دخلت العلاقات بين السلطة الانتقالية السودانية المؤقتة وحركة المقاومة الإسلامية حماس نفقًا مظلمًا، إثر مصادرة الأولى لأموال وممتلكات أفراد قالت إنهم تابعون للثانية، الأمر الذي نفته الحركة واعتبرته استهدافًا ممنهجًا يتجاوز فكرة استرداد الأموال العامة في البلاد إلى أهداف سياسية أخرى تعيد تموضع القضية الفلسطينية على أجندة الدولة السودانية.

وكانت "لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة" في السودان، التي تشكلت عقب الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في أبريل/نيسان 2019، قد أعلنت الخميس 23 من سبتمبر/أيلول 2021 مصادرة أصول تعود إلى حركة حماس الفلسطينية التي نفت في تعليقها على تلك الأنباء أن لديها استثمارات في البلاد.

وقالت اللجنة على لسان مصدر بداخلها في تصريحاته لوكالة "فرانس برس": "تمت مصادرة شركات تتبع لحركة حماس وهي حسان والعابد للإنشاءات والرواد العقارية، إضافة إلى مشروع زراعي باسم البداية وفندق بردايس في وسط الخرطوم ومكتب للتحويلات المالية كانوا يستخدمونه لنقل الأموال إلى الخارج باسم الفيحاء، بجانب أسهم للحركة في شركة مع رجل أعمال سوداني في منطقة دنقلا (450 كيلومترًا شمال الخرطوم)".

استهداف حركة المقاومة الفلسطينية والزج باسمها في هذا التوقيت الذي تتأجج فيه الاحتجاجات الداخلية في السودان في ظل صراع نفوذ حامي الوطيس بين المكون المدني والعسكري، وهرولة كل طرف لتعزيز ثقله السياسي، داخليًا وخارجيًا، قبيل نوفمبر/تشرين الثاني القادم (وهي المهلة المحددة لتولي المدنيين رئاسة الفترة الانتقالية بعد انتهاء فترة الجنرالات وفق الوثيقة الدستورية) أثار الكثير من التساؤلات عن الدوافع الحقيقية وراء هذا التحرك الذي يبدو أنه خطوة سياسية في المقام الأول أكثر منها تطهيرية أو اقتصادية.

حماس تنفي

في بيان رسمي لها نفت حركة حماس ما قيل بشأن وجود استثمارات لها في السودان، لافتة أن الأصول المذكورة في التقارير الإعلامية (وتشمل فنادق وعقارات وشركات متعددة الأغراض وأراضٍ وشركة صرافة) مملوكة بشكل رسمي لرجال أعمال ومستثمرين فلسطينيين، ليست لهم أي صلة تنظيمية بالحركة.

ومن هذا المنطلق ناشدت الحركة رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ورئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك "التدخل شخصيًا لإيقاف حالات التعرض للفلسطينيين في السودان، المتمثلة في مصادرة استثماراتهم ومنازلهم وأموالهم الشخصية وشركاتهم، التي اكتسبوها بطريقة قانونية، وبعلم مؤسسات الدولة السودانية، وموافقتها".

يأتي توضيح حماس لملابسات هذا التحرك المفاجئ استنادًا إلى ما وصفته حسب البيان "عمق العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والسوداني"، مستذكرة "المواقف التاريخية المشرفة للشعب السوداني، والحكومات السودانية المتعاقبة التي دأبت على دعم القضية الفلسطينية في المحافل والميادين كافة"، معربة عن أملها "أن تكون القضية الفلسطينية والمواطنون الفلسطينيون المقيمون في السودان بمنأى عن التطورات السياسية داخل السودان، باعتبار فلسطين قضية مركزية، للأمتين العربية والإسلامية".

البيان حمل مخاوف الحركة من إمكانية إقدام السودان على تنفيذ اعتقالات أو مضايقة جديدة لرجال أعمال فلسطينيين أو طلبة وفلسطينيين آخرين مقيمين على أراضيه، بحجة انتمائهم لها، فقد شنت السلطات السودانية حملة اعتقالات ضد بعض الفلسطينيين المقيمين في البلاد بحجة انتمائهم لحماس، فيما أطلق سراح معظمهم بعد المثول أمام لجنة التحقيق، حسبما أشارت "القدس العربي".

اصطياد في الماء العكر

بينما كانت حماس تدافع عن حقوق أبناء شعبها المقيمين في السودان والزود عن أملاكهم حفاظًا عليها من المصادرة باتهامات لا أساس لها من الصحة حسب بيانها، كانت السلطة الفلسطينية تعزف على وتر آخر، مستغلة حالة التوتر تلك لتحقيق مكاسب مادية دون أي اعتبارات إنسانية كانت أو قومية.

