كشفت مجموعة "أوراق باندورا"، وهي 12 مليون وثيقة سرّية نشرتها صحيفة "واشنطن بوست"، بالمشاركة مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين؛ وجود أملاك ومبالغ بمليارات الدولارات تعود لسياسيين مليارديرات مخبّأة بأسماء وهمية.

من بين الأسماء التي وردت ملك الأردن ورئيس الوزراء التشيكي والرئيس الكيني، إضافة إلى 330 شخصية سياسية استخدموا شركات وهمية لإخفاء ثرواتهم، حيث قام أكثر من 600 صحفي في 117 دولة بالبحث في الملفات من 14 مصدرًا لشهور، ووجدوا قصصًا تمَّ نشرها هذا الأسبوع.

ماذا كشفت الأوراق؟

تتضمّن أوراق التسريب 6.4 مليون مستند، وحوالي 3 ملايين صورة، وأكثر من مليون رسالة بريد إلكتروني، وما يقارب النصف مليون جدول من البيانات.

ومن بين الشخصيات التي وردت في الملفات وإنفاقاتها: 

- أنفق الملك الأردني عبد الله الثاني 100 مليون دولار لشراء عقارات في أمريكا. 

- أحمد مموِّلي حزب المحافظين في المملكة المتحدة، وهو محمد أميرسي، أنفق أكثر من 300 مليون دولار لشركة وهمية لتغطية نشاطاته. 

- امتلاك رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش شقتَين في فرنسا بقيمة تقارب الـ 20 مليون دولار. 

- فضائح أخرى حول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير وزوجته.

كيف تمَّ إخفاء الأموال؟ تكشف "أوراق باندورا" عن شبكات معقّدة من الشركات التي تمَّ إنشاؤها عبر الحدود، ما يؤدي غالبًا إلى ملكية خفية للأموال والأصول.

على سبيل المثال، قد يمتلك شخص ما عقارًا في المملكة المتحدة، ولكنه يمتلكه عبر سلسلة من الشركات الموجودة في بلدان أخرى، تُسمّى هذه الشركات بشركات خارج الحدود أو الملاذات الضريبية (Offshore Companies)، ويمكن أن تتواجد هذه الملاذات الضريبية الخارجية حيث يكون:

- من السهل إنشاء الشركات.

- هناك قوانين تجعل من الصعب تحديد أصحاب الشركات.

- هناك ضريبة منخفضة على الشركات أو لا توجد على الإطلاق.

لا توجد قائمة محدَّدة للملاذات الضريبية، ولكن الوجهات الأكثر شهرة تشمل أقاليم ما وراء البحار البريطانية، مثل جزر كايمان وجزر فيرجن البريطانية، بالإضافة إلى دول مثل سويسرا وسنغافورة.

الملك عبد الله الثاني وقصور ماليبو 

بين عامَي 2014 و2017، أنفقت الشركات المرتبطة بالملك ما يقارب الـ 70 مليون دولار على 3 منازل متجاورة تطلُّ على المحيط الهادئ في جنوب كاليفورنيا، وفقًا للملفات والوثائق الأخرى، ما شكّل أحد أكبر المجمّعات الخادعة في جيب المشاهير في ماليبو.

يوجد في الوسط قصر مساحته 14000 قدم مربع على طراز البحر الأبيض المتوسط، ​​يحتوي على 7 غرف نوم و9 حمّامات، ومجهَّز بصالة رياضية ومسرح ومنتجع صحّي خارجي ومسبح لا متناهٍ، كلها تقع على أكثر من 3 فدادين من الممتلكات الساحلية الرئيسية.

صورة
أحد قصور الملك عبد الله الثاني

جاء الاستحواذ على هذه المنازل في أعقاب معاملات مماثلة في واشنطن العاصمة، حيث تُظهر الوثائق أن الملك عبد الله الثاني أنفق ما يقارب الـ 10 ملايين دولار على وحدات سكنية فاخرة، مع إطلالات شاسعة على نهر بوتوماك في جورج تاون.

