامعة بتشكيل حكومة وحدة وطنية وتفويض الأسد صلاحياته الكاملة لنائبه فاروق الشرع، كأحد الحلول التي طُرحت حينها لحلحلة الأزمة قبل الولوج في مستنقع الدماء والأشلاء، ومن ثم التدويل.

وخلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي (يونيو/حزيران 2012 - يونيو/حزيران 2013) انحازت الدولة المصرية لإرادة الشعب السوري في مواجهة النظام الحاكم، فقد دعا مرسي ومن خلال احتفال كبير ضم كوكبة من الشخصيات السياسية والدينية، إلى الجهاد في سوريا ونصرة الثورة ودعم الثوار، لكنها الدعوة التي لم تحظ بتأييد إقليمي أو دولي في ذلك الوقت.

وبعد الإطاحة بنظام مرسي من خلال انقلاب الـ3 من يوليو/تموز 2013 تغير الموقف المصري 360 درجة، فقد أكد النظام الجديد على دعم الدولة السورية ممثلة في نظامها برئاسة الأسد، مع استبعاد فصائل المعارضة المسلحة التي سمتها القاهرة حينها بـ"الجماعات الإرهابية".

وفي 2015 أيدت مصر الضربات الجوية التي شنتها موسكو لدعم نظام الأسد في مواجهة المعارضة والمدنيين التي استطاعت أن تحقق نجاحات هائلة ميدانيًا قبل التدخل الروسي، وهنا تصريح كاشف لوزير الخارجية المصرية سامح شكري، لقناة "العربية" السعودية، قال فيه: "دخول روسيا بإمكاناتها وقدراتها في هذه الحرب، بتقديراتنا، سيحد من تأثير الإرهاب في سوريا، والقضاء عليه".

حاولت القاهرة الانخراط في المسار السوري بعد سنوات من الابتعاد تمامًا، إذ شكلت بعض القوى السورية المحسوبة على المعارضة، ما عُرف بـ"منصة القاهرة" في يونيو/حزيران من نفس العام، وهي المنصة التي شاركت فيها أكثر من 200 شخصية سياسية سورية من أطياف متباينة، التي كان لبعضها دور خلال اجتماعات جنيف وأستانة.

وفي 11 من نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دعمه ضمنيًا للجيش النظامي السوري في مواجهة المعارضة، وذلك حين أشار إلى أن بلاده تدعم كل الجيوش العربية في مواجهة ما أسماه الإرهاب مثل الجيش السوري والجيش العراقي، وفي تصريحات له للتليفزيون البرتغالي قال: "الأولوية لنا الأولى أن ندعم الجيش الوطني على سبيل المثال فى ليبيا لفرض السيطرة على الأراضي الليبية والتعامل مع العناصر المتطرفة وإحداث الاستقرار المطلوب، ونفس الكلام في سوريا.. ندعم الجيش السوري وأيضًا العراق".

وفي أغسطس/آب من العام ذاته حدد السيسي 5 مرتكزات أساسية يقوم عليها الموقف المصري حيال تلك الأزمة هي: احترام إرادة الشعب السوري وإيجاد حلّ سلمي للأزمة والحفاظ على وحدة الأرض السورية ونزع أسلحة الميليشيات والجماعات المتطرفة وإعادة إعمار سوريا وتفعيل مؤسسات الدولة".

وعلى المستوى الدولي، قدم نظام السيسي لنظيره السوري دعمًا سياسيًا غير مسبوق، فقد اعترض على كل مشروعات القوانين والقرارات المقدمة والمتخذة بشأن الانتهاكات التي يمارسها الجيش السوري ضد الشعب، فوصفت مصر تلك الإدانات الموثقة بـ"اتهامات جزافية" تفتقد للدليل.

وفي بيان له أمام مجلس الأمن في أبريل/نيسان 2017 قال السفير المصري لدى المجلس عمرو سمير عطا: "مسودة القرار الدولي بشأن موضوع الكيمياوي في سوريا تجاهلت الدليل، مضيفًا "فوجئنا بأنه تم القفز على الخطوات المعهودة في المجلس، حيث يشمل المشروع المطروح في مرفقاته قائمة معدة سلفًا بالكيانات والأفراد، الذين يرى مقدمو القرار أنهم المسؤولون عن استخدام السلاح الكيمياوي في سوريا"، وأضاف "نقص الأدلة والبراهين يجعل القرار عبثيًا"، مشيرًا إلى أن مصر تؤيد توقيع العقوبات على من تثبت إدانته باستخدام السلاح الكيمياوي ضد الشعب السوري.

ومنذ ذلك الوقت حاولت مصر أن تكون لاعبًا رئيسيًا في المشهد السوري، وهو ما تجلى في استقبال السيسي، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لسوريا ستيفان دى ميستورا، في يونيو/حزيران 2018، قادمًا من طهران، الذي أعرب بدوره أن تستخدم القاهرة نفوذها واتصالاتها لدفع الأطراف المعنية داخل سوريا بالجلوس على مائدة المفوضات والبدء في العملية السياسية.

وتتويجًا لتلك المواقف الرسمية دافعت القاهرة عن مطلب عودة سوريا للجامعة العربية بعد سنوات من التجميد، ورغم الموقف العربي الرافض لتلك العودة فإن مصر وبعض الدول العربية الأخرى كان لها رآي آخر، ففي مايو/آيار 2020 أكد وزير الخارجية المصري لمبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا "غير بيدرسون"، عن رغبة بلاده بدعم عودة سوريا إلى مكانتها الطبيعية عربيًا ودوليًا، وهو التصريح الذي أثار جدلًا حينها، الأمر الذي دفع الوزير لتداركه بالإشارة إلى أن المقصود من التصريح دعم سوريا وليس النظام.

ورغم التصريحات الإعلامية التي تغازل بها مصر المجتمع الدولي بشأن دعم الدولة السورية وليس نظام بشار، فإن الموقف الرسمي والدبلوماسية تناقض تلك التصريحات، حيث الدعم المستمر للأسد، وهو الموقف الذي يحمل تخوف الجانب المصري من النمو المحتمل للجماعات الإسلامية تحديدًا، لا سيما تلك المدعومة من أنقرة، التي باتت بوصلة التوجه المعاكس للقاهرة.

وفي الأخير.. فإن الكرة الآن في ملعب الطرف المصري الذي يمكنه أن يتبنى - إن أراد - سياسة أكثر برغماتية مع مراعاة البعد الأخلاقي فيما يتعلق بالعلاقات مع الحلفاء والمجتمع الدولي الرافض للانتهاكات السورية، فبإمكان النظام المصري الإبقاء على قنوات الاتصال مع الأطراف كافة، للتوصل إلى سلام سوري داخلي، فهل تنجح القاهرة في تحقيق تلك المعادلة؟