مع الساعات الأولى لصدور نتائج الانتخابات المبكّرة في العراق، وصل قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قآني إلى غداد بزيارة سرّية لم يُعلن عنها، ما يشير بدوره إلى حجم الاستنفار الإيراني الكبير من نتائج الانتخابات، وإمكانية تأثيرها على نفوذ إيران ومصالح حلفائها في العملية السياسية.

ويأتي ذلك خصوصًا أن تحالف الفتح (الذي تنضوي تحته الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة) المقرَّب من إيران، كان أحد أبرز المتضرِّرين من نتائج الانتخابات الأخيرة، حيث حصل على 14 مقعدًا، بعد أن كان يشغل 49 مقعدًا في انتخابات 2018، وبالتالي فإن مراجعة بسيطة لطبيعة المواقف السياسية الصادرة من إيران وحلفائها، تعطي صورة واضحة لطبيعة التطور الحاصل في الساحة العراقية.

وفي هذا الإطار، جاء البيان الذي أصدره الإطار التنسيقي لـ"فصائل المقاومة" العراقية، في ردٍّ على بيان النصر الذي أصدره مقتدى الصدر، بمنزلة عملية ردّ فعل واضح بعدم القبول بالأمر الواقع، والتلويح بمواجهة حاسمة مع التيار الصدري فيما لو اقتضت الأمور، خصوصًا في موضوع الردّ على "حصر السلاح بيد الدولة"، حيث أشار بيان الإطار التنسيقي إلى أن "فصائل المقاومة" لن تسلِّم سلاحها إلا للإمام المهدي!

كما أشار زعيم تحالف الفتح، هادي العامري، إلى أن التحالف لن يقبل بهذه النتائج المفبركة مهما كان الثمن، مشيرًا إلى استعداد التحالف للدفاع عن أصوات مرشحيه وناخبيه، وهو ما ذهب إليه الأمين العام لحركة حقوق، حسين مؤنس، بأن هناك إرادة داخلية وخارجية وراء منع قوى المقاومة من دخول البرلمان.

إن الانخراط الإيراني السريع بتطورات المشهد الانتخابي في العراق، لم يقتصِرْ على قآني فحسب، بل زار بغداد أيضًا مسؤول ملف العراق في "حزب الله" اللبناني محمد كوثراني.

ورغم تهنئة وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، في رسالة وجهها إلى نظيره العراقي فؤاد حسين، بنجاح الانتخابات المبكّرة في العراق، إلا إنه بالمقابل ذهبت العديد من المنصات الإعلامية الإيرانية للحديث بلُغة مغايرة، ففي غرفة خاصة على منصة "كلوب هاوس" جمعت العديد من الشخصيات السياسية والإعلامية والأكاديمية الإيرانية، تناولت تداعيات صعود الصدر وخسارة حلفاء إيران، أشار الأستاذ الجامعي هوشنك شيخي إلى أن إيران فشلت في إثبات صداقتها للشعب العراقي.

أيضًا تحدّث الصحفي هادي خسرو شاهين عن أن دوائر صنع القرار السياسي في إيران اليوم غائبة تمامًا عن التحولات السياسية والاجتماعية التي تحصل بالعراق، معتبرًا أن نتائج الانتخابات تمثّل تهديدًا حقيقيًّا على النفوذ الإيراني في العراق مستقبلًا، وبالاتجاه ذاته ذهب الصحفي حسين نخيلي بقوله إذا استمرَّ الوضع الراهن بالعراق بالتصاعد على هذا النحو، فإن إيران ستتحمّل نتائج وخيمة، كما أشار المتحدث السابق باسم الخارجية الإيرانية حسين أنصاري إلى أن شعار مقتدى الصدر بتشكيل حكومة عراقية قوية، سيعرّض مصالح إيران للخطر في المنطقة.

وفي سياق مواجهة تداعيات نتائج الانتخابات المبكّرة، فإن الانخراط الإيراني السريع بتطورات المشهد الانتخابي في العراق، لم تقتصِرْ على قآني فحسب، بل زار بغداد أيضًا مسؤول ملف العراق في "حزب الله" اللبناني محمد كوثراني، الذي يمتلك نفوذًا واسعًا داخل الفصائل المسلحة، كما أنه على ما يبدو جاء من أجل موازنة جهود التهدئة التي يقوم بها قآني في بغداد، بعدم توجُّه الأمور نحو الصدام بين الصدر والفصائل المسلحة، التي تبدو متوجِّسة جدًّا من إقدام الصدر على أية خطوات تصعيدية تهدِّد نفوذها وتأثيرها بالعملية السياسية.

يأتي ذلك بينما الصدر اليوم يسعى لاستثمار الأغلبية الانتخابية التي تحققت، وتوظيفها في عملية تشكيل حكومة عراقية بعيدًا عن أية تأثيرات أخرى، في ضوء رسائل إيجابية وصلت من تحالفات انتخابية أخرى فائزة بالانتخابات، أبرزها تحالف تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، وتحالف كوردستان بزعامة مسعود برزاني، عبّروا فيها عن استعدادهم للتحالف مع الصدر في تشكيل الحكومة المقبلة.

نظرة بسيطة إلى طبيعة المشهد السياسي الحالي، تعطي انطباعًا واضحًا بأن حالة الاستقرار السياسي في العراق ستتعرّض لهزات عنيفة في المرحلة المقبلة.

إن الخطاب الأخير الذي صدر عن الصدر، جاء مختلفًا بصورة كبيرة عن خطاب النصر الذي صدر بعد ظهور النتائج الأولية للانتخابات المبكّرة، ويحمل نبرة مرنة وأُفُقًا أوسع للتفاعُل مع القوى الرافضة لنتائج الانتخابات، وعلى ما يبدو أنه يسعى للوصول إلى تسوية سياسية تبعدُ شبح المواجهة المسلحة، لإدراكه بأن عزل التيار السياسي المقرَّب من إيران مسألة صعبة للغاية.

فاللعبة السياسية لا تحسمها نتائج الانتخابات عادةً، بل أن قدرة تحويل الصراع للشارع تمثّل أحد مصادر الحسم أيضًا، وهو ما بدا واضحًا في خطاب الطرفَين، ففي الوقت الذي تمسّك فيه الصدر بشرعية نتائج الانتخابات، تمسّكت الفصائل المسلحة بشرعية مواجهة تنظيم "داعش"، وبين هاتين الشرعيتَين تبدو الأمور ماضية نحو حالة انسداد سياسي، لن تنتهي حتى تُحسَم جدلية القبول بنتائج الانتخابات.

إن نظرة بسيطة إلى طبيعة المشهد السياسي الحالي، تعطي انطباعًا واضحًا بأن حالة الاستقرار السياسي في العراق ستتعرّض لهزات عنيفة في المرحلة المقبلة، فالمسألة لا تتعلق اليوم بحالة التوافق السياسي على مستوى الحصص والمناصب، وإنما بشرعية وجود الحشد الشعبي، سواء على مستوى الهوية أو على مستوى الدور، وهو ما يمكن وصفه بأنه أصل الخلاف بين الطرفَين، ومحور الرسائل والخطابات المتبادلة فيما بينهم.

وقد أشار إلى هذا أبو علي العسكري، المتحدث باسم كتائب "حزب الله"، عندما قال: "الإخوة في الحشد الشعبي هم المستهدفون الأساسيون، وقد دُفع عربون ذبحهم لمن يريد مقاعد في مجلس النواب، وعليهم أن يحزموا أمرهم وأن يستعدّوا للدفاع عن كيانهم المقدس".