أخذت العلاقة بين حركة حماس والنظام المصري الحالي، الذي يقوده عبد الفتاح السيسي، شكلًا مغايرًا لما كانت عليه في أعقاب الإطاحة بأول رئيس مصري مدني منتخَب، محمد مرسي، في يونيو/ حزيران 2013، إذ وصلت العلاقة إلى حد العداء الرسمي.

في عام 2014 بدأ الجيش المصري حملة أمنية تستهدف الأنفاق الأرضية التي تربط القطاع بالأراضي المصرية، والتي كانت تُستخدَم لتهريب البضائع التجارية، بعد إقرار قانون يجرّم حفرها، وشهد فبراير/ شباط 2015 تحوُّلًا في شكل العلاقة حينما أعلنت محكمة الأمور المستعجلة في القاهرة حركة حماس "تنظيمًا إرهابيًّا"، قبل أن تلغي محكمة أخرى القرار في منتصف العام ذاته.

في عام 2017، أصدرت الحركة وثيقتها السياسية الجديدة، التي نفت فيها أي ارتباط رسمي تنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين التي يصنِّفها نظام السيسي أنها محظورة، وهو ما يؤكِّده تصريح رئيس مكتبها السياسي، إسماعيل هنية، في إحدى زياراته للقاهرة، حيث قال: "نحن ليس لنا أي ارتباط تنظيمي بجماعة الإخوان في مصر".

إعلان السيسي تقديم مبادرة رئاسية بقيمة 500 مليون دولار أمريكي لإعادة إعمار غزة، مثّل تحوُّلًا دراماتيكيًّا في دور القاهرة بنظامها الحالي وعلاقتها مع حركة حماس.

وفي عام 2018، أخذت العلاقة بين الطرفَين طابعًا مختلفًا تمثّل في تبادل الزيارات بين شخصيات رفيعة في حركة حماس وقيادة جهاز المخابرات المصرية، وقد شهدت السنوات الثلاثة الأخيرة حضورًا مصريًّا في قضايا القطاع، أعقب ذلك تطورًا لافتًا في العلاقات، إلا أنها أخذت بُعدًا أمنيًّا بحتًا تمثّلَ بلعب القاهرة دور الوساطة في ملفات التهدئة، في أكثر من جولة تصعيد خاضتها المقاومة الفلسطينية وحركة حماس على وجه الخصوص.

غير أن اللافت كان خلال معركة "سيف القدس"، حينما أعلن السيسي تقديم مبادرة رئاسية بقيمة 500 مليون دولار أمريكي لإعادة إعمار غزة، وهو ما مثّلَ تحوُّلًا دراماتيكيًّا في دور القاهرة بنظامها الحالي، إذ تبع الإعلان دخول آليات ومعدات للمساعدة في إزالة ركام المباني المدمَّرة من القصف الإسرائيلي، وزيارة لرئيس جهاز المخابرات، المعروف بقربه للسيسي، عباس كامل، والإعلان عن بناء مدينة سكنية ومشاريع للبنية التحتية.

انفتاح أمريكي وأوروبي

أظهرت معركة "سيف القدس" التي خاضتها المقاومة الفلسطينية، دفاعًا عن أحياء القدس والمسجد الأقصى، مجموعة من الأسباب والعوامل التي دفعت النظام المصري الحالي لوضع الخلاف الأيديولوجي مع حركة حماس جانبًا، والعمل بمنطق سياسي بحت يتمثّل بـ"المصالح".

لعب الحضور المصري في محاولات التهدئة بين المقاومة وحركة حماس من جهة، والكيان الإسرائيلي من جهة أخرى، دورًا قويًّا لانفتاح أمريكي بقيادة الرئيس الحالي جو بايدن وإدارته، الذي هاجم السيسي كثيرًا قبل فوزه في الانتخابات الأخيرة على حساب دونالد ترامب.

خلال المعركة وبعدها، اتصل بايدن مرّتَين بالسيسي، طالبًا منه الضغط بكل ثقله لتحقيق الهدوء في المنطقة عدا عن زيارات لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن للقاهرة، مقارنة مع اتصال وحيد فقط جرى مع زعماء دول عربية وخليجية لم تتجاوز العلاقات العامة.

لا يمكن إغفال التطور الكبير الحاصل في العلاقات بين الكيان ومصر، وحجم تبادُل الزيارات الذي تلى معركة "سيف القدس"، وصولًا إلى زيارة رئيس الحكومة الائتلافية نفتالي بينيت لشرم الشيخ.

 وهنا يتّضح أن القاهرة وجدت في ورقة غزة والوساطة بينها وبين الاحتلال معززًا لدورها الإقليمي، في ضوء الهجوم الغربي والأمريكي شبه الدائم عليها على خلفية ملف حقوق الإنسان والانتهاكات بحق المعتقلين السياسيين في سجونها، خصوصًا لمعارضيها.

أما على الصعيد الأوروبي، فإن القاهرة حظيت هي الأخرى بإشارة من عدة دول بشأن دورها في احتواء التصعيد الأخير، وما لعبته من دور وساطة، عدا عن الزخم الإعلامي والمساحة الإقليمية التي أعادتها للدور ذاته، الذي كانت تلعبه في عهد الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك.