كانت عمليات الشراء في الولايات المتحدة جزءًا من موجة شراء دولية، حيث استحوذ الملك أيضًا على ما لا يقلّ عن 3 مساكن بملايين الدولارات في لندن، وفقًا للملفات، وهي عقارات جمعها مع رابع يمتلكه بالفعل لإنشاء متراصة سكنية بالقرب من قصر باكنغهام، وتمّت إضافة هذه الحيازة الرئيسية إلى مجموعة تضمّنت بالفعل مسكنَين في منطقة كنسينغتون ومنزلًا ريفيًّا بالقرب من قلعة وندسور.

بشكل عام، أنفق الملك أكثر من 106 ملايين دولار على عقارات مملوكة لشركات وهمية مسجَّلة له وحده وليس للعائلة المالكة أو المملكة الأردنية، وقام بمعظم عمليات الاستحواذ هذه على مدى 10 سنوات تميّزت بتزايد الصعوبات الاقتصادية في الأردن، وتزايد الإحباط العام من الفساد المشتبه به المحيط بالملك، وتزايد عدم الاستقرار السياسي الذي بلغ ذروته هذا العام بمؤامرة انقلاب مزعومة، حيث تمَّ اعتقال الأخ غير الشقيق للملك و18 آخرين، في حملة قمع كشفت الانقسامات الداخلية التي تهدِّد قبضة عبد الله على السلطة أكثر من أي وقت آخر خلال فترة حكمه المستمرّة منذ عقدَين.

قال بروس ريدل، مسؤول كبير سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وخبير في شؤون الأردن: "يأتي هذا في وقت سيّئ ومُحرج للغاية بالنسبة إلى الملك، في أعقاب مؤامرة انقلاب مزعومة كشفت عن قلق عميق في الأردن بشأن الفساد، وهذا سيعزِّز تلك المخاوف ولا أكثر من ذلك". 

يعيش الأردن إلى حدٍّ كبير على مليارات الدولارات من المساعدات التي يتلقّاها لدوره كمصدر للاستقرار في منطقة تعاني من الصراع، فضلًا عن استعداده لقبول ملايين اللاجئين من الحروب المجاورة.

تلقّى الأردن 1.5 مليار دولار من الولايات المتحدة وحدها العام الماضي، ما يجعله ثالث أكبر متلقٍّ للمساعدات الخارجية الأمريكية، بعد "إسرائيل" وأفغانستان فقط، ويقول المسؤولون الأمريكيون إن هذا التمويل يتمُّ تعقبه بجدّية ولم يروا أي دليل على تحويل أي أموال من الغرض المقصود منها.

أقرَّ مكتب محاماة في لندن يمثّل الملك عبد الله الثاني بملكيته لممتلكات أجنبية للاستخدام الشخصي ودافعَ بقوة عن أفعاله، كما قالت شركة DLA Piper في خطاب، ردًّا على طلب للتعليق من الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، إن "أي إشارة ضمنية إلى وجود شيء غير لائق بشأن ملكية [عبد الله] للممتلكات من خلال الشركات في الولايات القضائية الخارجية يتم رفضه بشكل قاطع".

لكن يثير الكشف في الوثائق المالية تساؤلات حول من أين حصل الملك عبد الله الثاني على المال، ولماذا يبدو أن الملك الذي قد يجادل بأنه يحق له الإقامة الملكية في الخارج قد بذل كل هذه الحدود لإخفاء ملكيته لها.

تُظهر الوثائق أن الملك عبد الله الثاني (59 عامًا) أمضى سنوات في تجميع شبكة من 36 شركة واجهة وصناديق استئمانية وكيانات أخرى على الأقل، بمساعدة محاسبين ومحامين في ولايات قضائية تشمل سويسرا وبنما وجزر فيرجن البريطانية.