وبالتزامن مع تصعيد الحملة ضد الأموال المملوكة لمستثمرين فلسطينيين في السودان دخلت السلطة الفلسطينية على خط الأزمة، لكنه الدخول العكسي، داعية الخرطوم إلى تسليم الأصول المصادرة إليها، وهو ما دفع نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، لاتهام السلطة بـ"الصيد في الماء العكر".

رئيس هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية حسين الشيخ، قال في تغريدة له على حسابه على تويتر إن السلطة الفلسطينية "تتمنى على دولة السودان، التي كانت دومًا شعبًا وحكومةً مع شعب فلسطين، أن تسلم الأموال المنقولة وغير المنقولة التي تمت مصادرتها إلى دولة فلسطين ولحكومة فلسطين"، مضيفًا "الشعب الفلسطيني أحوج ما يكون لهذه الأموال، وتحديدًا شعبنا العظيم الذي يرزح تحت الحصار في غزة".

وردًا عليه غرد موسى أبو مرزوق، قائلًا: "‏يحاول حسين الشيخ الاصطياد في الماء العكر. فما جرى في السودان هو صراع داخلي لاستجلاب التأييد الأمريكي للشق المدني في حكومة حمدوك في مواجهة العسكر"، وتابع: "لعبة رخيصة استخدم فيها اسم الحركة افتراءً، ومطلوب من السودان تصحيح الموقف ورد الحقوق إلى أصحابها".

ليرد عليه الشيخ "‏استغرب ردك دكتور موسى! أنا طالبت حكومة السودان بإعادة هذه الأموال دون اتهام لأحد، واعتقد أن شعبنا أحوج ما يكون لهذه الأموال، وخاصة في قطاع غزة. لا أدري ما الذي أثار حفيظتك أنت والبعض من الطلب الموجه لحكومة السودان؟".

أغراض سياسية

لا يمكن قراءة هذا التحرك بمعزل عن ثلاثة أبعاد رئيسية تذهب في النهاية إلى أن هناك تسييسًا واضحًا لهذا الملف لتحقيق حزمة من المكاسب، البعد الأول يتعلق بالضغوط التي يتعرض لها المكون المدني من نظيره العسكري جراء الفشل في الملفات الحياتية والمعيشية للمواطنين، وهو الأمر الذي خصم بشكل كبير من الرصيد الشعبي لهذا المكون الذي يعاني من تشرذمات سياسية متعمقة.

وقد تصاعدت وتيرة الخلاف بين العسكريين والمدنيين مؤخرًا جراء حزمة من المستجدات، البداية كانت مع اعتراض المدنيين على دمج "فلول" النظام السابق إلى عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد، ثم التقاعس العسكري الواضح حيال الاحتجاجات التي تشعل المنطقة الشرقية منذ الجمعة 17 من سبتمبر/أيلول 2021 التي عزلت العاصمة عن موانئ البلاد، وأغلقت العديد من الطرق الرئيسية وأصابت ولايات الشرق بالشلل التام، وسط المطالبة بإقالة الحكومة وتحذيرات من التصعيد حال عدم الاستجابة، وهو التقاعس الذي أثار الكثير من مخاوف المدنيين.

هذا بجانب السجال الإعلامي والسياسي المتبادل في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها عدد من الضباط، في 21 من سبتمبر/أيلول الحاليّ، وسط تباين في التصريحات بشأن الجهة التي تقف خلفها، بين اتهامات لجنرالات المجلس السيادي برئاسة عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) وفلول الإنقاذ داخل المؤسسة العسكرية، في مقابل اتهامات عسكرية للمدنيين بتحمل مسؤولية تأزم الوضع بسبب الفشل في التعامل مع عدد من الملفات الحياتية، الأمر الذي زاد من حدة الاحتقان الشعبي.

البعد الثاني خاص بتوقيت هذا التحرك الذي يأتي قبل شهر أو أكثر قليلًا على انتهاء ترؤس المكون العسكري لقمة الهرم السلطوي في البلاد والمفترض أن تكون في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل بحسب الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس/آب 2019، على أن يتولى المدنيون السلطة.