في موازاة ذلك، لا يمكن إغفال التطور الكبير الحاصل في العلاقات بين الكيان ومصر، وحجم تبادل الزيارات الذي تلى معركة "سيف القدس"، وصولًا إلى زيارة رئيس الحكومة الائتلافية نفتالي بينيت لشرم الشيخ، عدا عن زيارات متبادلة لمسؤولين أمنيين وعسكريين من أجل المحافظة على حالة الهدوء مع غزة قائمة.

السيسي يتوسع إقليميًّا

يقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى الصواف، إن مصر رأت في انفتاحها على حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى فرصة للانفتاح على الغرب وأمريكا وتحقيق مصالحها، فيما تعمل من خلال وساطتها على إرضاء الجانب الفلسطيني عبر بعض الحلول الجزئية وليس الحلول الكاملة.

ويضيف الصواف لـ"نون بوست" أن "الجانب المصري ما زال يعتبر حركة حماس "إرهابية"، ويتعامل معها بحذرٍ شديد وبمنطق التعامل المحسوب، والقاهرة تتعامل مع الحركة اليوم باعتبارها السلطة القائمة في غزة، لكن حقيقة الأمر هي أنها لا ترغب في بقاء حماس".

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، فإن السيسي حصل على ضوء أخضر من بايدن للعب هذا الدور، والدخول في ملفات لم تكن مصر تلعب فيها دورًا سابقًا، كملفّ الإعمار وإزالة الركام وتسهيل التجارة، لكن تبقى القضايا الأمنية حاضرة في كل المواقف، حسب قوله.

ويستدلّ الصواف بما يتعرض له المواطن الفلسطيني عبر معبر رفح، خلال سفره من وإلى قطاع غزة المحاصر، وهو ما يعكس دليلًا واضحًا من وجهة نظره على حجم التعامل الأمني والكراهية التي يبديها النظام المصري الحالي برئاسة السيسي للشعب الفلسطيني في غزة.

يستبعد الكاتب والمحلل السياسي الصواف أن تتطور العلاقة مع النظام المصري الحالي إلى ما هو أبعد من "المصالح المتبادلة".

ووفق الكاتب والمحلل السياسي، فإن المصلحة لدى النظام المصري الحالي هي بالتعامل مع حماس، وهناك إدراك من الحركة التي تحكم غزة لوجود حاجة سياسية واقتصادية من القاهرة لها، إلى جانب علمها أن الحكومة المصرية تكرهها رغم كل التسهيلات واللقاءات التي تجري.

ويُعتقَد أن العلاقة القائمة حاليًّا هي بفعل "ديكتاتورية الجغرافيا"، فحماس تريد تحقيق انفراجة للشعب الفلسطيني في غزة كي يعيش بنوع من الحرية والكرامة، وأن يكون معبر رفح مفتوحًا أمام حركة الأفراد، إلى جانب تسهيلات اقتصادية خاصة للقطاع وسكّانه.

ويستبعد الكاتب والمحلل السياسي الصواف أن تتطور العلاقة مع النظام المصري الحالي إلى ما هو أبعد من "المصالح المتبادلة"، إذ إن النظام المصري القائم حاليًّا احترمَ حركة حماس وقوى المقاومة الأخرى بفعل قوتها ومواجهتها للاحتلال الإسرائيلي، حسب تعبيره.

شيك مفتوح

من جانبه، يؤكد الباحث في شؤون الشرق الأوسط والمحلل للشأن السياسي، حسن عبدو، أن النظرة الأولى لبايدن كانت قبل وصوله للحكم أنه لن يعطي السيسي شيكًا مفتوحًا دون المرور بملف حقوق الإنسان، لكن معركة "سيف القدس" جاءت وأعطته هذا الشيك.

ويقول عبدو لـ"نون بوست": "السبب في هذا الشيك أن واشنطن تريد الهدوء في المنطقة وخاصة في الملف الفلسطيني، وهو ما حوّلَ القاهرة إلى مركز تفاعل للأحداث في المنطقة عبر الاتصالات المباشرة بين بايدن والسيسي، والزيارات المتتالية التي تجري في الفترة الأخيرة لتفويض القاهرة بملفَّي الهدنة المستدامة وإتمام المصالحة لإعادة السلطة لغزة".

واستكمل قائلًا: "العلاقة مع حركة حماس جاءت كضرورة نظرًا إلى حكمها لقطاع غزة، والتعامُل معها هو ضامن للقاهرة من أجل إنجاز ملفات التهدئة المستدامة وإعادة السلطة مرة أخرى للقطاع، فالعلاقة قائمة على المصالح حاليًّا، فكلا الطرفَين بحاجة إلى الآخر، حماس بحاجة إلى القاهرة كون معبر رفح بوابة غزة للعالم الخارجي، والقاهرة بحاجة الحركة لممارسة الدور الإقليمي في هذه الملفات".

في ضوء المشهد السابق يمكن القول إن العلاقة ستبقى مسقوفة بالمصالح السياسية والاقتصادية المتبادلة دون أن تصل لمرحلة التحالف الكامل، لا سيما في ظل الانفتاح المصري على الاحتلال الإسرائيلي والخلاف الأيديولوجي بين النظام المصري الحالي وحركة حماس، والدعوة المباشرة للدول العربية لتحسين علاقتها بالكيان في ضوء اتفاقيات التطبيع التي جرت في العامين الأخيرين. في المقابل ستحاول الحركة التي تدير شؤون القطاع الحفاظ على أفضل مستوى ممكن من العلاقات مع نظام السيسي من أجل التخفيف من معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في القطاع الذي يرزح تحت الحصار الإسرائيلي المشدد منذ عام 2006.