سفيتلانا كريفونوجيخ.. من الشقاء إلى الثراء 

أحد الأسرار التي تمَّ الكشف عنها في "أوراق باندورا"، هو سرّ امرأة غريبة تحوّلت من الفقر إلى الثراء المطلق بسبب علاقتها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لا يوجد الكثير عن الخلفية المتواضعة لسفيتلانا كريفونوجيخ، التي يمكن أن تشير إلى أن لديها الوسائل للحصول على ممتلكات تطلُّ على هذا العالم الذي يعيش فيه النخبة، وبحسب ما ورد فقد نشأت المرأة الروسية في شقة مشتركة مزدحمة في سانت بطرسبرغ، وشغلت وظائف شملت تنظيف متجر في الحي.

صورة

لكن السجلّات المالية التي لم يتمَّ الكشف عنها سابقًا جنبًا إلى جنب مع وثائق الضرائب المحلية، تُظهر أن عشيقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصبحت من أصحاب الملايين، حيث تقدَّر ثروتها الان بـ 100 مليون دولار، كما أصبحت مالكة شقة في موناكو من خلال شركة خارج الحدود تمَّ إنشاؤها بعد أسابيع فقط من ولادة طفلة في وقت كانت فيه سفيتلانا، وفقًا لتقرير إعلامي روسي العام الماضي، في علاقة سرّية منذ سنوات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

تكشفُ الوثائق ملكيتها لشركة وهمية في جزر فيرجن البريطانية، بالإضافة إلى استخدامها لشركة خدمات مالية في موناكو عملت في الوقت نفسه لصالح أحد أصدقاء بوتين المليارديرات.

لا تكشف الملفات من أين حصلت على المال لدفع ثمن شقة بلغت تكلفتها 4.1 مليون دولار في عام 2003، وربما تكون قيمتها اليوم أكثر بكثير من قيمتها ذلك الوقت، لكن الصفقة تزامنت مع فترة يُزعم أن سفيتلانا كانت على علاقة بها مع بوتين، قامت خلالها بتكديس مجموعة مذهلة من الأصول في روسيا، وفقًا لـ"بروكت"، وهو موقع استقصائي روسي على الإنترنت، كشف عن ارتباطها المزعوم بزعيم الكرملين، ومنذ ذلك الحين أصبح محظورًا في روسيا.

نفى متحدث باسم الكرملين هذا التقرير عندما نُشر العام الماضي، لكن التفاصيل حول الشقة تعزِّز الادّعاء الأساسي، الذي هو أنه بعد أن بدأت عشيقة الرئيس الروسي علاقتها المُبلغ عنها مع بوتين، جمعت أصولًا غالبًا ما ترتبط بأقرانه المقرّبين بطريقة ما.

قبل تقرير "بروكت"، ظهرت علاقات سفيتلانا مع الدائرة المقرَّبة من بوتين ولكنها لم تلفت انتباه الجمهور، حيث كشف بنك روسيا عام 2010 أنها كانت واحدة من أكبر مساهميه من خلال شركتها "أو ريلاكس"، حيث سيخضع البنك الذي يقع مقرّه في سانت بطرسبرغ لاحقًا لعقوبات من قبل وزارة الخزانة الأمريكية، التي وصفته بأنه "البنك الشخصي لكبار المسؤولين في الاتحاد الروسي".

بنت بوتين

لم تتحدث كريفونوجيخ عن علاقتها المزعومة ببوتين أو عن تكديسها للثروة؛ لكن ابنتها، التي بلغت 18 عامًا هذا العام، وتحمل اسم لويزا روزوفا، وعلى حسابها على إنستغرام، الذي يضم أكثر من 83000 متابع، والذي يحمل اسم أعطت اسمها "rozova luiza v"، أثارت التكهُّنات حول هوية أبيها في المقابلات، مستفيدة من الاهتمام ببناء متابعين متزايدين عبر الإنترنت. حيث يظهر في الصور أن روزوفا لديها تشابه صارخ مع الرئيس الروسي، وقد اعترفت بهذا التشابه حتى مع رفضها تأكيد أو نفي أن بوتين هو والدها.

لم يتم إدراج هوية الأب لروزوفا في الوثائق الروسية الرسمية التي حصل عليها موقع "بروكت"، لكن تلك الوثائق تسجِّل الاسم الأوسط بـ"فلاديميروفنا"، وهو اسم الأب أو الأسرة الذي يعني "ابنة فلاديمير".