كادت الأمور في لبنان أن تنزلق إلى حرب أهلية جديدة لولا تدارك الوضع في اللحظة الأخيرة، أو لولا استشعار الأطراف المعنية خطورة ذلك، وهي تدرك مسبقًا الكلفة باهظة الثمن على الجميع فيما لو انزلق البلد إلى أتون تلك الحرب.

فقد تحوّلت مسيرة راجلة وتظاهرة دعا إليها حزب الله وحركة أمل أمام قصر العدل في بيروت، اعتراضًا على قرارات وإجراءات المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار؛ إلى صدام مسلح أسقط 6 قتلى وأكثر من 20 جريحًا، فضلًا عن الخسائر المادية وترويع المدنيين في محيط الصدام في منطقة بدارو شرق بيروت.

وفي تفاصيل الحادثة أنّ مسيرة لأنصار الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) كانت تتّجه من منطقة الضاحية الجنوبية في بيروت باتجاه قصر العدل في منطقة المتحف، سالكة طريق صيدا القديم بين منطقتَي الشيّاح وعين الرمانة، وعند وصول التظاهرة السيّارة والراجلة إلى مستديرة الطيّونة، حصل إطلاق نار وتحوّل إلى صدام مسلح استُخدمت فيه عمليات القنص والرشقات الرشاشة، ما أدّى إلى إصابة عدد من المتواجدين في التظاهرة وسقوط بعضهم قتلى.

كما تمّ تبادل إطلاق النار مع القنّاصين الذين قالت الروايات إنّهم اعتلوا أسطح بعض الأبنية في منطقة عين الرمانة ذات الكثافة المسيحية، فيما أطلق مسلحون من الجهة المقابلة في منطقة الشيّاح أعيرة رشاشة وقذائف صاروخية باتجاه الأبنية المقابلة، والملفت، رغم تضارب الروايات حول أسباب بداية الصدام، أنّ القتلى الذين سقطوا أصيبوا إصابات مباشرة بالرأس.

أسباب التحرك والصدام

بعد انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/ آب من العام 2020، أحال مجلس الوزراء اللبناني القضية إلى المجلس العدلي، وهو أعلى محكمة في لبنان مبرمة الأحكام، وكلّف المجلس ابتداءً القاضي فادي صوّان محققًا عدليًّا بالقضية، وقد ادّعى القاضي صوّان على رئيس الحكومة السابق، حسّان دياب، وعلى وزراء سابقين نوّاب حاليين، وعلى قادة أجهزة أمنية وعسكرية؛ غير أنّ القاضي صوّان تنحّى عن القضية لأسباب ظلّت مجهولة وأرجعها البعض إلى تهديدات تلقّاها.

وعندما تمّ تعيين القاضي طارق البيطار محققًا عدليًّا بدل القاضي صوّان، وبعد اطِّلاعه على الملف وعلى الحيثيات، أعاد الكرّة وادّعى على الأشخاص ذاتهم الذين ادّعى عليهم القاضي صوّان من قبل، حيث سلك المُدعى عليهم السُّبل القانونية لردِّ الادِّعاء، ولكن القضاء رفض ذلك وأصرّ على الملاحقة، وهنا بدأوا توجيه تهم الاستنسابية والتسييس للقاضي البيطار، غير أنّ ذلك لم يغيّر من المشهد شيئًا حتى دخل على خط الملف حزب الله واعتبر أن القاضي البيطار يعمل باستنسابية وطالبَ بتغييره.

وخلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة حذّر وزيرا الثنائي الشيعي من أنّهما لن يعودا إلى الحكومة قبل تغيير القاضي البيطار وكفّ يده، فما كان من رئيس الجمهورية، ميشال عون، الذي يُعتبر حليفًا لحزب الله، إلا أن علّق الجلسة وفضّ الاجتماع من أجل المعالجة الهادئة، في وقت دعا أنصار حزب الله وأمل إلى تظاهرة أمام قصر العدل للمطالبة بكفّ يد القاضي البيطار عن القضية، وحصل ما حصل خلال توجُّه التظاهرة إلى قصر العدل.