وتساور القوى المدنية المخاوف من نوايا الجنرالات بشأن إحداث تغيير في موقع رئاسة المجلس الانتقالي، بما يمهد نحو استمرارهم لفترة قادمة أطول، تفسيرًا لرغبتهم في استمرار الوضع المتأجج في الشرق وتجاهلهم لما يحياه هذا الإقليم من فوضى رغم أهميته الإستراتيجية التي تتطلب تدخلًا حاسمًا وبشكل فوري، وهو ما لم يحدث.

وثالث الأبعاد الواجب النظر إليها خلال قراءة خطوة الزج بحماس في المشهد الحاليّ، رغبة المكون المدني في مغازلة الولايات المتحدة و"إسرائيل" لدعم ثقلها السياسي داخليًا والانحياز لاستكمال بنود الوثيقة الدستورية دون إجراء أي تعديلات عليها بما يمهد للمدنيين بقيادة السلطة الانتقالية خلال العام والنصف المتبقية من المرحلة الانتقالية الحاليّة، لا سيما في ظل الدعم الذي يحظى به الجنرالات من بعض القوى الإقليمية (حلف الثورات المضادة) التي تخطط لإجهاض مكاسب ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018.

وأمام الرصيد المتناقص شعبيًا لدى القوى المدنية، واستغلال العسكر لهذا التراجع، لم يجد حمدوك ورفاقه إلا ورقة حماس لتقديم أوراق الاعتماد لدى الإدارة الأمريكية الحاليّة بقيادة جو بايدن، كذلك لدى الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي لم تجد أي تحركات سودانية في اتجاه التقارب بين البلدين منذ اتفاق التطبيع المعلن عنه في يناير/كانون الثاني الماضي.

وساطة مصرية تركية

رغم الحملة ضد الحركة في السودان فإنها تسعى بقدر الإمكان للحفاظ على شعرة معاوية في علاقاتها مع هذا البلد العربي صاحب المواقف المضيئة تاريخيًا في دعم القضية الفلسطينية، لذا سعت لتخفيف حدة التوتر مع السلطة الانتقالية المؤقتة وذلك عبر طلب وساطة القاهرة وأنقرة لوقف الإجراءات السودانية.

وأشارت بعض وسائل الإعلام إلى أن مسؤولًا بارزًا في المكتب السياسي لحماس تواصل مع أعضاء بجهاز المخابرات العامة المصري في أعقاب الإعلان عن تأميم بعض الممتلكات الخاصة بمستثمرين فلسطينيين في السودان، بهدف التوسط بين الطرفين للحيلولة دون تدهور العلاقات.

ورغم تأكيد حماس نفيها الكامل لأي صلة لها بتلك الاستثمارات المصادرة فإنها سعت للوساطة المصرية بهدف عدم خسارة الموقف السوداني لصالح القضية الفلسطينية رغم تطبيع الخرطوم مع تل أبيب، بحسب المصادر التي نقلت عنها وسائل الإعلام التي كشفت تلك الاتصالات.

الطلب الحمساوي من القاهرة يأتي قبيل استئناف مفاوضات صفقة تبادل الأسرى التي تعول عليها القاهرة كثيرًا في الوقت الراهن، لتعزيز حضورها السياسي في الملف الفلسطيني، في ظل التغيرات الجديدة التي طرأت على الموقف الإسرائيلي، وطلب الحكومة من الجانب المصري مزيد من الانخراط - مع قطر - في مفاوضات جادة بشأن الصفقة.

وبحسب تلك المصادر فإن حماس لم تقف عند حاجز طلب الوساطة المصرية فحسب، بل سعت لإدخال أطراف أخرى بخلاف القاهرة، مشيرة إلى أن "تركيا دخلت على خط الأزمة بين حماس والمسؤولين في السودان، في محاولة لاحتواء الأزمة".

يبدو أن الشروخ التي أحدثتها المقاومة الفلسطينية في جدار الكبرياء الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة، وإسقاط القناع المزيف عن القوة التي لا تقهر، أثارت حفيظة الدولة العبرية بصورة دفعتها لتوظيف نفوذها السياسي والمالي لتضييق الخناق على المقاومة في الداخل والخارج.

ودون طلب إسرائيلي رسمي لخنق المقاومة، فإن هذا الملف قد يكون مغريًا للكثير من القوى الساعية لخطب ود الدولة الصهيونية وداعميها في الداخل الأمريكي والغربي بصفة عامة، وهو ما قد تلجأ إليه (كما فعلت قبل ذلك الإمارات وأحيانًا مصر) الحكومة السودانية الراغبة في ترسيخ أركانها في مواجهة العسكر، حتى لو كان على حساب المرتكزات القومية الوطنية للبلاد.