شارع مقابل شارع

دعوة حزب الله وأمل إلى التظاهر أمام قصر العدل والتحرك في الشارع، قابله تحرك أهالي الضحايا الذين سقطوا بانفجار المرفأ في الشارع. فقد تظاهر أهالي الضحايا أمام قصر العدل أيضًا دعمًا للقاضي البيطار، وأصرّوا على معرفة الحقيقة وإقامة العدالة، غير أن الأهم هو أن رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، ورئيس حزب الكتائب اللبنانية، سامي الجميّل، حذّرا من أن الشارع سيقابله شارع آخر، بمعنى آخر التحرك الميداني سيقابَل بتحرك ميداني من نوعه.

كما دعا كل منهما رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى تحمُّل مسؤوليتهما حيال ما اعتبراه تدخُّلًا في عمل القضاء في بلد يقوم نظامه على مبدأ فصل السلطات، والملفت أن ما حصل من صدام مسلّح في منطقة الطيّونة حصل في منطقة كانت تُعتبر تاريخيًّا خط تماسّ بين المنطقة الشرقية من بيروت (عين الرمانة)، التي كانت تسيطر عليها في حينه الميليشيات المسيحية، والمنطقة الغربية من بيروت (الشيّاح) والتي كانت تقع تحت سيطرة الميليشيات المسلمة.

وقد أعاد هذا المشهد إلى الأذهان اليوم صورة الحرب الأهلية المشؤومة، خاصة أنها في العام 1975 اندلعت من المنطقة ذاتها، من عين الرمّانة، ولذلك كانت هناك خشية من أن تشكّل هذه الأحداث بداية تشكُّل خطوط تماس جديدة تقسِّم لبنان من جديد، غير أنّ لبنان يبدو أنه تخطّى هذا القطوع هذه المرّة أيضًا.

مأزق حكومة ميقاتي

ما حصل في محيط قصر العدل وفي منطقة الطيونة من بيروت، وضعَ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي لم يمضِ على عمرها سوى قرابة شهر أمام مأزق خطير جدًّا. فهي قدّمت نفسها على أنّها حكومة إنقاذ وطني لأزمة متفاقمة على المستويات المعيشية والحياتية والاقتصادية، غير أن ما جرى جعلها في موضع الباحث عن من ينقذه.

فهي اليوم باتت عاجزة عن عقد جلساتها ومقاربة أي ملف بانتظار الموقف الذي سيقرّره الثنائي الشيعي، في ضوء مطالبته بكفِّ يد القاضي البيطار، كما أنها ظهرت لا تملك رؤية لحلّ الأزمة المعيشية التي تعصف بالبلد، لا سيما الكهرباء والمحروقات، وبات دورها محصورًا بشكل أساسي بإدارة الأزمة بانتظار إجراء الانتخابات النيابية المقبلة في أواخر مارس/ آذار المقبل، هذا إذا توفّرت الفرص المناسبة لإجراء الانتخابات، لأنّ الانتخابات قد تكون أيضًا من ضحايا الصدام المسلح الذي حصل اليوم.

وأمام هذا المشهد، وأمام العجز الحكومي، قد يُقدم الرئيس ميقاتي على تقديم استقالته دون انتظار الانتخابات المقبلة، لأنه سيدرك أنه غير قادر على تقديم أي شيء للمواطن اللبناني يخفّف من أعباء الحمل الملقى على عاتقه.

غير أن أبرز وأهمّ نتائج ما جرى يوم 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، أن واقعًا جديدًا بدأت معالمه ترتسم في سماء لبنان، وأبرز معالم هذا الواقع الجديد كسر حصرية السلاح بعدما بات متعذرًا حصره بيد الدولة، وبغضّ النظر عن الجهة التي أطلقت النار عن طريق القنص في الطيونة، غير أنّها قالت عبر الصدام الذي حصل إنه لم يعد هناك حصرية سلاح لأي طرف، فالشارع مقابل الشارع والسلاح مقابل السلاح واللعب على حافة الحرب الأهلية قد يكون الممرّ الإجباري للعودة إلى السلم الأهلي، وقد يكون المنزلق نحو الفوضى العارمة التي يمكن أن تعيد تركيب لبنان من جديد كما يشتهي البعض ويريد.